المادة والمادة المضادة
الدكتور. محمد الصادق بوعلاق
یسود في الأوساط العامة رأي تغشاه الضبابیة وتسیطر علیھ الغفلة والجھل .... رأي تحوّل إلى قناعة واعتقاد ومفاده أننا نعیش في عالم مادي صرف. لكن، ومن جھة أخرى، أثبتت بعض البحوث في " المیكانیكا الكمیة " وجود ما یضاد للمادة، أو وجود المادة والمادة المضادة : بمعنى أنھ تُرافِق المادة مادتھا (Mécanique quantique) المضادة فیصیر بذلك لكل جسیم جسیمھ المضاد، ولكل ذرة ذرتھا المضادة، ولكل جزيء جزیئھ المضاد .... إنھا خطوة جدیدة یخطوھا الإنسان نحو الباري جل ثناؤه لتنكشف لھ معھا بعض الحقائق الربانیة. ھذه الثورة في الفكر والمنھج (علاوة على أنھا ثورة في الفیزیاء)، ھذا الانقلاب في المنظار والمعتقد، جاء نتیجة رحلة معرفیة كان بطلھا رجل ذو (Paul Dirac) " ذكاء حاد وفكر عمیق، تدرج في أبحاثھ واستفاد من تجارب غیره : إنھ الفیزیائي البریطاني " دیراك صاحب الأبحاث الفیزیائیة الریاضیة اللامعة، والتي كانت أھمھا – وھو ما یعنینا في ھذا البحث – نظریة " الإلكترون مع فیزیاء الكم مبرھنا من خلال (Einstein) النسبویة "– التي حاول من خلالھا دمج نظریة النسبیة الخاصة لآینشتین ذلك على وجود المادة المضادة، مما أكسبھ جائزة " نوبل " للفیزیاء سنة 1933 م وسنُّھ واحد وثلاثون عاما.
كانت معادلة " أینشتین " الشھیرة، التي تربط المادة بالطاقة، ھي المحرك والدافع الذي بھ اھتدى " دیراك "إلى وجود مادة مضادة. ومعادلة " أینشتین " في أصلھا لا تُكتب بالشكل الذي نعھده أي :
الكتلة = مربع سرعة الضوء x الطاقة
ك = ص2 x ط ( 1 ) E = m * C2
بل تُكتب بالصورة الریاضیة التالیة :
( 2 ) E2 = m2 C4. ص4 x ط2 = ك
رأى " دیراك " أن الجذر التربیعي للمعادلة یسمح لنا بكتابة :
( 3 ) E = ± m C2 ص 2 x ط = ± ك
ولھذه الكتابة تصنیفات فیزیائیة ھائلة، ومضامین بنیویة جدیدة. تعني الإشارة السالبة (-) وجود مستوى سالب للطاقة، یتوازى ویماثل المستوى الإیجابي. ھذا المستوى السالب للطاقة یقود بدوره إلى وجود جسیمات لھا نفس كتل الجسیمات العادیة ولكن ذوات شحن مضادة. وحین تتلاقى المادة (ذات المستوى الموجب للطاقة) والمادة المضادة (ذات المستوى السالب للطاقة) یتلاشى الاثنان ویمحقان وتتحول الكتل إلى طاقة كبیرة في انفجار ھائل ( 1).... لكن ھذه الوضعیة لا تحدث طبیعیا في الواقع الفیزیائي، بمعنى أنھ لم یتم التحاكك المباشر بین المادة والمادة المضادة .... واصل "دیراك " استنتاجاتھ لیصل إلى حتمیة وجوب وجود آلیة فیزیائیة (في نظره) تمنع وقوع ھذه الكارثة. ولم تكن بالنسبة "لدیراك" سوى مبدأ الاستبعاد (Principe d’exclusion) الذي وضعھ " باولي." (W. Pauli) .
ینص ھذا المبدأ ببساطة وتبسیط على أنھ لا یمكن لزوجین من الإلكترونات، أو أكثر، داخل الذرة الواحدة أن یكون لھما نفس العدد الكمي، وبالتالي لا یمكن أن یكون لھما نفس المدار حول النواة، ونفس السرعة؛ ونتیجة لذلك لا یمكن للإلكترونات أن تتقارب مع بعضھا البعض زیادة على حد معین. وذلك ما فسر بھ " باولي " احتشاد الإلكترونات في مسارات مختلفة حول النواة الذریة دون أن تتصادم وھي تحاول الوصول إلى مستوى أدنى من الطاقة.
إذا أتیحت لي فرصة تصنیف ھذا المبدأ فإني أصنفھ بالضعیف والساذج، حیث یحمل في طیاتھ تناقضا موضوعیا یتمثل في استبعاد من جھة، وتقارب من جھة أخرى، یترجم وجوده دالتان متكاملتان أحداھما متماثلة وثانیھما غیر متماثلة. یضع ھذا المبدأ یدیھ على مسألة من أعصى مسائل " میكانیكا الكم "، لا یمكن حلھا دون الرجوع إلى " سنة الزوجیة " ومفھوم " البرزخ ". عدم وجود حل مجد وصحیح لھذه المسألة، عبر تاریخ الفیزیاء، قاد إلى فكرة " السحب الإلكترونیكیة " واحتشاد الإلكترونات في مسارات مختلفة. (nuages électroniques)
مھما یكن من موقفي من ھذا المبدأ – وھذا المقام لیس محل لمناقشتھ – فإن " دیراك "، وفي محاولاتھ للإجابة عن كم ھائل من أسئلتھ، طبّق مبدأ " الاستبعاد الإلكتروني " على مشكلة وجود الطاقة السالبة للمادة، واستعان بھ لمعرفة إمكانیة امتلاء ھذه الطاقة بالإلكترونات. بالرغم من ضعف مبدأ الاستبعاد " لباولي " وسذاجتھ وابتعاده عن المفاھیم الناضجة الرصینة .... بالرغم من ذلك فإن ھذا المبدأ (أي مبدأ الاستبعاد) من شأنھ أن یمنع الإلكترونات العادیة ذات الطاقة الموجبة أن تھبط في الطاقة السالبة. بھذه الكیفیة أقنع " دیراك " نفسھ، ومن حولھ ومن جاء بعده، بحفظ المادة من الفناء والتلاشي وعدم امتصاص كل ضد لضده. في مقابل ذلك، أثبت " دیراك " أیضا وبعد مجھودات ریاضیة كبیرة أنھ لو امتص إلكترونا ذو طاقة سالبة فوتونا لھ طاقة كافیة فإن ھذا الإلكترون سیصبح موجب الطاقة مخلفا وراءه ثقبا في الفراغ، وھذا الثقب ھو جسیم لھ نفس كتلة الإلكترون .( إلا أن شحنتھ موجبة ( 2 بالرغم من ألمعیة " دیراك " والمستوى الراقي والعمیق لأبحاثھ، إلا أن نتائجھ وأفكاره حول المادة المضادة لم تتبلور دفعة واحدة، بل كانت متدرجة ومنفتحة على غیره من الفیزیائیین. أثبت " دیراك " سنة 1928 م وبطریقة نظریة أنھ من الممكن حل مجموعة كبیرة من المسائل الفیزیائیة إذا جسدنا الإلكترون كجسم أكثر تعقیدا مما ھو علیھ وقتھا، أي إذا أضفنا لھ جسیما آخر یشابھ الإلكترون كتلة وصورة إلا أنھ ذو شحنة كھربائیة مضادة. وقد بدأ " دیراك " فعلا في تصور أن ھذا الجسم الجدید من الممكن أن یكون البروتون نظرا لشحنتھ الموجبة، علما وأن كتلتھ (البروتون) تعادل 2000 مرة كتلة الإلكترون. لكن لم یسمح تناظر معادلات " دیراك " وتوازنھا من إقحام ھذا الجسیم. أثناء ذلك (أي سنة 1932 م) یدرس باھتمام الأشعة الكونیة، وھي جسیمات (K. Anderson) " كان في كالیفورنیا باحث یدعى " كارل أندرسون عالیة الطاقة متأتیة من الفضاء الخارجي تصطدم بجو الأرض مولدة وابلا من مختلف الجسیمات الذریة. أثناء مشاھداتھ العدیدة ودراساتھ لآثار ھذه الجسیمات العالیة الطاقة، اھتدى " أندرسون " إلى جسیم انحرافھ ذو اتجاه مضاد للإلكترون، كتلتھ موازیة لكتلة الإلكترون، وشحنتھ مضادة لشحنة الإلكترون (موجبة). تأكد الفیزیائیون إذن من وجود ھذا الجسیم (e -) مقابل رمز (e +) ورمز إلیھ برمز ،(positron) " الضدید للإلكترون، وأطلقوا علیھ اسم " بوزیترون للإلكترون. كانت مشاھدة أزواج الجسیمات وجسیماتھا المضادة خیر دلیل على صحة نظریة " دیراك ". منح " دیراك " جائزة " نوبل " للفیزیاء سنة 1933 م، ونالھا " أندرسون " سنة 1936 م لاكتشافھ البوزیترون. تم بعد ذلك وقع تأكید قاعدة غایة في الأھمیة : " لكل جسیم ذري في الطبیعة جسیمھ المضاد " : للبروتون بروتونا مضادا .... للإلكترون إلكترونا مضادا ... للنیوترون نیوترونا مضادا ( حتى وإن لم تكن لھ شحنة فإن لھ جسیمات مضادة من كواركات مضادة) .... من المذھل كذلك أن تثبت التجارب أنھ عندما یلتقي جسیم بجسیمھ المضاد یسفر ھذا الالتقاء عن تلاش مھول وفناء مروع العالیة الطاقة .... حین یتصادم مثلا إلكترونا وبوزیترونا (Rayons γ) للمادة .... فناء یصاحبھ إطلاق لأشعة جاما 511 ) وذوي اتجاھات معاكسة. Kev) یتكون زوج من الفوتونات لھما من الطاقة : 511 كیلو إلكترون فول


تأكّد الفیزیائیون من إمكانیة تحوّل المادة إلى إشعاع، كما أنھ من الممكن أن یتحول الإشعاع إلى مادة .... عرفوا ذلك جیدا، لكن تبقى مجموعة من الأسئلة العمیقة تخامر ذھن كل من أراد أن یتقدم بفكره ویرقى بإدراكھ .... أسئلة عمیقة وغزیرة نسوق منھا :
- ما الذي یحفظ الكون ویمنعھ من الانھیار وتحَولھ إلى أشعة جاما تحت وطأة انفجارات مریعة ؟
- إذا كان التخلیق الابتدائي للمادة قد تم على أزواج (مادة ومادة مضادة) – كما قالت بذلك معظم النظریات –
- فماذا حدث للمادة المضادة ؟ .....أین اختفت المادة المضادة في الكون ؟ ھل لھذا الكون كون مضاد أو مواز لھ : كون مرآوي معكوس ؟ .... إذا كان ذلك كذلك فما ھي خصائصھ ؟
- من ھم عماره ؟ أین مكانھ ؟
- یقول الحق تعالى : " وما قدروا الله حق قدره والأرض جمیعا قبضتھ یوم القیامة والسماوات ومطویات بیمینھ. سبحانھ وتعالى عما یشركون " ( 3)؛ مع أن الحق تعالى لیس لھ یمین ولا یسار، ولا ھیئة ولا صورة – تعالى عن ذلك علوا كبیرا – وإنما ساق لنا ذلك تقریبا للصورة في أذھاننا. إذا كانت الأرض ومن فیھا وما فیھا، والسماوات ومن فیھا وما فیھا مطویات بیمینھ – وھو تشبیھ تتقاصر العقول عن إدراك معناه – فماذا یطوي الحق تعالى بیساره. ألا یمكن أن تكون أرض وسماوات مرآویة معكوسة بالنسبة لأرضنا وسماواتنا ؟ ما المانع من ذلك ؟
- إذا كان لكل جسیم جسیمھ المضاد، وإذا كانت المادة الجامدة والحیة متألفة من نفس الجسیمات (انظر " سنة وحدة الخلق والتكوین " ( 4) ) فھل لھذه الموجودات – من إنسان وحیوان ونبات وجماد – مضاداتھا ؟
- لو خرجنا من محدودیة المادة وعممنا " سنة الزوجیة " ھل لأفكارنا ما یعاكسھا؟ ھل لعقولنا ونوایانا ما یوازیھا؟ ھل لأعمالنا وأقوالنا ما یضادھا ؟
أما عن السؤال الأول الخاص بحفظ الكون، فأورد قول الحق تعالى : " إن الله یمسك السماوات والأرض أن تزولا. ولئن زالتا إن أمسكھما من أحد من بعده. إنھ حلیما غفورا " ( 5). تشیر الآیة الكریمة – من جملة ما تشیر إلیھ – أن الله تعالى یحفظ السماوات والأرض أن تزولا أو أن تضمحلا لأن الممكن كما یحتاج إلى الواجب حال إیجاده یحتاج إلیھ حال بقائھ ( 6). الله سبحانھ وتعالى ھو الحافظ للكون، والممسك لھ من الزوال والفناء؛ وقد مر بنا أن اللقاء المباشر للمادة بضدھا ینتج عنھ الزوال والفناء والتلاشي، فتتحول المادة إلى تموجات طاقیة شدیدة الإشعاع (أشعة جاما) مصحوبة بانفجارات مریعة .... كیف یحفظ الله تعالى الكون من الفناء والزوال ؟ .... یحفظھ عن طریق البرزخ ......
وما البرزخ ؟ .....
إذا كان كل شيء مركب من أزواج متقابلة الشقین، متضادة الصفات، ومتكاملة الوظائف، فلن یكون لھذا العالم وجود إذا لم یتوسط كل شق من شقي أزواجھ حاجز یحجز الشق الأول أن یبغي على شقھ المقابل فیغشیھ ویبدل صفاتھ، ویعطل وظیفتھ، فیختل بذلك التوازن، وتنھار التركیبة الوجودیة والبنیة الكونیة. ھذا الحاجز یعبر عنھ الخطاب القرآني بلفظة " برزخ " حیث یقول سبحانھ وتعالى : " مرج البحران یلتقیان بینھما برزخ لا یبغیان " ( 7)، ویقول أیضا : "وھو الذي .( مرج البحرین ھذا عذب فرات وھذا ملح أجاج وجعل بینھما برزخا وحجرا محجورا " ( 8 إذا أردنا تعریف " البرزخ " فیمكن الرجوع إلى الشیخ الأكبر محي الدین بن عربي قدس سره حیث یقول في شأنھ أنھ : "أمر فاصل بین أمرین لا یكون متطرفا أبدا كالخط الفاصل بین الظل والشمس " ( 9). إذا تجاور أمران فإنھما حتما یفتقران إلى برزخ لیس ھو عین أحدھما، وفیھ قوة كل واحد منھما، وظیفتھ الأساسیة حفظ الأمرین معا بالمحافظة على یفصل بین بنیتین متضادتین (Interface) تركیبة كل منھما. أما فیزیائیا، فمن الممكن تعریف البرزخ بسطح بیني .( لوظیفة تكاملیة. دون البرزخ تتلاشى البنیتان المتضادتان وتمحقان، وتتدمران ذاتیا ویتعذر جمعھما ( 10 لیس للفظة " برزخ " ما یعدلھا ولا ما یعادلھا في الثقافة الغربیة، ولا في مصطلحاتھا اللغویة، وذلك لقصر في المفاھیم الغربیة نفسھا التي لا تتجاوز المحسوس ولا تتعدى الملموس؛ مفاھیم أسیرة المحسوسات وسجینة المادیات، تفتقد لأجنحة تحلق بھا نحو حقائق المعقولات ورقائق الغیبیات. المنظومة الغربیة منظومة فقیرة ومحتاجة : فقیرة إلى النظرة الربانیة السلیمة التي تجمع بین العوالم والحضرات، وتسوق المفاھیم الأصیلة التي تكشف عن آلیات الوجود فتتولد منھا (المفاھیم) ألفاظا دقیقة في التعبیر ووفیة في الوصف .... محتاجة إلى من یخرجھا من ضیق الحس إلى سعة العقل والروح، ومن قید التجربة إلى طلاقة التجرید. لم یوفق المترجمون إلى إیجاد أي عبارة تترجم بوفاء معاني ومضامین لفظة " برزخ "، Monde ) عالم وسیط .... (Isthme) بون .... (Intervalle) فمن جملة الألفاظ المستعملة نقرأ مثلا : فاصل وغیر ذلك .... إلا أنھ لم تنجح أي منھا في الترجمة بوفاء لمضامین مفھوم .... (Subtil) دقیق .... (intermédiaire "البرزخ ". من المھم إذن إدخال ھذا المفھوم العملاق في الثقافة الإنسانیة لكي تستطیع البشریة من خلالھ إیجاد حلول لمسائل فیزیائیة وریاضیة ووجودیة مستعصیة، توقفت عندھا البشریة ولم تتمكن من تجاوزھا لافتقارھا لمفاھیم دقیقة وأصیلة ووفیة مثل مفھوم " البرزخ " .... نعم، یُعتبر مفھوم " البرزخ " المفتاح لحل لغز ھذا السؤال الأول : " البرزخ " جندي من جنود الحق تعالى، ركیزة الوجود وآلیة من آلیات حفظھ. أما باقي الأسئلة فإن الإجابة عنھا تتجاوز مدار العلم : ھي مسائل غنوصیة – اعتقادیة بالأساس، لا یلعب العلم فیھا سوى دور المحرك .... مسائل تستنجد بمعارف أخرى أرقى من العلوم لتستقي منھا بعض الحقائق التي تساعدھا على تحسس طریق كدرتھ ظلمة المحسوس. أتطرق إلى ھذا الموضوع بإیحاءات موجزة – مع قلة الباع – فأقول وبالله التوفیق :
إن شئنا قسمنا العوالم إلى صنفین : عالم شھادة وعالم غیب وفقا لقولھ تعالى : " عالم الغیب والشھادة الكبیر المتعال " 11 ). عالم الشھادة ھو كل ما أدركھ الحس، ویقابلھ عالم الغیب وھو كل ما غاب عن المحسوسات. وعالم الغیب جامع ) لعوالم أخرى كعالم الملكوت، وعالم الجبروت وعالم الأمر، وعالم الخیال المطلق، وغیرھا ؛ وتفصیل ھذه العوالم یخرج عن إطار موضوعنا، لكن یجب معرفة أن تلك العوالم متفاضلة فیما بینھا، وأن أدناھا عالم الشھادة. فعالم الشھادة بالإضافة إلى عالم الغیب كالقشرة بالإضافة إلى اللب، والصورة والقالب إلى الروح؛ وھو، أي عالم الشھادة، تحت قھر وتسخیر عالم الملكوت. لا تصدر حركة ولا قول ولا فعل ولا سكون من عالم الشھادة إلا عن عالم الغیب، حكمة من الحق تعالى. عالم الشھادة یدرك بالحس، أما عالم الغیب فیدرك بإحدى الطرق الثلاث : إما بالخبر الشرعي المتمثل في كلام الحق جل شأنھ أو الرسول الأكرم صلى الله علیھ وآلھ وسلم أو الأئمة علیھم السلام، وإما بالنظر العقلي المسدد، أو بالوارد الرباني والإلھام الصمداني. من أفاضل الرحمة الإلھیة أن جعل عالم الشھادة على موازنة مع عالم الملكوت، وربما كان الشيء الواحد في عالم الشھادة مثال أشیاء عدیدة في عالم الملكوت، وأقصد بالمثال إذا ماثلھ نوعا من المماثلة وطابقھ شیئا من المطابقة، وإحصاء تلك المماثلة وحصر تلك المشابھة شيء لا تفي لإجلائھ الأعمار القصیرة ولا ترقى لھ الھمم الجلیلة.


1) : راجع أیضا : " القرآن والكون – من الانفجار العظیم إلى الانسحاق العظیم – "، أسامة علي خضر، المكتبة العصریة، بیروت 2006
2) : راجع كذلك المصدر السابق
3) : الزمر : 67 )
4) : راجع كتابي " علم السنن الإلھیة "؛ د, محمد الصادق بوعلاق، دار البحار – بیروت 2009
5) : فاطر : 41
6) : راجع : " المیزان في تفسیر القرآن" – الآیة السابقة
7) : الرحمان : 19
8) : الفرقان : 53
9) : الفتوحات المكیة، ج 1، ص 304 ، الباب 63
10) : د. ھادي العقربي " Lumières dans le monde des quanta " مطبعة تونس قرطاج