فجوة في نظریة " داروین "
الدكتور محمد الصادق بوعلاق
نطرح سؤالا مھما : ھل یعد " تشارلس داروین " (1809 - 1886 م) أول من نادى بالتطور ؟
لو طرحنا ھذا السؤال على كتب المتقدمین وأثر السابقین لكان الجواب فوریا وقاطعا : لم یكن داروین أول من نادى بالتطور ولا أول من تبنى نظریة النشوء والارتقاء، بل سبقھ العدید من المتقدمین.
- كان " إخوان الصفاء "، وھم من أدرك القرن العاشر میلادي (الرابع ھجري)، یرون أن ھذه المملكة الربانیة ذات بنیة تراتبیة، تدرجیة، محكومة بالتطور، تشكل المعادن أدنى مراتبھا ویمثل الإنسان أعلاھا، ویتوسطھا كل من النبات والحیوان، وأن آخر مرتبة صنف أول مرتبة الصنف الذي یلیھ. لننصت إلیھم یقولون : " اعلم یا أخي بأن أول مرتبة الحیوان متصل بآخر مرتبة النبات، وآخر مرتبة الحیوان متصل بأول مرتبة الإنسان، كما ؛( أن أول المرتبة النباتیة متصل بآخر المرتبة المعدنیة، وأول المرتبة المعدنیة متصل بالتراب والماء " ( 1 وعن الحلزون یقولون : " فھذا النوع حیوان نباتي لأن جسمھ ینبت كما ینبت بعض النبات، ویقوم على ساقھ قائما، وھو من أجل أن یتحرك جسمھ حركة اختیاریة حیوان، ومن أجل أنھ لیس لھ إلا حاسة واحدة فھو أنقص الحیوان رتبة في الحیوانیة. وتلك الحاسة أیضا قد یشارك بھا النبات، وذلك أن النبات لھ حس اللمس فقط. والدلیل على ذلك إرسالھ بعروقھ نحو المواضع الندیة، وامتناعھ من إرسالھا نحو الصخور والیبس أیضا " ( 2)؛ ویقولون كذلك عن النخل أنھ : " .... آخر المرتبة النباتیة مما یلي الحیوانیة، وذلك أن النخل نبات حیواني، لأن بعض أحوالھ مباین لأحوال النبات، وإن كان جسمھ نباتیا. بیان ذلك أن القوة الفاعلة منفصلة من القوة المنفعلة، والدلیل على ذلك أن أشخاص الفحولة منھ مباینة لأشخاص الإناث، ولأشخاص ( فحولتھ لقاح في إناثھا كما یكون ذلك للحیوان "(3)
- كما نجد نفس الاعتقاد یسیطر على فكر ابن خلدون حیث یقول ( 4): " إن عالم التكوین ابتداء من المعادن ثم النبات ثم الحیوان على ھیئة بدیعة من التدرج، آخر أفق المعادن یتصل بأول أفق النبات مثل الحشائش وما لا بذور لھ، وآخر أفق النبات مثل النخل والكرم متصل بأول أفق الحیوان مثل الحلزون والصدف ولم یوجد لھا قوة إلا اللمس فقط .... ومعنى الاتصال في ھذه المكونات أن آخر أفق منھا مستعد بالاستعداد الغریب لأن یصیر أول الأفق الذي بعده، واتسع عالم الحیوان وتعددت أنواعھ وانتھى في تدریجھ التكویني إلى الإنسان صاحب الفكر والرؤیة ترتفع إلیھ من عالم القردة الذي اجتمع فیھ الحس والإدراك ولم تنتھ إلیھ الفكر والرؤیة بالعقل وكان ذلك أول أفق الإنسان من بعده وذلك غایة شھودنا ". كما یورد الدكتور حسن حامد عطیة في كتابھ " خلق الإنسان بین العلم والقرآن " أنھ جاء في كتاب " الفكر الإسلامي " (م. م. شریف، ترجمة الدكتور أحمد شلبي) ما یلي : " أما نظریة النشوء والارتقاء فإن ابن مسكویھ ومعاصره ابن سینا قد طورا النظریة التي قال بھا قبلھما إخوان الصفا وجاء بعد ذلك ابن خلدون الفیلسوف المؤرخ وجلال الدین الرومي الفیلسوف الشاعر فسارا في نفس الطریقة وزادا المسألة شرحا ودراسة.
- ویمكن القول في إیجاز ویقین إن ابن مسكویھ یقرر في نظریة النشوء والارتقاء نفس النظریة التي قررھا داروین بعده بتسعة قرون، ویوجز الشبلي في كتابھ " علم الكلام " تلك النظریة كما قال بھا ابن مسكویھ فیقول : " إن امتزاج العناصر الكونیة أنتج مملكة الجماد وھي أقدم مملكة وجدت في تاریخ الكون وھي كذلك أحط الممالك. وخطا الكون خطوة إلى الأمام حیث ظھرت مملكة النبات مبتدئة بالحشائش ثم بالأعشاب فالأشجار ... وتستمر ھذه المملكة قرونا وقرونا ثم بدت وھي في طریقھا إلى المرحلة التالیة مرحلة الحیوان تقرب رویدا رویدا من المملكة الحیوانیة فظھرت أشجار لھا صفات قریبة الشبھ بصفات الحیوان ثم جاءت فترة یبدو أنھا طویلة بین مملكتي النبات والحیوان لیس من السھل أن تحسب من ھذه أو تلك لأن بعض عناصرھا كالمرجان لھا خصائص من المملكتین.وبعد ھذه الفترة تطل على الكون مملكة الحیوان وھي تبدأ بسیطة ساذجة حیث ظھر كائن ضئیل لھ القدرة على الحركة وبھ شيء من الإحساس ذلك ھو الدیدان الصغیرة وقد تطور ھذا الكائن رویدا رویدا حتى ظھر الحیوان الذي لوحظ بھ جانب من الذكاء .... وقد مر الكون خلال ذلك بقرون وقرون. ویستعد الكون للوصول إلى أرقى مملكة عرفھا وھي مملكة الإنسان فإن الحیوان یأخذ في الرقي من ناحیة شكلھ ومن ناحیة فكره فیصل إلى القرد ثم تتطور أنواع القردة كذلك حتى یظھر الإنسان ".
- وفي مثنویة الرومي (وھي قصیدة طویلة في التصوف) تطرق لھذه الفكرة عبر الأطوار التي مر بھا الإنسان؛ : ( ترجمة القصیدة تقول ( 5 لقد ظھر أول إنسان على الأرض كائنا غیر عضوي ثم تطور إلى نبات حیث عاش قرونا وقرونا ولم یتذكر الإنسان وھو نبات أیامھ قبل ذلك وعبر الإنسان حقبة النبات متجھا إلى مملكة الحیوان ومرة أخرى نسي أنھ عاش فترة وھو نبات ولم یبق في نفسھ إلا بقایا قد لا یدرك كنھھا بقایا توجھ حبھ نحو عالم النبات وبخاصة في مطلع الربیع حیث تستمیلھ الأزھار ولیس ذلك إلا كمیل الطفل إلى أمھ یلتھم – دوم وعي – ثدیھا وینال منھ وانتقل الإنسان من عالم الحیوان إلى عالم البشر حیث الفطنة والفكر السلیم والعلم والإرادة ونسي مرة أخرى التربة منھا انبعث وسیتطور الإنسان مرة أخرى إلى طور جدید
إذن لیس " داروین " أول من طرح نظریة التطور ولا أول من قال بفكرة النشوء والارتقاء. دون الدخول في التفاصیل الدقیقة للنظریة الداروینیة – وھذا لیس موضوع بحثنا – نلخص القول في أن " داروین " كان یرى ببساطة ( 6) أن الكائنات الحیة، في محاولتھا التكیف والتلاؤم مع البیئة، طورت أعضاءھا لتواجھ الاحتیاجات المتعددة التي تتطلبھا تلك البیئة. فالحیوانات التي نزلت الماء نشأت لھا زعانف وذیول وخیاشیم، والحیوانات التي اقتحمت الھواء تكونت لھا أجنحة وأجسام انسیابیة خفیفة .... والحیوانات التي اختارت الأرض صارت لھا أذرع وأرجل وأصابع .(7)
بھذه الطریقة تنوعت الحیوانات واختلفت وصار كل نوع منھا مجھز بما یواجھ بھ بیئتھ .... فمن مجموع الفصائل – كما یدعي داروین – لم ینشأ إلا الحیوان الأقدر على مواجھة بیئتھ الصعبة المعقدة، والأكفأ في حلبة الصراع الدائر من أجل البقاء. وفي أثناء الصراع الطویل تموت الأنواع التي تعجز عن التكیف، وتعمر الأنواع التي تثبت ملاءمتھا وتبرھن صلاحیتھا. بھذه الطریقة قامت الطبیعة – في نظر داروین – بنفسھا بعملیة اختیار للأصلح، وتنقیة للأنسب ، وتمحیص للأجدر، واستبعاد للأضعف، وإقصاء للأقل ملائمة .... قامت الطبیعة بذلك تلقائیا دون الأخذ بأي اعتبار آخر .... كیف نشأت الزعانف الأولیة للحیوانات المائیة مثلا في نظر داروین ؟
یرجع داروین ھذه النقلة أو القفزة النوعیة إلى الصدفة أو الأخطاء حیث كان یرى أنھ أثناء عملیة التوریث والتناسل تحدث توالیف وطفرات نتیجة أخطاء طفیفة في عملیة النسخ والنقل الوراثي تؤدي أحیانا إلى أمراض وراثیة ومسوخ وأجنة مشوھة، وأحیانا تكون ھذه الطفرات أكثر ملائمة للبیئة ( 8). فنتیجة خطأ طفیف مثلا في عملیة النقل الوراثي یولد جنین بأرجل مبططة، ومثل ھذه الأرجل تكون أكثر صلاحیة للعوم من الأرجل العادیة، لذلك یعیش ھذا الولید الجدید ویعمر في البیئة المائیة لأنھ أصلح من غیره، ویعیش نسلھ ویعمر لأنھ أصلح من الأنسال الأخرى ....
بھذه الكیفیة تنمو – حسب داروین – الصفة الجدیدة : صفة الأرجل المبططة لأن الحیوانات ذات الأرجل العادیة تھلك وتموت غریقة .... ولا تعیش إلا الحیوانات ذات الأرجل المبططة. وبالتدرج، وخلال ملایین السنین، تخرج إلى الوجود أعضاء جدیدة ھي الزعانف، لسبب بسیط ھو أن جمیع الحیوانات ذات الأرجل العادیة ھلكت غرقا في ھذه البیئة المائیة، بینما عاشت وتطورت وتناسلت وتكاثرت كل من ولدت بأرجل مبططة تحولت فیما بعد إلى زعانف.
وبمثل ھذه الطریقة – حسب داروین – نشأت الأجنحة للحیوانات التي اقتحمت الھواء، ونشأت الأذرع والأرجل والأصابع للحیوانات التي بقیت على الأرض.
إن ما حدث – في نظر داروین – مرده الأول للصدفة أو الخطأ في عملیة النسخ والنقل الوراثي .... إن ما حدث – في نظره – انتقاء قاس للأنسب، وتمحیص فضیع للأجدر، وبقاء للأصلح، مقابل ھلاك للأضعف، اقصاء للأقل حیلة، وموت وفناء لعدیم اللائمة للبیئة .... انتقاء وإقصاء، بقاء وفناء، تثبیت وإبعاد .... قامت بھا الطبیعة بشكل عفوي وبطریقة تلقائیة في إطار صراع الحیاة الدموي. یتضح جلیا مما تقدم أن الارتقاء والتطور لا ھدف لھ، في نظر داروین، إلا نشوء أنواع قادرة على التأقلم مع خصائص بیئتھا، وإفراز فصائل بإمكانھا التغلب على متغیرات محیطھا. فالمسألة، حسب النظرة الداروینیة، لا تعدو أن تكون سوى مجرد ارتقاء في القوى المادیة، وتحكم الحافز الطبیعي وحده في آلیات التطور، وتوجیھھ نحو مزید من القدرة، والكفاءة للسیطرة على العوائق البیئیة، ولبلوغ مصلحة حیاتیة وحیدة ھي البقاء. وھذا یعني فیما یعنیھ استبعاد قاطع لكل ما ھو غیر مادي .... إقصاء لأي تدخل خارج المادة .... تنكر لكل غائیة أو قصد .... وإنكار لوجود عقل مطلق یخطط ویشرف على كل الأمور، وجحود لأي ید ھادیة مرشدة تقود الحیاة وترشد الأحیاء في رحلة مئات ملایین السنین .... لقد قام " تشارلس داروین " بعمل یستحق الاحترام والتقدیر حیث أمضى ثمان وعشرین سنة من عمره (من 1831 إلى 1859 میلادي) یجوب أرجاء العالم على ظھر الباخرة " بیجل "، یجمع الملاحظات ویدوّن المفارقات بین مختلف أسر الأحیاء من نبات وحیوان وإنسان. في سنة 1859 میلادي أصدر كتابھ " أصل الأنواع "، ونشر كتابھ في "أصل الإنسان" سنة 1871 میلادي، حیث أحدث بھما رجة عنیفة في عالم النظریات الفكریة، وحطم بھما ما بقي من ثوابت .( العصور الوسطى
لاحظ داروین أشیاء تجلب الانتباه، وتحیر العقول، وتدعو إلى إعمال الفكر، وتحث على البحث والتدقیق .... إن الحیاة تتكیف وتتلون وتغیر من تكوینھا لتتلاءم مع بیئتھا وتتأقلم مع محیطھا. إن ما شاھده داروین حقیقة .... حقیقة لا یمكن إنكارھا، غیر أن فقدانھ للمنھج السلیم، وللھدي الرباني القویم، ووجوده في وسط طغت علیھ المادیة بتبریراتھا أفقدتھ عمق النظرة، ودقة التحلیل، وأمانة الطرح، وجعلتھ یتعسف في تفسیر الأمور، فیلبسھا طابعا مادیا، ویضعھا في أسر المادة، وفي سجن أحكامھا؛ وھذا خطأ من أفضع أخطاء داروین، وفجوة من ضمن فجوات نظریتھ عن النشوء والارتقاء حیث أرجع عوامل التطور إلى عوامل داخلیة بحتة، وألغى كل تدخل خارجي، وأقصى كل غائیة وقصد، وجعل الحیاة تتقدم بفعل آلیات مادیة داخلیة ذاتیة، وتتصرف بحوافز باطنة دون تدخل عقل حكیم یقدر ویخطط، وید ھادیة ترشد وتمنح. نحن أمام نظریة وضعت یدھا على آلیة من أھم آلیات نشوء أسر الأحیاء من نبات وحیوان وإنسان، إلا أنھا فشلت فشلا ذریعا في أن تفسر بأمانة، وتشخص بدقة، وتبین بعمق كیفیة حدوث الترقي بینھا ....
نحن أمام نظریة عاش صاحبھا في وسط مادي، تشكل عقلھ بطریقة جدلیة مادیة، ففھم الحیاة كمادة، وفسر تطورھا بدوافع مادیة، تماما كما فعل " ھیغل " حین أرسى دعائم الجدلیة المثالیة مسیئا لفھم آلیات سنة " التدافع "، أو كما فعل "كارل ماركس " حین أنتج طرحھ الجدلیة المادیة ثم فلسفة الصراع الطبقي مسیئا كذلك لفھم وللاستفادة من آلیات سنة "التدافع " فھذه النظریة – كما أوضح الشیخ محمد جعفر شمس الدین في كتابھ " دراسات في العقیدة الإسلامیة " ( 10 لا تعدو أن تكون موقفا متأرجحا من جملة المواقف التي أدى إلیھا عصر النھضة، كردود فعل للموقف الظالم والمستبد الذي وقفتھ الكنیسة الرسمیة في العصور الوسطى وما بعدھا من الإنسان، حریتھ وعقلھ وكرامتھ. وغالبا ما تمیزت ردود الفعل ھذه بالعاطفة والعناد والارتجال، العاطفة التي تشل العقل وتمنعھ من الرؤیة الواضحة، والعناد الذي لا یقیم للموضوعیة وزنا ولا قیمة، والارتجال الذي یؤدي دائما إلى النتائج الفاسدة إن لم تكن المدمرة " .... لكن الواقع یؤكد في جمیع الأحوال أشیاء كثیرة .... یؤكد أن الحیاة لیست مجرد صراع وتنافس وتطاحن للمادة لفرض ذاتھا ولترسیخ ھیمنتھا على بیئتھا وتوكید نفوذھا على محیطھا .... إنما في الحیاة أشیاء تفوق المادة وتتعدى ضیقھا إلى آفاق أرحب، وتتجاوز أسرھا إلى أرجاء أوسع؛ وھذه لیست الفجوة الوحیدة في نظریة داروین، فھناك فجوات وفجوات عدیدة أخرى ....
بالرغم من أن داروین یبدأ شرح نظریتھ ببسط حقائق واقعیة ملموسة عن تنوع أسر الأحیاء، وبطرح مقدمات علمیة سلیمة عن التشابھ التشریحي بین المخلوقات، إلا أنھ ینتقل من ھذه المقدمات لیطرح تبریرات متعسفة ویستخرج نتائج مجحفة مقحما في تفسیره منطق الصدفة والضرورة والقفزات النوعیة، وھي تفاسیر بعیدة عن المنھج العلمي. یمثل الإنسان أطول مخلوقات المملكة الأرضیة عمرا، حیث لا یفوقھ في العمر إلا بعض السلاحف وبعض أنواع الأشجار، كما یتمتع أیضا (الإنسان) بأطول فترة حضانة وطفولة وشباب تقارب الأربعین سنة. وطوال ھذه المدة یتعلم الإنسان ویجمع الخبرات والمھارات، وینمي ملكات الفكر والعقل والإرادة لدیھ، فتتراكم تجاربھ، وتتسع مداركھ، وینمو تراثھ، وتتعدد أفعالھ، وتتشعب أعمالھ، ویتمیز عن سواه من المخلوقات. لو خلق الإنسان عن طریق قفزة نوعیة عن حیوان آخر لقضى المنطق السلیم بأن تكون فترة الحضانة والطفولة والشباب أقصر مما ھي لدى ذلك الحیوان؛ فیترتب عن ذلك نقص في المھارات، وعدم نضج في التجارب والأعمال، ونفي لتمییز الإنسان عن بقیة المخلوقات، وھذا ما یتعارض مع حقیقة الأشیاء وینافي الواقع. یخبرنا حال الإنسان وتفوقھ وتمیزه عن بقیة المخلوقات، بأن نشوءه (الإنسان) وتسلقھ شجرة التطور یستحیل أن یأتي عن طریق قفزة نوعیة. ذلك أنھ لا یعقل أن تكون الطبیعة العمیاء، أو الصدفة الھوجاء، قادرة على التخطیط الواعي والرشید لمثل ھذه القفزات النوعیة. وبالمثل ھناك العدید من الحلقات المفقودة بین كل رتبة حیوانیة والرتبة التي تعلوھا، تماما كالحلقة المفقودة مثلا بین القرود العلیا والإنسان، والتي لم تستطع الحفریات ملأ تلك الفجوة ولا ردم تلك الھوة.
یمثل ما جاء بھ داروین مجرد ترجیح أو احتمال من ضمن احتمالات عدیدة لتسلسل الحیاة وتطورھا ... مجرد نظریة كغیرھا من النظریات، تماما كالنسبیة التي نادى بھا " آینشتین "، أو كالجاذبیة التي تبناھا " نیوتن "، أو النظریة الكمیة التي أرسى دعائمھا " ماكس بلانك "، أو المیكانیكا الموجیة " لشرودنجر " .... مجرد نظریة تحتمل الصواب والخطأ ولیست یقینا علمیا؛ بل من الخلط العلمي اعتبارھا یقینا، ومن الواجب النظر إلیھا على أنھا نظریة أو احتمالا أو فرضا.
بین الداروینیة والصھیونیة العالمیة
إذا كانت نظریة " داروین " مجرد نظریة كغیرھا من النظریات التي تحتمل الخطأ والصواب، لماذا لم تنحصر في الدراسة المعملیة الأكادیمیة التي قام علیھا داروین نفسھ، وإنما سلكت مسارا إلحادیا رجت بھ العقیدة رجات عنیفة قلبت المفاھیم رأسا على عقب، وحطّمت ثوابت العصور القدیمة، وأقامت بناءا معادیا للعقیدة ومحاربا للدین ومجافیا لھ ؟ الإجابة عن ھذا السؤال الخطیر نستقیھ وللأسف من فكر الصھیونیة العالمیة حیث ورد في كتاب " بروتوكولات حكماء صھیون " ما یلي : " إن داروین لیس یھودیا، ولكنا عرفنا كیف ننشر آراءه على نطاق واسع، ونستغلھا في تحطیم الدین " ( 11 )، كما ورد في نفس الكتاب أیضا : " لقد رتبنا نجاح داروین وماركس ونیتشھ، بالترویج لآرائھم. وإن .( الأثر الھدام للأخلاق الذي تنشئھ علومھم في الفكر غیر الیھودي، واضح لنا بالتأكید " ( 12 الأمر یتعدى إذن مجرد النظریة، ویتجاوز الأبحاث العلمیة والأعمال المعملیة إلى تحقیق الأھداف الدنیئة والمآرب الوضیعة للصھیونیة العالمیة .... ھدم الأخلاق، وتحطیم الدین، والقضاء على العقیدة. كانت الصھیونیة العالمیة تتربص بالبشریة وتنتظر الفرصة السانحة لأداء " واجبھا المقدس " وتحقیق حلمھا الكبیر .... واجب تركیع الشعوب والھیمنة علیھا، وحلم السیطرة على " الأمیین " واستعباد البشریة .... تطبیقا لتعالیھم المتطرفة وتماشیا مع ما جاء في صفحات التلمود المحرف، وقد وجدت في داروین وغیره ضالتھا المنشودة لبث سمومھا ولخدمة مآربھا بعد أن غلفت آراءھم بغلاف إلحادي واستغلت طروحاتھم استغلالا خبیثا فاحشا. فالتلمود یعتبر غیر الیھودي المتصھین حمار یجب ترویضھ والركوب علیھ، یقول لھم : " إن الأمیین ھم الحمیر الذین خلقھم الله لیركبھم شعب الله المختار "، والأمي (أو الأمیین) حسب التلمود ھو كل من لم یكن إسرائیلیا أو صھیونیا، جاء في التلمود نفسھ : " إن الإسرائیلي معتبر عند الله أكثر من الملائكة. فإذا ضرب أمي إسرائیلیا فكأنھ ضرب العزة ( الإلھیة " ( 13 ونقرأ في الإصحاح 52 من سفر أشعیا :
- " استیقظي، استیقظي، البسي عزك یا صھیون، البسي ثیاب جمالك یا أورشلیم لأنھ لا یعود یدخلك في ما بعد أغلف ولا نجس ". والأغلف عندھم ھو النصراني، والنجس ھو المسلم، وأورشلیم ھي القدس التي ستحرم فیما بعد على غیر الیھودي المتصھین.
كما نقرأ أیضا في الإصحاح 49 من سفر أشعیا :
- " ھكذا قال السید الرب، ھا أنا ذا أرفع إلى الأمم یدي وإلى الشعوب إقلیم رایتي فیأتون بأولادك في الأحضان وبناتك على الأكتاف یحملن ویكون الملوك حاضنیك وسیداتھم مرضعاتك .... بالوجوه إلى الأرض یسجدون لك ویلحسون غبار رجلیك فتعلمین أني أنا الرب لا یخیب من انتظره ".
سوف تسجد شعوب أمم آخر الزمان إلى بني صھیون وتلحس غبار نعال أحذیتھم !!! ھذا ما تعدھم بھ تعالیم عقیدتھم الفاسدة المحرفة !!!.
والذي یقرأ ما ورد في أصحاح أسفار توراتھم المحرفة سیجد الإرھاب والنھب، والإبادة وسفك الدماء .... یقول الإصحاح 11 من سفر أشعیا :
- " ویكون في ذلك الیوم أن یجمع الرب جمیع المشتتین والمنفیین من أبناء إسرائیل ویھوذا من أربعة أطراف الأرض .... لینقض الجمیع على أكتاف الفلسطینیین غربا وینھبون بني المشرق معا .... یكون على أدوم وموآب امتداد أیدیھ وبنو عمون في طاعتھم ویبید الرب لسان بحر مصر ویھز یده على النھر بقوة ریحھ ویضربھ إلى سبع سواق یعبر فیھا بنو إسرائیل بالأحذیة وتكون سكة لبقیة شعبھ كما كان لإسرائیل یوم الخروج من أرض مصر ".
إنھ القتل والدمار، والذبح والتشرید، والخراب وسفك الدماء .... یقول الإصحاح 34 من سفر أشعیا أیضا :
- " للرب تكون ذبیحة في البصرة وذبحا عظیما على أرض أدوم وترتوي الأرض بالدم وتتحول أنھارھا زفتا وترابھا كبریتا وتصیر أرضھا زفتا مشتعلا لیلا ونھارا لا تنطفئ إلى الأبد یصعد دخانھا. إلى أبد الآبدین لا یكون من یجتاز فیھا. ویرثھا القنفذ والقوق والكركي والغراب ویمتد علیھا خیط الخراب ومطمار الخلاء .... رؤساؤھا وأشرافھا یكونون عدما ویطلع في قصورھا الشوك والعوسج فتكون للذئاب.ھناك یستقر اللیل ویجد لھ محلا. خراب إلى یوم الدینونة ".
إنھ الاستعلاء واستعباد الآخر ....
كما نقرأ من الإصحاح 15 في سفر التكوین :
- " كل مكان تدوسھ بطون أقدامكم یكون لكم من البریة إلى لبنان من النھر نھر الفرات إلى البحر الغربي تكون تخومكم .... وقد اختارك الرب لتكون شعبا خاصا فوق جمیع الشعوب الذین على وجھ الأرض ".
تتجاوز القضیة إذن نظریة التطور وآراء النشوء والارتقاء، والأبحاث المعملیة والأطر العلمیة إلى إشباع نزوات الصھیونیة العالمیة وتحقیق مآربھا الخطیرة وتجسید مطامعھا الدنیئة. ربما لم یرد داروین نفسھ في أول أمره أن تأخذ نظریتھ طابعا إلحادیا یخرجھا عن إطارھا العلمي. فداروین لم یقل مثلا إن الإنسان انحدر من القرد، ولم یقل إن الجنس البشري من سلالة القرود العلیا، وإنما ھي نكتة سخیفة روجتھا وسائل الإعلام خدمة لأھداف مخفیة. كما أن النظریة الداروینیة في أصلھا المكتوب لا تؤكد بأن أیا من الأجناس الموجودة خرج من آخر .... وإنما كل جنس بذاتھ نھایة فرع مستقل من الشجرة .... لم یخرج فرع من فرع .... ولم یخرج صنف من صنف .... فكل فرع وكل صنف ھو ذروة نوعھ وھو مستقل بتكوینھ لا یطرح إلا مثلھ ( 14 ) .... ربما كان داروین رجل علم ینشر ما یعتقد أنھ صواب .... ربما لم یكن یسئ النیة في بسط وجھة نظره، وإن كان من الصعب تبرئتھ تاما من الخطأ في فصل آراءه عن مفاھیم الدین حیث یقول : " أن تفسیر الحیاة بتدخل الله یكون بمثابة إدخال عنصر خارق .( للطبیعة في وضع میكانیكي بحت " !! وحیث یقول أیضا : " إن الطبیعة تخلق كل شيء، ولا حد لقدرتھا " !! ( 15 ولكن الصھیونیة العالمیة ھي التي توفر فیھا الخبث وسوء النیة والتربص بالبشریة لتخریب كیانھا وتحطیم مقدساتھا. لربط الأحداث یجدر بنا الإشارة إلى أنھ بالتزامن مع النظریة الداروینیة برزت الثورة الصناعیة ومفاھیمھا تدك الأرض دكا، وتشعلھا تحت أقدام المفاھیم والتقالید القدیمة، وتملأ الدنیا ضجیجا وحركیة وتغییرا. ولقد فرحت الصھیونیة العالمیة بھذین الحدثین ووظفتھما لخدمة مآربھا، وجعلت منھما نقطتا انطلاق لإفراز نھضة أوروبیة على أساس لا دیني .... فذلك یمثل لھا مدخلا جیدا ویمثل نصف الطریق لتحطیم العقیدة الأوروبیة، ومن وراءھا عقیدة البشریة. فالالتزام الدیني ھو العدو الدائم للصھیونیة العالمیة، والعقیدة ھي العقدة المستعصیة على مكر الماكرین، والصخرة الصلبة التي تتحطم علیھا كل الأطماع الدنیئة والمآرب الخبیثة. فإذا زعزعت العقیدة أصبح من السھل على الشیاطین ركوب الحمیر. لقد استغلت الصھیونیة العالمیة نظریة داروین ومفاھیم الثورة الصناعیة أبشع استغلال لتحطیم كل فضیلة باقیة، ولإزالة ما بقي من الأخلاق ومن احترام شعائر الدین، ولقطع الخیط الذي یربط الإنسان بعالم الغیب. استغلت داروین للجانب الفكري النظري، والثورة الصناعیة للجانب العملي المیداني. استغلت فكرة التطور الداروینیة على صورة بشعة لم یخطر لداروین نفسھ على بال؛ فجعلت منھا مدخلا لنشر الإلحاد، وأرضیة لمحاربة الدین، ومنطلقا لمھاجمة الأخلاق. فعرف الوسط الأوروبي أفكارا مزریة، وشعارات مخجلة من قبیل:
- الدین أفیون الشعوب " !!! .... " الدین مجموعة من الأساطیر ابتدعھا الإقطاعیون والرأسمالیون لتخدیر " الجماھیر الكادحة " !!! كما تبجح " ماركس ".
- الدین ناشئ من الكبت .... من عقدة أودیب " !!! كما تھكم " فروید ". "
- الدین لیس فطرة " !!! كما ردد " دركایم ". "
- خلاق مجرد انعكاس للوضع الاقتصادي المتطور على الدوام ولیست قیمة ثابتة " !!! كما ردد " ماركس " ."
- الأخلاق تتسم بطابع القسوة حتى في صورتھا الطبیعیة العادیة " !!! كما تبجح " فروید ". "
- لزواج لیس فطرة !! والأخلاق شيء لا یمكن الحدیث عنھ ككیان ثابت " !!! كما روج " دركایم ". " ومثل ھذه الأفكار الھدامة، والشعارات الھابطة كثیر.
لم تكتف الصھیونیة العالمیة بالعمل في عالم النظریات بل استغلت كذلك مفاھیم الثورة الصناعیة ووثبت فوق شعاراتھا لتنتج النظام الرأسمالي الطاغي، ولتجعل الفساد أساسھ، والمجون أركانھ، والدعارة سقفھ .... فالرأسمالیة في حقیقتھا وجوھرھا بدعة صھیونیة .... بدعة وأكذوبة یستعید من خلالھا المرابون نشاطھم الشیطاني القدیم تحت شعارات ولافتات جدیدة .... بدعة ومغالطة یمارس من خلالھا الیھود سلوكھم القدیم المتوارث في شكل جدید متجدد .... بدعة ومنزلق خطیر یرسي فیھ الصھاینة دعائم مؤسسات ھابطة (من دور سینما، وأماكن عروض أزیاء، وأوكار دعارة وقمار ....) لا ھدف لھا سوى مغازلة رغبات الإنسان والقضاء على أخلاقھ، لیتجرد الإنسان من إنسانیتھ، وتشل حیویتھ ولا یبقى فیھ سوى غرائزه الحیوانیة، فیصبح " الأمیون " (أو غیر الصھاینة) مسلوبي الإرادة لا تحركھم سوى الشھوة ولا یقودھم إلا الجنس، ولا تحكمھم غیر اللذة .... حینھا یثب الصھاینة على ظھور الحمیر لتحقیق الحلم الشیطاني الأكبر الذي رسمتھ كتبھم المحرفة ووصایاھم السریة؛ ألم تقل لھم تعالیمھم السریة صراحة : " تربصوا حتى تجدوا الغفلة التي تثبون فیھا .( على ظھور الحمیر " ( 16)
لقد سقط القناع وبان جلیا إفلاس المنظومة العلمیة الغربیة وفساد تصورھا للكون والإنسان والحیاة، وانحراف سلوكھا، وتلاعب الصھیونیة بمقوماتھا الفكریة. أمام ھذا الإفلاس الذریع والانحراف المخیف، ووصول المنظومة الغربیة إلى وضعیة حرجة، وإیصالھا البشریة إلى نفق مسدود وحیاة مادیة مقیتة .... أمام كل ھذا الخور والإفلاس، آن أوان التأسیس لبناء صرح علمي جدید یسایر الفطرة وینسجم مع نوامیس الكون – كما كان من قبل – وذلك لن یكون إلا باتباع منھج سلیم، وصراط قویم؛ ولن یستطیع إحداث ھذه النقلة التطھیریة والقفزة الإنقاذیة إلا عقل مسلم ارتوى بھدي الإلھ الكریم واستنار بنور الرسول الأمین وأھل بیتھ الطاھرین.