فرضیة " الانفجار العظیم " تحتضر
الدكتور محمد الصادق بوعلاق
ملخص : أرسى البلجیكي " جورج لوماتر (Georges Lemaître)" قواعد فرضیة یرى فیھا أن الكون نشأ عن طریق انفجار عظیم تكون على إثره المكان والزمان متبوعین بتوسع عظیم للكون وبانتشار طاقة رھیبة تفوق التصور البشري، فكانت ما تسمى بفرضیة “ الانفجار العظیم” (théorie de Big Bang).
لقیت الفرضیة استحسانا كبیرا في الأوساط العلمیة لأنھا استطاعت الإجابة عن جملة من التساؤلات الخاصة بالزمان والمكان والمادة والطاقة، كما تفوقت على منافساتھا واستطاعت – عبر تأویلات واستنتاجات لمشاھدات فلكیة – أن تفرض طرحھا، إلى درجة أنھا أصبح - منذ ستینیات القرن العشرین- من شبھ المسلمات. تكشف ھذه الدراسة عن نقائص الفرضیة، وتسلط الضوء عن الشروخ العدیدة والصد وع الكثیرة التي بدأت تنال من كبریائھا (الفرضیة) وتفند صحة تصوراتھا.
أھم استنتاجات الفیزیاء – الفلكیة للقرن العشرین
ثلاث استنتاجات رئیسیة – تُعَد الآن الأسس التي ترتكز علیھا الفیزیاء الفلكیة – قلبت الفیزیاء رأسا على عقب منذ أواسط القرن العشرین، ومن ثمة غیّرت كلیا نظرة المجتمعات الغربیة للكون. تتمثل ھذه الاستنتاجات فیما یلي :
- في سنة 1929 تمكن " إدوین ھبل" (Edwin Hubble) من الوصول إلى استنتاج دقیق مفاده أن من الوصول إلى استنتاج دقیق مفاده أن المجرات تبتعد عن بعضھا البعض، وأن ھذا الابتعاد حاصل في كل الاتجاھات وبسرعات فائقة. لم یكتف بذلك، بل وضع قانونا عرف بقانون " ھبل " بیّن فیھ أن " سرعة تباعد المجرات عنّا تتناسب تناسبا طردیا مع بعدھا عنّا ". خلاصة ھذا الاستنتاج أن الكون في حالة تمدد مستمر.
- وقع في الستینیات من القرن العشرین تكثیف الرصد والمشاھدات الفلكیة قصد الكشف عن خاصیات الفراغ الفاصل بین أجرام السماء. وكانت النتیجة مذھلة حیث وقع التثبت من أن تلك المسافات الشاسعة بین الأجرام لیست فراغات، ولكنھا غلالات رقیقة جدا من الغازات یغلب علیھا غاز الھیدروجین حیث یمثل حوالي 75% منھا، ثم الھلیوم 24%, لتتقاسم بقیة العناصر الأخرى الواحد بالمائة المتبقیة؛ بمعنى أن حوالي 99% من مادة الكون المنظور یكونھا أخف عنصرین معروفین. وھذا ما أكّد مقولة أن العناصر الخفیفة (وأخفھا الھیدروجین) وقع تخلیقھا بعملیة الاندماج النووي، قبل العناصر الثقیلة بفترات طویلة، وأن العناصر الثقیلة من المرجّح أنھا قد تكونت داخل النجوم أثناء انفجارھا بكمیات أقل.
- اكتشف باحثان أمریكیان “ أ. أ. بنزیاس” (Aeno. A. Penzias) و “ ز. و. ویلسون” .(Wilson Robert ) - جائزة نوبل 1978 - سنة 1965 بمحض الصدفة إشعاعات صادرة على ھیئة إشارات رادیو منتظمة، سویة الخواص وقادمة من كل الاتجاھات في السماء، ودون أي توقف أو تغییر. وقد قدرت درجة حرارة تلك الإشعاعات بحوالي 273 درجة مئویة تحت الصفر، أي حوالي 2.7 درجة فوق الصفر المطلق.
تمدد الكون .... تخلّق العناصر الخفیفة بعملیّة الاندماج النووي قبل العناصر الثقیلة بفترات طویلة .... الخلفیة الإشعاعیة للكون .... كانت تلك من أھم استنتاجات الفیزیاء -الفلكیة للقرن العشرین. أدت تلك الاستنتاجات إلى نتیجة منطقیة ومھمّة مفادھا أنھ كلما عدنا إلى الوراء عكس الزمن، كلما تقلص حجم الكون، وانكمش، وزادت كتلتھ ودرجة حرارتھ وكثافتھ. یعود بنا ھذا التقلص والانكماش تدریجیا وعبر الزمن إلى نقطة .... نقطة اختزلت كل ھذا الكون الفسیح، بشموسھ ومجراتھ وكواكبھ ومكوناتھ .... في اللحظة الأولى لوجوده. وتمتاز ھذه النقطة بأنھا لانھائیة الكثافة، شدیدة الحرارة، تلتقي فیھا كل صور المادة والطاقة وكذلك المكان والزمان. یقود ھذا التسلسل الكرونولوجي (في الزمن) إلى الاعتقاد بأن ھذا الكون مخلوق .... أي أنھ لیس أزلیا، بل لھ بدایة. بمنظار آخر نقول : انتصرت النظرة الأفلاطونیة على الرؤیة الأرسطیة، حیث مثلت قضیة حدوث الكون أو أزلیتھ انشقاقا فكریا وفلسفیا منذ فجر التاریخ. كان أرسطو یعتقد في أزلیة الكون وسكونھ وثباتھ، في حین كان أستاذه أفلاطون یرى أن للكون بدایة؛ لكن وللأسف تغلبت الرؤیة " الأرسطیة " في ظاھرھا على المنظار الأفلاطوني (لأسباب أو لأخرى)، فترسخت بذلك، وعبر قرون عدیدة، عقلیة متحجرة ومنغلقة على نفسھا تؤمن بأزلیة الكون وثبوتھ وسكونھ. یعتقد الفیزیائیون أن ھذه النقطة العجیبة الرھیبة ھي الشرارة التي أخرجت ھذا الكون للوجود عبر انفجار عظیم تكونت على إثره وتدریجیا كل الشموس والكواكب والنجوم .... وبذلك برزت في الأوساط العلمیة ما یعرف بنظریة “ الانفجار العظیم ” (théorie de Big Bang) ھي في حقیقة الأمر لیست نظریة بل فرضیة – .... وشتان بین النظریة والفرضیة - .... مجرد فرضیة من بین فرضیات أخرى .... فرضیة لقیت استحسانا في الأوساط العلمیة لأنھا استطاعت الإجابة عن جملة من التساؤلات الخاصة بالزمان والمكان والمادة والطاقة .... فرضیة تفوقت على منافساتھا واستطاعت – عبر تأویلات واستنتاجات لمشاھدات فلكیة – أن تفرض طرحھا، إلى درجة أنھ أصبح منذ ستینیات القرن العشرین من شبھ المستحیلات الحدیث عن سیناریو عن نشأة الكون مخالف لسیناریو ما یعرف بفرضیة " الانفجار العظیم "؛ ومن النادر سماع تفسیر آخر لعملیة خلق الكون سوى تلك الحكایة التي تبدأ ب : " كان یا ما كان منذ 13.7 ملیار عام .... ".
نقائص وتناقض تعصف بصرح الفرضیة
من ینظر إلى فرضیة " الانفجار العظیم " من بعید یتراءى لھ تكاملھا وتماسكھا، وصعوبة اختراقھا وتفنیدھا؛ أما من یدقق فیھا من قرب فسیعرف أن بھا العدید من النقائص التي تھدد بقائھا، وتعصف بأسسھا، والكثیر من الشروخ والصدوع التي بدأت تنال من كبریائھا وتكشف عدم صحة تصوراتھا ووھم استنتاجاتھا. لنستعرض أھم ھذه النقائص، وأبرز ھذه الشروخ : جدار " بلانك "
- من المجدي الإشارة إلى أن فرضیة " الانفجار العظیم " نشأت ناقصة وعاجزة – حتى من وجھة نظر الفیزیاء الحدیثة نفسھا – حیث أن معادلاتھا وشروحھا تتوقف عند فترة زمنیة تعرف بزمن " بلانك " (Temps de Planck) الذي یمتد من لحظة الانفجار (صفر ثانیة) إلى زمن یساوي 10 قوة (-43) ثانیة. تعترف الفرضیة بعجزھا عن تخطي ذلك الحاجز الزمني (زمن بلانك) والمكاني (مكان - ثانیة ( 10 بلانك) وبأنھا غیر قادرة على تصور أحداث تلك الفترة الحرجة والفیصلة في عملیة الخلق .... والسؤال الذي یفرض نفسھ في ھذا الموضوع ھو : ھل یمكننا قبول سیناریوھان لعملة خلق واحدة، سیناریو قبل زمن بلانك، وآخر بعده ؟ إضافة إلى كل ما سلف فإن عدة شروخ بدأت تصیب ھذه الفرضیة، وعدة صدوع بدأت تنال من كبریائھا، وتكشف عدم صحة تصوراتھا، ووھم استنتاجاتھا – حتى في الأزمنة التي تفوق زمن بلانك – وذلك بشھادة شھود من أھلھا : أي بشھادة نتائج مشاھدات فلكیة حدیثة جدا تعارض الأسس التي قامت علیھا الفرضیة.
تطور المشاھدات الفلكیة
كلما تقدمت تقنیات ووسائل الرصد الفلكي، كلما تمكنا من مشاھدة نقاط أبعد في الجزء المرئي من الكون، والتوغل أكثر عبر الزمن. یلخص الجدول التالي عینة مما وقع رصده خلال القرن الماضي، حیث تدرج ما أمكن رؤیتھ من التجمعات المجریة من أبعاد تقدر ب 80 ملیون سنة ضوئیة إلى 12.8 ملیار سنة ضوئیة عام 2003 . إذا تواصل ھذا التسلسل بنفس الوتیرة فسیقودنا یوما إلى خارج حدود فرضیة " الانفجار العظیم "، التي ترى أن الكون وجد منذ 13.7 ملیار سنة، لیكون ذلك علامة من علامات تفنید النظریة



خصائص خارجة عن كل المعاییر
اكتشف فریق " مارك دیكنس (Mark Dickinson) في نھایة سنة 2005 المجرة المسماة HUDF-JD2 وسط التجمع المجري « constellation de la baleine ». منذ الإعلان عن ذلك وقع مشاھدتھا عن طریق تلسكوب " ھابل "، والتلسكوب الأوروبي الكبیر(VTL: Very Large Telescope ) ثم التلسكوب الفضائي " سبیت زار ، (Spite-zer) أدت المشاھدات العدیدة لھذه المجرة إلى خلاصة مفادھا أن بھا (المجرة) خصائص خارجة عن كل المعاییر. تشمل ھذه الخصائص البعد والكتلة والسن :
- وقع تقدیر بعدھا عنا ب 13 ملیار سنة ضوئیة؛ ویعد ھذا الرقم محیر جدا لقربھ من السن الافتراضي للكون المتنبأ بھ من طرف فرضیة “الانفجار العظیم “ والمقدر ب 13.7 ملیار سنة – بمعنى أن ما وقع مشاھدتھ ھي ظروف المجرة. "HUDF-JD2” ملیون700 سنة فقط بعد الانفجار العظیم.
- الشيء الذي زاد المسألة تعقیدا ھو أن حساب كتلتھا أعطى رقما مخیفا : 600 ملیار مرة كتلة الشمس – بمعنى أن كتلتھا تفوق كتلة مجرتنا درب التبانة بأربع مرات؛ وھذا مما صنفھا في عداد المجرات العملاقة. لكن السؤال الكبیر الذي یفرض نفسھ، ویظل مطروحا ھو : كیف تمكنت مجرة بھذا الحجم الكبیر وبھذه الكتلة الرھیبة من التكون بھذه السرعة الخیالیة بعد الانفجار العظیم ؟
- لیس ذلك شيء .... لأن مفاجأة أخرى كانت في الانتظار عند محاولة تقییم سن المجرة، حیث وجد الباحثون أنھا من المفترض أن تكون قد تكونت في أحسن الحالات منذ 200 ملیون سنة بعد الانفجار العظیم، وفي أسوء الحالات منذ 100 ملیون سنة قبل الانفجار العظیم.... بمعنى أن ھذه المجرة یمكن أن تكون أكبر سنا من الكون، وھذا شيء محال فیزیائیا.... وذلك ما حیر الباحثین والفیزیائیین الفلكیین.... لكن یجدر الإشارة إلى أن إشكال " مجرات مسنة في كون فتي " لیس ولید ھذه المشاھدة الفلكیة، بل ھو إشكال أصبح یتجدد مع كل مشاھدة فلكیة جدیدة، حیث یعتقد الفلكیون في إمكانیة العثور على نجوم ومجرات أكبر سنا من ذلك، مع تطور تقنیات المشاھدة والرصد الفلكي. إن تأكدت تلك الأرقام ( 13 ملیار سنة ضوئیة، 600 ملیار مرة كتلة الشمس، 100 ملیون سنة قبل الانفجار العظیم ....) فإن ذلك یعتبر من أكبر الشروخ التي تمزق كیان فرضیة " الانفجار العظیم " وتھدد وجودھا.
سوء تقدیر لخصائص الإشعاع الكوني
من جھة أخرى، یعد الإشعاع الكوني القاعدة الصلبة للنظریة، فھو یعطي معلومات حول حالة الكون 380000 سنة بعد الانفجار العظیم. بدأت تصیب ھذه القاعدة علامات الضعف، خاصة منذ قیاس سنة 2003 . حیث أثبتت نتیجة القیاسات الدقیقة " Wmap " الإشعاع بدقة من طرف القمر الصناعي أن اختلاف درجة الحرارة في الكون البدائي لم تكن تتعدى 0.0002 درجة مئویة؛ وھذا ما یبعث على أسئلة محیرة جدیدة : كیف تضاعف الاختلاف في درجة الحرارة بین الفراغ الكوني وقلب النجوم إلى أن وصل إلى ألف ملیار مرة خلال عشر أو مائة ملیون سنة بعد الانفجار العظیم ؟ .... كیف تحول وسط متجانس بسرعة غریبة إلى وسط لا متجانس تملأه تجمعات نجمیة وتسود أكثره فراغات ؟
ثمة موضوع آخر یتعلق بمصدر الإشعاعات الكونیة، حیث شكك فریق من الباحثین في مصدرھا، واعتبر أن جزءا كبیرا منھا منبعث من منظومتنا الشمسیة نفسھا؛ فیما شكك فریق آخر في جملة المعلومات المسجلة حول ھذه الإشعاعات ودعا إلى إعادة تحلیلھا وتأویلھا، حیث رأى أنھ من الممكن أن یكون جزء من ھذه الإشعاعات الكونیة غیر متأتي من عملیة الانفجار العظیم بل ناتج عن عدة ظواھر فیزیائیة محلیة مثل الغبار البینجمي ( poussières interstellaires) والغازات البیمجریة ( gaz intergalactique )

سؤال ذو ثلاثة جوانب
تقودنا تركیبة فرضیة " الانفجار العظیم " لبداھة إلى طرح سؤال ذو ثلاثة جوانب : كیف، ومتى، وأین حدث ھذا الانفجار العظیم ؟
- أما السؤال كیف .... فیظل، من وجھة نظر الفیزیاء الحدیثة والعلوم العقلیة المتداولة حالیا، مجھول الإجابة، حیث لا طاقة للعقول البشریة على استیعاب آلیاتھ، ولا قدرة للریاضیات والفیزیاء والعلوم العقلیة الأخرى على فك ألغازه ورموزه .... فالمیكانیكا الكمیة، والنسبیة العامة (اللذان یعتبران أساسا العلوم الحدیثة، والإطار النظري لما یسمى بفرضیة " الانفجار العظیم یعجزان عن التوغل، عبر الزمن، أبعد من حقبة " بلانك " حیث تمثل (ھذه الحقبة الصغیرة) حاجزا كبیرا وسدا منیعا تتعطل فیھا كل قوانین الفیزیاء. بمعنى أنھ لا معنى لكل القوانین إلا بعد " زمن بلانك " (10 -43 ثانیة بعد الانفجار) أما قبلھ فمحال تطبیق أي قانون، لأن جمیع المعادلات تعجز عن تحمل مالا قبل لھا بھ (تعجز أن تتضمن زمنا نھائیا، أو مكانا معدوما).
- أما السؤال أین .... ففیھ قدر كبیر من الالتباس، كما أنھ مثیر لكثیر من الجدل؛ حیث یتصور معظم الناس أنھ كان ثمة فراغ فیزیائي (أو مسافات فضائیة فارغة) لا یحتوي إلا على المادة الكونیة البدائیة في حالة مضغوطة إلى حد نقطة شدیدة الحرارة ولا نھائیة الكثافة؛ وأن ھذه النقطة الرھیبة انفجرت انفجارا عظیما قاذفة بكل أجزائھا إلى جمیع الأنحاء، مالئة لذلك الفراغ. ھذا التصور ساذج وخاطئ من وجھة النظر العلمیة، لأن مفھوم المكان ما وجد إلا عند لحظة بدایة الكون، أما قبلھا فلا معنى للمكان إطلاقا. تستحضرني قولة أثرت عن علي ابن أبي طالب علیھ السلام یصف فیھا الحق تعالى فیقول : " إن الله أین الأین فلا أین لھ، وجل عن أن یحوزه مكان .... " قولة غزیرة المعاني، یفوق وزنھا كل النظریات ویتعدى كل المعادلات .... نستقي منھا ، أن الأین قد أینھ الباري جل ثناؤه .... وما دام أنھ مؤیَّن یعني أن لتأیینھ بدایة .... وما دام لتأیینھ بدایة، فلھذه البدایة قبل وبعد .... أما البعد فكل ما ندركھ من الكون المرئي وما لا ندركھ، وأما القبل فالعدم المحض الموازي للوجود، إذ لا معنى للتأیین لو كان الأین موجودا؛ فالله تعالى كان ولا شيء معھ، وتحت سقف " شيء " یدخل المكان والزمان والطاقة والمادة وغیرھم ....
- أما السؤال متى .... فتقدر الحسابات الفلكیة أن عمر الكون قریب من 13.7 ملیار سنة، حسب التحالیل التي أجریت على الخلفیة الإشعاعیة للكون، وكذلك على بعض المستعرات العظمى (supernovae) البعیدة. أكدت ھذه التقدیرات أعمار بعض النجوم التي قیست بطریقة النظائر المشعة الطویلة المدة، فوجد أن ھذه الأعمار تتوزع بین 0 و 14 ملیار سنة. لكن تجدر الإشارة إلى أنھ وقع مؤخرا ( 3 مارس 2016 ) اكتشاف مجرات جدیدة وضخمة تبعد عنا مسافات تقدر ب 13,4 ملیار من السنوات الضوئیة (رقم یتناقض وعمر الكون)؛ وقدر أن أعمارھا (المجرات الجدیدة) تتراوح بین 200 ملیون سنة بعد " الانفجار العظیم " و 100 ملیون سنة قبلھ .... لو تأكدت ھذه الحسابات، فإنھا ستعصف بما یسمى بفرضیة " الانفجار العظیم " عصفا یفقد توازن الأوساط العلمیة.
مھما یكن من العمر التقدیري للكون، یجدر التنبیھ أیضا إلى أن مفھوم الزمن قبل الانفجار العظیم لیس لھ أي معنى، تماما كمفھوم المكان، لأن قبل وجود الكون لم یكن للزمن أي وجود .... فالزمان كالمكان خلقا مع الكون. وھذا ما توصلت إلیھ نظریة النسبیة حیث أدمج مفھومي الزمان والمكان في مفھوم واحد (الزمكان) فصارا متصلین ولا معنى لانفصالھما، إذ لا یمكن التفكیر في مكان دون زمان ولا زمان دون مكان.
الخاتمة
یكاد صرح فرضیة ما یسمى " الانفجار العظیم " ینھار عبر ما تحملھ لنا یومیا وسائل الرصد الفلكي المتطورة من صور لنجوم، وشموس ومستعرات ... وعبر ما یقع یومیا تأویلھ من نتائج تلك المشاھدات. بالرغم من كل المعادلات المطروحة، والجھود المبذولة .... بالرغم من كل ما كتب وقیل عما یسمى بفرضیة " الانفجار العظیم " 9 .... بالرغم من الھالة التي صحبت وتصحب الفرضیة، إلا أنھا تبقى ساذجة الطرح، سطحیة الرؤیة .... اتبعت في عملیة بناءھا النظري منھجا تلفیقیا یقحم استنتاجات المشاھدات الفلكیة بطرق تعسفیة، ویركبھا تركیبا مشطا لیجیب عن ما طرح – وقتھا - من أسئلة. لقد استنفذت الفرضیة كل طاقاتھا، واستھلكت جمیع إمكاناتھا، وبذلت أقصى جھدھا، لتقف في آخر المطاف حائرة عاجزة أمام عدة أسئلة جوھریة تفرض نفسھا على كل من أراد أن یغوص ویتعمق في فھم آلیات خلق الحق تعالى لھذا الكون؛ ھذه الأسئلة من قبیل : ما المادة الأولیة التي منھا خلق الكون ؟ .... ما خصائصھا ؟ .... ماذا حصل لھا ؟ .... ما ھي أھم المحطات الأولى لخلق الكون ؟ .... ماذا وقع خلف جدار "بلانك "؟ .... إنني أعتقد في ھشاشة أسس فرضیة " الانفجار العظیم " ونقص سیناریوھاتھا، لأن آلیات الخلق أشد عمقا من تصورات الفرضیة.