كثر الحديث عن المرأة في هذه الفترة، فأصبحت محور كثير من النقاشات، وموضوع العديد من التجاذبات، ورهان كثير من الأطراف والجماعات. قالوا عن حقوقها ما قالوا، ومن أبرز ما قالوا زعمهم أنّ أحكام الشريعة الإسلامية لم تنصف المرأة بل بخستها حقها، وفضلت الرجل عليها. تعالت أصوات تنتقد أحكام الميراث في الشريعة الإسلامية وتقف منها موقف نقد وطعن، ترى أنّ قيمة المرأة في الإسلام نصف قيمة الرجل. تسعى تلك الأصوات بشتى الطرق إلى إثارة قضية المساواة بين المرأة والرجل في الميراث وتسويقها في صورة مظلومية كبيرة للمرأة يجب رفعها، جاعلة من تلك الطعون مقدمة لإلغاء أحكام الشريعة الإسلامية في الميراث واستبدالها بأخرى تحقق – حسب زعمهم – المساواة بين الجنسين.
إذا كانت المرأة أحد ركيزتيْ الحياة وأحد الشقين للنفس الواحدة التي قضت الحكمة الإلهية إنشاء الحياة منها : " يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء " (النساء : 1) ....
إذا كانت المرأة موضوعا خصبا يحرّك العاطفة الإنسانية، ويُحظى بالمركزية الفكرية في الحياة البشرية .....
إذا كانت المرأة كذلك فليس غريبا أن تكون محور اهتمام الشرائع السماوية، وموضوع انتباه النظريات الأرضية، ومدار تركيز البرامج الفكرية، ورهان الحملات الانتخابية، ومحلّ تصفية الخصومات السياسية .....
ليس غريبا مادامت المرأة شيئا عظيما، فإن مثل هذا الاختلاف لا يكون إلا حول شيء عظيم، ومثل هذا التوظيف لا يكون إلا حول موضوع بالغ الأهمية، ومثل هذا الرهان لا يكون إلا على جواد رابح.
نحاول في هذا المقال الإجابة، بكلّ موضوعية وتجرّد، عن بعض الأسئلة المهمّة والحسّاسة من قبيل :
ماذا قدمت الشريعة الإسلامية للمرأة ؟
ما هي أحكام ميراث المرأة في الإسلام ؟
على ماذا انبنت فلسفة الإسلام في الميراث ؟
مساواة المرأة بالرجل في الميراث : اجتهاد أم شبهة ؟.....هل هي عملية بريئة، أم مكيدة شيطانية دنيئة ؟ ..... هل المراد منها إنصاف المرأة أم استهداف الإسلام والنيل من عدالته ؟ .....
المرأة في التشريع الإسلامي
كانت النظرة للمرأة قبل الإسلام سلبية جدا، حيث اعتبرها الرومان رجسا أو شيطانا، وعدّها اليهود القدامى أمـَرّ من الموت، واعتبرها عرب الجاهلية سـَبّة وعارا، أمّا أوروبا القرون المظلمة فوضعتها موضع شكّ وجدل، هل هي إنسان أم غير إنسان ؟ فإن كانت إنسانا هل لها نفس كالرجل أم لا ؟ .....
استفحل الظلم المُسلّط على المرأة، وعمّت ثقافة احتقارها واستعبادها في مجتمع الجزيرة العربية، وفي كلّ المجتمعات الإنسانية الأخرى. لا يذكر لنا التاريخ، في تلك الفترة المظلمة، تشريعا واحدا أعطى المرأة ولو جزءا بسيطا من حقوقها في الميراث، ولا قانونا واحدا تعامل معها على أساس أنها كيان بشري لا مخلوق حيواني.
أثمرت تلك النظرة المنحرفة للمرأة قوانين وتشريعات، في مجال الميراث وفي كل المجالات الأخرى، ظالمة، وفاسدة، بلغ بها الاستبداد والطغيان مبالغ فاقت كلّ التصوّرات. جاء الإسلام العظيم بنوره وعدله ليرفع عن المرأة ما لحق بها من البغي والإجحاف، وليقرّر أنها كائن بشري كالرجل تماما، لها من الحقوق ما لا يجوز المساس به أو انتقاصه، كما عليها من الواجبات ما لا ينبغي التفريط أو التهاون بها.
نظرت الشريعة الإسلامية إلى المرأة نظرة شاملة ..... نظرة ترى فيها مخلوقة لله تعالى، خلقها سبحانه بإرادة خاصة منه، تماما كما خلق الرجل، وجعل كلّ منهما مكمّلا للآخر.
فالمرأة – وفق المنظار الإسلامي – مخلوق من مخلوقات الله تعالى، وجب احترامها وإعطاؤها حقوقها كاملة، بقطع النظر عن سِنّها، وجمالها، ووضعها الاجتماعي. من أجل ذلك نجد أنّ الخطاب القرآني الكريم يتحدث عن " الأنثى " كجنس يختلف عن " الذكر " في الأنوثة فقط. يقول الحق سبحانه وتعالى في كتابه الكريم :
" وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى " (النجم : 45 )
" يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم. إنّ الله عليم خبير " (الحجرات : 13)
" فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى. بعضكم من بعض " (آل عمران : 195)
" من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون " (النحل : 97)
رأى الإسلام في المرأة مكوّنا أساسيا لهذه الحياة، دونها لا يكون نسلا ولا نسبا ولا صهرا. فجاءت الشريعة الإسلامية لتتعامل مع المرأة كأحد العمودين للحياة الاجتماعية، وأحد الشقين للنفس الواحدة.
قامت الشريعة الإسلامية بأمور أساسية تجاه المرأة لم يسبقها إليها تشريع، ولم يقم بمثلها أي تشريع آخر بعدها. تتلخص هذه الأمور الجوهرية في النقاط التالية :
تصحيح النظرة إليها
من أعظم وأهمّ ما قام به التشريع الإسلامي تجاه المرأة أن صحّح نظرة الناس إليها وحارب العقائد المنحرفة، وأفهم الناس أنّ المرأة كائن بشري، له نفس وروح إنسانية كالرجل سواء بسواء، ونشر عقيدة أنّ المرأة نواة البشرية، وأحد شقي نفس واحدة هي الأصل في وجود الإنسان وتكاثره. أعلن الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله إنسانية المرأة بكلمته الموجزة والخالدة : " النساء شقائق الرجال "، كما قال عليه وآله الصلاة والسلام : " الدنيا متاع وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة "، وقال أيضا : " ما أكرم النساء إلا كريم وما أهانهن إلا لئيم "، والآيات القرآنية الشريفة، والأحاديث النبوية حول تكريم الإسلام للمرأة وتعزيزها كثيرة يمكن الرجوع إليها من مصادرها.
المساواة
الشريعة الإسلامية شريعة ربانية، وضعها ربّ العالمين، وليس في القانون الرباني فرق بين الذكر والأنثى إلا بالتقوى، وليس لله العظيم مصلحة في تمييز الذكر على الأنثى، أو المرأة على الرجل، يقول الحق تعالى : " يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد " (فاطر : 15)؛ لذلك أقسم جل ثناؤه بالأنثى كما أقسم بالذكر، يقول سبحانه وتعالى : " وما خلق الذكر والأنثى. إن سعيكم لشتى " (الليل : 3 - 4)، وفي الجمع بين الذكر والأنثى في القسم الرباني دلالة واضحة على مساواة الإسلام بينهما في النظرة، وما يترتب عن نظرة المساواة من أحكام.
ساوى الإسلام العظيم بين الذكر والأنثى في كثير من المواطن، من بينها :
ساوى بينهما في الإنسانية، فالمرأة إنسان كالرجل؛
ساوى بينهما في الحرية، فالمرأة ليست مملوكة للأب ولا للزوج ولا للأخ ولا لغيرهم من الأقارب ليفعلوا بها ما يشاءون؛
ساوى بينهما في الاستحقاق، جزاءا وعقوبة، يقول الله تعالى : " من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون " (النحل : 97)؛
ساوى بينهما في الحقوق والأحكام والآداب والواجبات، يقول الله تعالى : " ولهنّ مثل الذي عليهنّ بالمعروف " (البقرة : 228)؛
ساوى بينهما في التملك والكسب والمعاملات حيث لم يفرّق بين الرجل والمرأة إلا في بعض الحقوق والأحكام يقول الله تعالى : " الرجال قوّامون على النساء بما فضـّل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم " (النساء : 34). لم يكن هذا التفريق قائما على انتقاص المرأة أو الحطّ من قدرها، إنما هو ناتج عن تغير المسؤوليات التي تتحمّلها المرأة مقابل المسؤوليات التي يتحمّلها الرجل. الأحكام التي فرّقت بين المرأة والرجل قليلة جدا، وهي راجعة إلى الاختلاف بينهما من الناحية التكوينية والنفسية، وقائمة على ما تدعو إليه الحِكمة والعدل من صلاح المرأة والمجتمع
التكاليف الدينية
الخطاب الرباني – بالأوامر والنواهي والآداب والأخلاق – موجّه للمرأة وللرجل دون أيّ تمييز أو تفريق، يقول الحق تعالى : " قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم. ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون. وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها " (النور : 30 - 31). المرأة في الإسلام مخاطبة ومكلّفة بالعبادات واجبها ومستحبّها تماما كالرجل، فالصلاة والزكاة والصوم والحج وسائر الواجبات والمستحبات الشرعية، واجبة على الرجل وكذلك على المرأة، خاطب الله بها الرجل كما خاطب بها المرأة : يقول سبحانه وتعالى " والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض. يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله. أولئك سيرحمهم الله. إنّ الله عزيز حكيم " (التوبة : 71).
نعم، فرّق الإسلام بين الرجل والمرأة في بعض الواجبات الدينية – وهي قليلة جدا – لأن القيام بتلك الواجبات يشق على المرأة نظرا لتكوينها الفيزيولوجي، والله جلّ ثناؤه أكرم وأجلّ من أن يكلّف مخلوقا من مخلوقاته تكاليف تفوق طاقته، ويعجز عن تحمّلها : " لا يكلّف الله نفسا إلا وسعها " (البقرة : 286)
العلاقة بالله
ليس هناك فرق بين فضائل الرجل وفضائل المرأة في المنظار الرباني، فالعمل الصالح والتقرّب إلى الله عز وجلّ مطلوب من الرجل ومن المرأة على حدّ سواء، ولكلّ منهما الجزاء بنفس المعيار؛ فالمرأة والرجل متساويان في العلاقة بالله سبحانه وتعالى ومتساويان في الجزاء على الأعمال الصالحة. هناك آية جليلة في القرآن الكريم تقرن بين الرجل والمرأة في عشرة أوصاف، على المسلم (ذكرا كان أو أنثى) أن يتحلّى بها ويجسدها في سلوكه : " إنّ المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين والقانتات والصّادقين والصّادقات والصّابرين والصّابرات والخاشعين والخاشعات والمتصدّقين والمتصدّقات والصائمين والصائمات والحافظين فروجهم والحافظات والذاكرين الله كثيرا والذاكرات أعدّ الله لهم مغفرة وأجرا عظيما " (الأحزاب : 35).
للمرأة في المنظار الإسلامي أهلية التديّن والعبادة، وقابليتها للفوز بالجنان إن أحسنت كالرجل تماما.
الكسب والملكية
ضمنت الشريعة الإسلامية للمرأة حق الكسب والملكية، وأعطتها سلطة مطلقة على ما تملك، وحرية التصرف فيه، بعد أن كانت – في الحضارات والتشريعات الأخرى – لا تملك، وليس فيها أهلية للملك، فتحرم من حقوقها، بل هي نفسها كانت تـُملك وتـُباع وتـُشترى. يقول الله سبحانه وتعالى : " للرجال نصيب ممّا اكتسبوا وللنساء نصيب ممّا اكتسبن " (النساء : 32).
للمرأة في الإسلام الأهلية الكاملة في جميع التصرّفات القانونية، ومن حقها أن تـُجري مختلف العقود من بيع وإيجار وشركة وغيرها من المعاملات التي يقوم بها الرجل، كما يحق لها أن تقوم بالوصاية إذا ما أوصى إليها موصي وخوّلها هذا الحق. للمرأة أيضا إمكانية القيام، في ظل الشريعة الإسلامية، بكلّ الحقوق، بالشكل الذي يؤكد تمام إنسانيتها. فهي تتمتع بكيان اقتصادي مستقل : تملك، تبيع، تشتري وتنتفع مباشرة بلا وكالة ولا وسيط.
أحكام ميراث المرأة في الإسلام
اعتنى الإسلام بحالة المرأة عناية كبيرة، فخوّلها حقوقا واسعة في الميراث، فهي ترث زوجها، وتجتمع مع كلّ وارث نسبا كان أو سببا، لا يحجبها عن حقها حاجب : ترث جدّها، وأباها، وأمّها، وأولادها وغيرهم ممّن تستحق الميراث عنهم.
جعل الإسلام العظيم المرأة أساس عملية الميراث. نستلهم هذا المعنى الدقيق، والنكتة اللطيفة من قوله تعالى : " يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين " (النساء : 11). لم يقل الحق تعالى " للأنثى مثل نصف حظ الذكر "، بل قال : " للذكر مثل حظ الأنثيين " ..... يبيّن سبحانه وتعالى،– بهذه الصيغة التركيبية – أن حظ الأنثى هو المعيار الذي تتحدّد به عملية الميراث ..... هو القيمة الثابتة التي لا تتزعزع، والتي على أساسها تتحدّد أقساط الآخرين.
لهذا المعنى الدقيق، والنكتة اللطيفة، يشير العلامة الشيخ محمد الطاهر بن عاشور، رحمة الله تعالى عليه، في تفسيره " التحرير والتنوير " فيقول بكلّ أناقة : " وقوله " للذكر مثل حظ الأنثيين " جعل حظ الأنثيين هو المقدار الذي يُقدّر به حظ الذكر، ولم يكن قد تقدّم تعيين حظ للأنثيين حتى يقدّر به، فعُلم أنّ المراد تضعيف حظ الذكر من الأولاد على حظ الأنثى منهم، وقد كان هذا المراد صالحا لأن يؤدّى بنحو : للأنثى نصف حظ ذكر، أو للأنثيين مثل حظ ذكر، إذ ليس المقصود إلا بيان المضاعفة. ولكن قد أوثر هذا التعبير لنكتة لطيفة وهي الإيماء إلى أنّ حظ الأنثى صار في اعتبار الشرع أهمّ من حظ الذكر، إذ كانت مهضومة الجانب عند أهل الجاهلية فصار الإسلام ينادي بحظها في أول ما يقرع الأسماع قد عُلم أنّ قسمة المال تكون باعتبار عدد البنين والبنات " ().
بتتبّعنا للمسائل الفقهية، يمكن أن نحصي 428 حالة ميراثية حدّدتها الشريعة الإسلامية الغرّاء، شملت جميع الورثة قريبهم وبعيدهم، ذكرهم وأنثاهم، قويهم وضعيفهم، غنيّهم وفقيرهم، أصولهم، فروعهم، حواشيهم وأزواجهم ..... 428 حالة نال من خلالها كلّ مـُستحِقٍّ مـُستحَقـَّه .....
أعطت الشريعة الإسلامية حق الميراث لشريحة من النساء أكبر من الرجال، وفي ذلك نقض ومحاربة للتقليد الظالم الذي درجت عليه الأمم السابقة والعرب قبل الإسلام والذي تمثل في حصر الميراث في الابن الأكبر أو في المقاتلين من الرجال وحدهم. لقد خصّت أحكام الشريعة الإسلامية المرأة ﺒ 238 حالة في الميراث – أي 56 % - من مجموع الحالات، مقابل 161 حالة للذكور (زوج، أب، ابن، جد، أخ، عم، ابن عم ....) أي 38 % من مجموع الحالات، مقابل 28 حالة يشترك فيها الذكور مع الإناث – أي 6 % - من مجموع الحالات، بينما يمثل نصيب ذوي الأرحام – وهم الأقارب الذين ليسوا أصحاب الفروض ولا العصبات ولا يرثون إلا عند انعدام الأقارب من أصحاب الفروض والعصبات – حالة واحدة.
هذا إلى جانب أنه عندما اعتبرت (الشريعة الإسلامية) أنّ الأخ من الأمّ من أصحاب الفروض بالنسبة للرجل، كانت في هذا أيضا تبسط حمايتها لفئة من الأفراد كانت محرومة من الميراث لنسبتهم إلى المرأة؛ فالمرأة ومن ينتمون إليها بصلة قرابة لم يكن لهم الحق في الميراث في الأمم السابقة ولا في الجاهلية، جاء الإسلام لينقض ويحارب هذا الأمر ويجعل للأخ من الأمّ حقا في الميراث ثابتا بعد أن كان محروما منه؛ بالإضافة إلى ذلك نجد أن النظام الإسلامي جعل للإخوة من الأمّ حظا من الميراث مساويا دون تفرقة بين ذكر وأنثى.
يوضـّح استقراء حالات ومسائل الميراث في المنظومة الإسلامية أنّ هناك حالات ميراث للمرأة تخالف قاعدة " للذّكر حظّ الأنثيين"، حيث حدّد الفقه الإسلامي في باب الفرائض ما يزيد عن أربعٍ وثلاثين حالة من أحوال الميراث ترث فيها المرأة بنسب مختلفة :
عشر حالات، أو تزيد، ترث المرأة مثل الرّجل.
عشر حالات، أو تزيد، ترث المرأة فيها أكثر من الرّجل.
حالات عديدة (أكثر من عشرة) تحجب المرأة فيها الرّجل وتأخذ الإرث كاملاً.
أربع حالات فقط يكون فيها للذّكر مثل حظّ الأنثيين.

فلسفة الإسلام في الميراث
أخذت الشريعة الإسلامية إذن من المرأة موقف الاستقامة والاعتدال، وأعطتها مركز الوسط دون إفراط ولا تفريط. منحت الشريعة الإسلامية المرأة حقوقها المادية، والأدبية والإنسانية وساوت بينها وبين الرجل في الحقوق، والتكاليف، والعلاقة بالله، والكسب والملكية وغير ذلك ..... ليس معنى العدل والمساواة أن يتساوى كلّ أقارب وأباعد المتوفى في أنصبة الميراث تساويا مطلقا. لم تجعل الشريعة الإسلامية مسألة تقسيم الميراث مجرّد عملية تقنية حسابية خاضعة لقواعد جافة، بل ربطتها بفلسفة واضحة، وحِكَم إلهية، ومقاصد ربانية تتجاوز قضية الذكورة والأنوثة.
يكشف الفقه الحقيقي لفلسفة الإسلام في الميراث عن أنّ التمايز في أنصبة الورثة (وارثين ووارثات) لا يرجع إلى معيار الذكورة والأنوثة، إنّما تحكمه ثلاث معايير أساسية :
المعيار الأول : درجة القرابة بين الوارث والمورّث
أوّل معيار في الفلسفة الإسلامية في التوريث هو درجة القرابة بين الوارث – ذكرا كان أو أنثى – وبين المورّث، فكلّما اقتربت الصلة زاد النصيب في الميراث، وكلّما ابتعدت الصلة قلّ النصيب في الميراث دون أي اعتبار لجنس الوارثين.
راعت فلسفة الإسلام في الميراث في مسألة القرابة ثلاث أمور أساسية :
الجهة :
يـُقدّم الوارث من الجهة الأقرب على الوارث من الجهة الأبعد، فمثلا تـُقدّم جهة البنوّة على جهة الأخوّة؛
الدرجة :
إذا اتفق أكثر من وارث في الجهة نفسها، فإن التقديم والمفاضلة بينهما تكون على أساس الدرجة، فعلى سبيل المثال الابن وابن الابن في جهة واحدة – جهة البنوّة – في هذه الحالة يقع تقديم الأقرب درجة وهو الابن؛ بنفس المعيار يـُقدّم الأب على الجد، وهكذا .....
قوّة القرابة :
يـُقدّم الأقوى قرابة على غيره، فمثلا يـُقدّم الأخ الشقيق (من الأب والأمّ) على الأخ من الأب، وبنفس المعيار يـُقدّم العم الشقيق على العمّ من الأب، وهكذا.
في هذا الموضع، قد يعترض معترض فيقول كيف يـُقدّم ابن المتوفى على أب المتوفى، والأب هو صاحب الفضل على ابنه وليس العكس، فصاحب الفضل أولى ممن لا فضل له؛ وقد يتساءل : ألا يتعارض هذا مع نصوص كثيرة جاءت تحث على برّ الوالدين، واعتبارهم بابان من أبواب الجنة، فالمفروض أن لا يـُقدّم عليهم أحدا. ردا على هذه المسألة (تقديم الابن على الأب في الميراث) نوضـّح أنّ هذا التقديم، في هذه الحالة، أمر وجيه حيث يترتب عليه أن ينتقل ما يرثه – أي الأب – ليكون ميراثا لأبنائه، أي حواشي ابنه الميت، وهذا معناه أن ينتقل الميراث لجهة الإخوة، مع أنّ الأبناء أولى به، وهذا يتناقض مع مبدأ تقديم الأقرب في الميراث، وكذلك يتناقض مع فطرة الإنسان في حبه لجمع المال، لينتقل بعد موته إلى أبنائه وأحفاده.
المعيار الثاني : موقع الجيل الوارث من تتابع الأجيال
ثاني معيار في الفلسفة الإسلامية في التوريث هو موقع الجيل الوارث من التتابع الزمني للأجيال. راعت الشريعة الإسلامية هذه المسألة وجعلت للأجيال الشابة اليافعة التي تستقبل الحياة،وتستعدّ لتحمّل المسؤولية – مع ما يتطلب ذلك من أعباء ومصاريف – نصيبا في الميراث أكبر من نصيب الأجيال المستدبرة عن الحياة، وهي أجيال عادة ما تكون أعباءها ومسؤولياتها أخف، أو ربما مفروضة على غيرها. ضبطت الشريعة ذلك دون اعتبار جنس الوارث ذكرا كان أو أنثى. فابنة المتوفى مثلا ترث أكثر من أمّه – وكلتاهما أنثى – كما ترث ابنة - المتوفى - أكثر من أبيه، حتى لو كانت رضيعة لم تعرف شكل أبيها، وكذلك يرث ابن المتوفى أكثر من أبيه، وكلاهما من الذكور.
المعيار الثالث : العبء المالي الذي يوجب الشرع على الوارث تحمّله
ثالث معيار في الفلسفة الإسلامية في التوريث يتمثل في العبء المالي الذي يوجب الشرع الإسلامي على الوارث تحمّله، والمسؤولية المالية الملقاة على عاتقه تجاه الآخرين؛ بمعنى أنه إذا تساوى الوارثون في درجة القرابة، وحصل كذلك بينهم تساوٍ في موقع الجيل الوارث – مثل أولاد المتوفى ذكورا وإناثا – يكون العبء المالي الذي يوجبه الشرع على الوارث هو المعيار في تحديد الأنصبة من الميراث. كلّما كان العبء المالي الواجب شرعا تحمّله أكبر كلّما كان النصيب من الميراث أكبر، وكلّما كان هذا العبء أقلّ كانت الحصّة من الميراث أقلّ.
لم تنبني فلسفة هذا المعيار على الجنس (ذكر أو أنثى) بل انبنت أساسا على قيمة العبء المالي وقدر المسؤولية المالية الملقاة على عاتق الرجال أمام أعباء النساء، وحجم المصاريف المادية الواجبة عليهن شرعا.
لا يفضي هذا التفاوت إلى ظلم الأنثى، ولا يُعبّر عن الانتقاص من قدرها، بل هو عين العدل الرباني، لأنه ليس من العدل أن تفرض الشريعة على الرجال أعباء مادية كبيرة " الرجال قوّامون على النساء بما فضـّل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم " (النساء : 34) من جهة، وتـُسوّي نصيبهم في الميراث مع النساء الأقلّ أعباء مادية شرعا من جهة أخرى ..... لا تعني العدالة التسوية في أنصبة المواريث بين الذكور والإناث، بل تعني إعطاء كلّ ذي حق حقه.
اجتهاد أم شبهة ؟
مساواة المرأة بالرجل في الميراث : اجتهاد أم شبهة ؟.....
هل هي عملية علمية بريئة، أم مكيدة شيطانية دنيئة ؟ .....
هل المراد منها إنصاف المرأة أم استهداف الإسلام والنيل من عدالته ؟ .....
حتى تكون الإجابة علمية، موضوعية وبعيدة عن التعصّب والانحياز، يجب أن تشمل جوانب أربعة : جانب عقائدي، جانب عملي، جانب نفسي وآخر أخلاقي أدبي.
عقائديا نؤكد على أنّ نصوص أحكام الميراث في الإسلام قطعية الثبوت والدلالة ..... قطعية الثبوت لأنّها ثابتة بالقرآن الكريم، وقطعية الدلالة لأنّ آياتها ليست حمّالة أوجه، الاستعمالات الموجودة فيها أعداد وليس في الأعداد اجتهاد في المعنى : لا يمكن أن يحمل السدس مثلا معنى النصف، ومن غير الممكن أن يحمل الثمن معنى الربع، وقس على ذلك. من هذا المنطلق يشكل المساس بأسس هذه الأحكام جريمة في حق الشريعة، والاجتهاد فيها هدما للدين، وتشويشا على المؤمنين، وضربا للوحدة الفكرية والسلوكية للمسلمين، وكيدا للإسلام العظيم .....
عمليا جاءت أحكام الميراث في الإسلام شاملة، مفصّلة ودقيقة، لم تنبني فلسفتها على الجنس (ذكر وأنثى) بل ربطتها بمقاصد أسمى ومعايير أرقى تجاوزت قضية الذكورة والأنوثة. من بين جميع الحالات الخاصة بالمرأة وجدنا أربع (4) حالات فقط ترث فيها الأنثى نصف ميراث الذكر، بمعنى أنه في 88,23% من الحالات الخاصة بالمرأة يكون نصيبها من الميراث أكثر من نصيب الرجل أو مساوٍ له، وفي أقلّ من 1% (تحديدا 0,93%) من مجموع اﻠ 428 حالة يكون للذكر ضعف نصيب الأنثى. تشكل تلك الحالات الأربع المحدودة استثناءا أورده الإسلام. نظلم المرأة ظلما كبيرا لو ساوينا بينها وبين الرجل في الميراث ..... نريد أن نـُلْغي كلّ الامتيازات التي أعطتها الشريعة للمرأة بغباء وسذاجة اسمها المساواة في الميراث بين المرأة والرجل.
نفسانيا نؤكد على أنّ أحكام الميراث في الإسلام أكثر تقدمية، وعدالة، واستجابة للفطرة الإنسانية من القوانين الغربية الحديثة التي استنبطت روح أحكامها، واستلهمت نظام ترتيب الورثة من روح أحكام الشريعة الإسلامية.
أخلاقيا وأدبيا تـُعتبر المساواة بين المرأة والرجل – في تلك الحالات الأربع المحدودة – في الميراث جريمة في حق الرجل، وإخلالا بميزان العدل والإنصاف. فليس من العدل أن تـُطالب الشريعة الإسلامية الرجل بأعباء مالية كبيرة (مهر، كفالة المرأة، إعالة الأسرة ....) من جهة، وتـُسوّي بينه وبين المرأة في الميراث من جهة أخرى.
يمكننا إذن أن نستخلص بارتياح وثبات :
ما يسمّى ﺒ " المساواة في الميراث بين المرأة والرجل " أكذوبة كبيرة لا سند لها من الحقيقة، ولا يقول بها إلا من جهل حقيقة التشريع الإسلامي وفلسفة الميراث فيها ..... هي شبهة تتعالى على منطق العلم والواقع، وتغتال الموضوعية ..... بل هي فرية عظيمة تتحامل على الإسلام وتريد النيل من شموخه ومن عدالته عبر التشكيك في أحكامه، وزعزعة واقع المسلمين، تمهيدا لتغيير أحكام الشريعة الإسلامية بأحكام أخرى مستوردة خدمة لأهداف دنيئة مستترة