بين النبوة والولاية (الجزء الأول)
الدكتور محمد الصادق بوعلاق
أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمان الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين وأصحابه المنتجبين. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد.
إخوتي الكرام، أخواتي الكريمات، السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
مدار كلامنا هذا اليوم – إن شاء الله تعالى – حول مسألة مهمة..... مسألة حساسة..... أريد أن أتطرق إلى العلاقة بين النبوة والولاية....
للولوج إلى موضوعنا، أمهد بطرح إشكال نثير به دفائن عقولنا.
غزوة تبوك حصلت في السنة التاسعة للهجرة النبوية المباركة، تحديدا في شهر رجب من السنة التاسعة للهجرة النبوية المباركة، خرج رسول الله صلى الله عليه وآله في جيش قوامه 30 ألف مجاهد لملاقاة الروم في 40 ألف مقاتل في مكان من بلاد الشام يعرف بعين تبوك..... خرج صلى الله عليه وآله بجيشه ولم يترك في المدينة المنورة سوى الأطفال والنساء والشيوخ، استخلف عليهم الإمام علي بن أبي طالب [ عليه السلام ورضي الله عنه وكرم الله وجهه... نقولها بكل لغات المسلمين ]
بالجرف – قرب المدينة المنورة – دار بين الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله والإمام علي عليه السلام، حوار قال فيه رسول الله صلى الله عليه وآله من جملة ما قال : " أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي " .... هذا الحديث النبوي الشريف يُعرف بحديث المنزلة.... هذا الحديث النبوي الشريف أعلائي، مُعتبر جدا، غاية في الاعتبار، نجده في المدونة الحديثية لكل الفرق الإسلامية.
نتولى في فرصة أخرى – إن شاء الله تعالى – شرحه ومحاولة فهمه..... ما يهمنا هذا اليوم من هذا الحديث النبوي الجليل قوله صلى الله عليه وآله: " إلا أنه لا نبي بعدي ".... سطروا على " إلا أنه لا نبي بعدي "....
أثر عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله في حديث نبوي آخر، كذلك أعلائي معتبر، يقول فيه: " إن الرسالة والنبوة قد انقطعت فلا رسول ولا نبي بعدي ".
هذا من جهة، أما من جهة أخرى وبخصوص نزول نبي الله عيسى بن مريم عليه السلام في آخر الزمان ورجعته، وردت عدة أحاديث نبوة شريفة تؤكد ذلك ،منها قوله صلى الله عليه وآله: " ينزل عيسى على ثنية بالأرض المقدّسة يـُقال لها أفيق. فيأتي بيت المقدس والناس في صلاة الصبح فيتأخر الإمام (يعني الإمام المهدي عليه السلام) فيقدمه عيسى ويصلـّي خلفه على شريعة محمد ويقول : أنتم أهل بيت لا يتقدمكم أحد ".
إذا كان لا نبي ولا رسول بعد الرسول الأمجد محمد صلى الله عليه وآله:
- فكيف ينزل نبي الله عيسى عليه السلام في آخر الزمان ؟ ....
- هل في الأمر تناقض أم لهذه الأحاديث أبعاد أخرى ؟ ....
حتما.... جزما.... وقطعا ليس في الأمر تعارض:
- لأن الأحاديث النبوية الثلاثة التي ذكرناها معتبرة وأعلائية وغاية في الاعتبار؛
- لأن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى.
للأمر – أيها الأعزاء - خفايا عظيمة..... للأمر – أيها الأعزاء - أسرار كبيرة...... هي مدار كلامنا هذا اليوم إن شاء الله تعالى
أعزائي، ما انقطع فعلا بعد الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسـُدّ بابه هو نبوة التشريع..... ذلك أن النبوة نبوتان :
- نبوة بالمعنى الخاص، أو نبوة معها تشريع، أو نبوة تشريعية؛
- نبوة بالمعنى العام، وهي نبوة لا تشريع فيها.
عيسى بن مريم عليه السلام رسول ونبي، بل من أولي العزم من الرسل، له شريعة وكتاب منزل، لا خلاف في ذلك ولا جدال. لكن عند رجعته في آخر الزمان يكون مـُظـِهرا للعدل وقائما بالقسط بالشريعة المحمـّديـّة، وليس بشريعته التي بـُعـِث بها إلى بني إسرائيل. فروح الله عليه السلام نبي مرسل بشرع قبل الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله، لكن بعده هو نبي – أو عبد صالح – على الشريعة المحمـّديـّة وتابع لمحمد خير الأنام عليه وآله أفضل الصلاة والسلام؛ كما كان الحال مع نبي الله هارون زمن نبي الله موسى عليهما السلام.
لا رسول ولا نبي بعد محمد صلى الله عليه وآله بمعنى – والله ورسوله أعلم – لا نبي بشرع جديد بعد شرعه صلى الله عليه وآله يأتي به للناس.
وجب في هذا الموضع الإشارة إلى مفهوم مهم جدا:
عندما يـُطلِق القرآن الكريم اسم عيسى قد يكون المـُراد منه شخص إنساني بعينه هو نبي الله عيسى عليه السلام [ الذي ولد بالطريقة التي نعلمها.... والذي تكلم في المهد... وأبرأ الأكمه والأبرص .... وأحيى الموتى بإذن الله ] وقد يكون المـُراد منه كذلك مقام وجودي يمثل عيسى عليه السلام أحد تجلـّياته في عالم الملك والشهادة، وفي ذلك الزمان؛ وهكذا مع كلّ الأسماء الواردة ذكرها في القرآن الكريم من أسماء أنبياء مثل : نوح، إبراهيم، موسى عليهم السلام وغيرهم ... أو من أسماء طغاة جبابرة مثل : نمرود، فرعون، هامان وغيرهم ...
استيعاب هذا المفهوم من شأنه أن يفتح بابا كبيرا جدا، ويرسم لنا أفقا كبيرا في فهم النص القرآني المقدّس.
شخص فرعون مثلا هو فرعون الطاغية بعينه في زمن موسى عليه السلام، وكذلك هو مصداق من مصاديق المقام الفرعوني، قد يتكرّر هذا المقام، بل يجب أن يتكرر هذا المقام على مرّ الأزمنة في التاريخ ويتجسـّد في أشخاص آخرين بمعنى أنه من الممكن أن يوجد – بل يجب أن يوجد - في زماننا – وفي كلّ زمان – فرعون وقارون ونمرود.... أي أشخاص يتجسـّد فيهم المقام الفرعوني والمقام القاروني والنمرودي [ ما علينا إلا أن نبحث عن فرعون زماننا وعن قارون زماننا.].... كما يمكن أن يوجد – بل يجب أن يوجد - في زماننا - وفي كلّ زمان – إبراهيم وموسى وهارون وغيرهم..... أي أشخاص يتجسـّد فيهم المقام الإبراهيمي، والمقام الموسوي والهاروني [ ما علينا كذلك إلا أن نبحث عن إبراهيم وموسى زماننا].
أعزائي، لا محذور قي ذلك على نحو التشكيك – بلغة علم المنطق - لا على نحو التواطئ.
نستعير من المناطقة – ومن علم المنطق – لفظ ومفهوم " التشكيك " الذي ليس مرادفا للظن لغة واصطلاحا.
ماذا يعني التشكيك بلغة المنطق؟....
يعني أنه ليس إبراهيم المعصوم عليه السلام بشخصه وعينه، ولا موسى المعصوم عليه السلام بشخصه وعينه، ولا هارون المعصوم عليه السلام بشخصه وعينه.... بل شخص يكون مقامه الوجودي، وتكون صفاته، شمائله، أخلاقه، خـُلـُقه، علومه .... إبراهيميـّة أو موسويـّة أو هارونيـّة أو نحو ذلك.
- هذه من النقاط المهمة التي يجب استيعابها....
- هذه من النقاط المهمة التي يفتح استيعابها بابا كبيرا، ويرسم أفقا واسعا في فهم النص القرآني المقدس.
النبوة كما يُعرِّفها الشيخ الأكبر محي الدين بن عربي قدس سره في كتابه " الفتوحات المكية "، المجلد الثاني، صفحة 3، طبعة دار الجيل
" مقام عند الله يناله البشر وهو مختص بالأكابر من البشر يـُعطـَى للنبي المـُشرّع ويـُعطـَى للتابع لهذا النبي المـُشرّع الجاري على سنته "
.فإذا قال الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله " لا نبي بعدي " وهو الصادق المصدوق في قوله، فمعنى ذلك – والله ورسوله أعلم – " لا نبي تشريع بعده "..... لا نبي بشرع جديد بعده، أي يقصد، صلى الله عليه وآله، نبوة التشريع الخاصة (وليست العامة).
إن ما جاء به الإسلام المحمدي الأصيل هو دين كامل، ونعمة تامة حيث يقول الحق تعالى: " الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ۚ " (المائدة : 3).
كما لا تحتاج البشريـّة بعده إلى شريعة جديدة..... هذا ما كنا قد وضحناه في عدة مناسبات سابقة حينما تطرقنا إلى خاتمية الشريعة المحمدية.
لا تحتاج البشريـّة أيضا إلى إطلاق لفظ " نبي " حتى على غير الحاملين لشريعة. بينما كانت هذه الكلمة (نبي) تطلق قبل الإسلام إشارة إلى الأنبياء غير المشرعين، سـُدّ باب إطلاقها (كلمة " النبوة ") على هذا المقام مع تحقـُّقه واقعا، وذلك:
- تأدبا مع رسول الله صلى الله عليه وآله؛
- دفعا لكلّ لـُبـْس ووقاية من كلّ تصوّر فاسد يتخيـّل السامع من خلاله أن المراد بهذه الكلمة هي نبوة التشريع.
نعم، أيها العزاء، لم يعد ممكنا بعد التحاق الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله بالرفيق الأعلى إلا استعمال لفظ " ولي " دلالة على المقامات الربانيـّة العالية والهبات اللدنيـّة الواقية.
لنعد إلى الشيخ الأكبر محي الدين بن عربي قدس سره لكن هذه المرة مع كتابه الجليل، وجوهرته الخالدة، أقصد بذلك كتاب " فصوص الحكم "، هذا الكتاب الذي يقول فيه الشهيد مرتضى مطهري، رضوان الله تعالى عليه: " الذين يجيدون فهم هذا الكتاب في كل عصر يُعدون على الأصابع ".
أعزائي، لفصوص الحكم عدة شروحات: شرح داوود القصري، شرح القاشاني مثلا.... الشرح الذي نعتمده منذ أكثر من عشرين سنة هو " شرح فصوص الحكم – من كلام الشيخ الأكبر محي الدين بن عربي "، تحقيق، جمع وتأليف " محمود محمود الغراب ".
ما يميز هذا الشرح هو أنه شرح من كلام الشيخ الأكبر نفسه.
في الحقيقة، كلمة في حق " محمود محمود الغراب " أن كل مؤلفاته حول الشيخ الأكبر محي الدين بن عربي هو من كلام محي الدين بن عربي نفسه.
لدينا مثلا كتاب " الشيخ الأكبر محي الدين بن عربي – ترجمة حياته من كلامه "، جمع وتأليف محمود محمود الغراب. يقول " محمود محمود الغراب " في مقدمة كتاب " فصوص الحكم ": " ..... أما بعد، فإنه بعد صدور السلسلة الأولى من كتبنا التسعة حول الشيخ الأكبر محي الدين بن عربي رضي الله عنه، وهي :
- الفقه عند الشيخ الأكبر؛
- الإنسان الكامل؛
- القطب الغوث الفرد؛
- شرح كلمات الصوفية؛
- الرد على ابن تيمية؛
- ترجمة حياة الشيخ الأكبر؛
- الحب والمحبة الإلهية؛
- الخيال عالم البرزخ والمثال؛
- الرؤيا والمبشرات.
إذن هذه الكتب ومجموعة أعمال " محمود محمود الغراب " حول محي الدين بن عربي هي من كلمات محي الدين بن عربي.
بقي شيء أريد أن أشير إليه وهو أن " محمود محمود الغراب " جمع تفسيرا في أربع مجلدات المسمى " رحمة من الرحمان في تفسير وإشارات القرآن – من كلام الشيخ الأكبر محي الدين بن عربي "، جمع وتأليف " محمود محمود الغراب ". أنصح الأعزاء بالإطلاع على هذا التفسير لأنه قيم ومفيد جدا.
لنعد إلى الشيخ الأكبر بن عربي في " فصوص الحكم " حيث يقول : " واعلم أن الولاية هي الفلك المحيط العام، ولهذا لم تنقطع؛ ولها الإنباء العام؛ وأما نبوة التشريع والرسالة فمنقطعة وفي محمد صلى الله عليه وسلم قد انقطعت، فلا نبي بعده : يعني مشرعا أو مشرعا له، ولا رسول وهو المشرع " [ فص حكمة قدرية في كلمة عزيرية ]، انتهى كلام الشيخ الأكبر قدس الله سره الشريف.
بعد انقطاع النبوة والرسالة التشريعيـّة لا يمكن إذن لبشر أن يتسمّى بنبي أو برسول؛ بل هي ولاية.
لفظتي " نبي " و " رسول " من الأسماء التي يتسمى بها البشر وليستا من أسماء الله الحسنى، مهمتهما التبليغ عن الحق تعالى، والتبليغ ينقطع بانقطاع الحياة الدنيا..... يقول الحق جل ثناؤه :
- " يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ۖ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ۚ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ " (المائدة : 67)
- " رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ ۚ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ " (البقرة : 129)
وظيفة التبليغ تنقطع بانقطاع الدنيا (الرسالة أو النبوة أو التبليغ هي وظيفة ربانية تنقطع بانقطاع الحياة الدنيا)، إذ لا موجب يوم القيامة مثلا لنبي يخبرك عن المحشر أو الجنة أو النار.
إذا كانت النبوة والرسالة – أو النبوة التشريعية تحديدا – منقطعة ومنتهية، فإن " الولاية " – أو النبوة العامة – باقية دون انقطاع لأن " الولي " اسم من أسماء الله الحسنى، يحفظها فلا ترفع (الولاية) دنيا ولا آخرة، يقول الحق تعالى:
- " أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ ۖ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِي الْمَوْتَىٰ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ " (الشورى : 9)
- " وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ ۚ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ " (الشورى : 28)
- " اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ " (البقرة : 257)
لكلمة " ولاية " (بكسر الواو أو بفتحها) عدة معان ودلالات تتكامل فيما بينها، أذكر منها :
- القرب والدنو من الله تعالى؛
- التولي والنصرة؛
- الحاكميـّة والتدبير والقيام بالأمر؛
فولي الله هو القريب من الله تعالى، الذي تولاه الحق سبحانه بنصره، ووهبه حاكميـّة وتدبيرا ....
أعزائي، لله سبحانه و تعالى ثلاث ولايات أتطرق إليها اقتضابا وإجمالا يتناسب ومحدودية هذه المناسبة، وأختار ما أورده الشيخ " جوادي آملي "حفظه الله في كتابه " ولاية الإنسان في القرآن "
للشيخ جوادي آملي سلسلة من أربعة كتب جيدة جدا، أنصح الإخوة والأخوات بمطالعتها لأن فيها إفادة كبيرة:
- " ولاية الإنسان في القرآن "؛
- " نظرية المعرفة في القرآن "؛
- " العقيدة من خلال الفطرة في القرآن "؛
- " المعاد والقيامة في القرآن ".
هده السلسلة قيمة جدا، فيها الإفادة، مترجمة للعربية ترجمة جيدة، أنصح الإخوة والأخوات بمطالعتها لأن فيها خير كثير.
من كتابه " ولاية الإنسان في القرآن "، يقول من جملة ما يقول: " .... أوّل ولاية هي الولاية العامـّة التي تترافق مع ربوبيـّة الله المـُطلقة وتجعل كلّ الموجودات تحتها. المؤمنون والكفار وحتى الشيطان هم جميعا تحت هذه الولاية، الشيطان مخلوق لله وهو ذليل أمام الله عز وجل. هذا القسم من الولاية الذي هو نتيجة الربوبية المطلقة لله تعالى يشمل كلّ المخلوقات ..... الولاية الثانية الولاية الخاصة التي لله تعالى بالنسبة للمؤمنين وصدر آية الكرسي ناظر إلى هذه الآية. ثالث ولاية وأعلاها الولاية الأخص التي قد تشرّف بها أنبياء الله وأولياءه كما يقول الله تعالى على لسان رسوله صلى الله عليه وآله: " إن ولي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين " (الأعراف : 196). هذه الولاية هي رحمة وعناية خاصة من الله تعالى بالنسبة لأنبيائه وأوليائه وهو لا يعملها بالنسبة لسائر المؤمنين .... "
نحن أمام ثلاث ولايات:
- ولاية عامة لكل المخلوقات
- ولاية خاصة للمؤمنين
- ولاية اخص للأنبياء والأولياء
إذا كانت النبوة – أو النبوة التشريعية تحديدا – زمنية وظرفية، فإن الولاية – أو النبوة العامة – أبدية وضاربة بأصلها إلى ما قبل وجود الإنسان على الأرض، يقول الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله في حديث نبوي شريف: " كنت نبيا وآدم بين الماء والطين " وفي صيغة أخرى: " كنت نبيا وآدم بين الروح والجسد "
فما سرّ تلك النبوة التي سبقت وجود آدم عليه السلام ؟ ....
تلك النبوة المقصودة – والله ورسوله أعلم – هي النبوة الأوليـّة العامـّة: " الولاية " .... الولاية المثاليـّة .... الولاية العـُظمى .... الولاية البارزة منذ الأزل والدائمة من عصر إلى عصر إلى الأبد .... ولاية محمديـّة جذورها أزليـّة وديمومتها أبديـّة نابعة من الحقيقة المحمديـّة بعينها.
تؤكد السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام هذا المعنى في خطبتها القيـّمة، بعد التحاق الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله بالرفيق الأعلى – في خطبتها المعروفة بالخطبة الفدكية - حيث تقول من جملة ما تقول في الخطبة : " .... وأشهد أن أبي محمدا عبده ورسوله، اختاره قبل أن أرسله، وسمـّاه قبل أن اجتباه، واصطفاه قبل أن ابتعثه، إذ الخلائق بالغيب مكنونة، وبستر الأهاويل مصونة، وبنهاية العدم مقرونة عـِلما من الله تعالى بمآيل الأمور، وإحاطة بحوادث الدهور، ومعرفة بمواقع الأمور ".
سبحان الله، ما أغزر المعاني، وما أعمق المفاهيم في هذا المقطع الجليل، بل وفي كلّ الخطبة الشريفة .... اختار الباري جل ثناؤه محمدا صلى الله عليه وآله حبيبا ووليـّا قبل أن يبعثه نبيـّا ورسولا، واصطفاه قبل بعثته، بل والخلائق لم تزل في عدمها تتطلع للوجود " .... إذ الخلائق بالغيب مكنونة، وبستر الأهاويل مصونة، وبنهاية العدم مقرونة .... ".
الولاية هي باطن النبوة .... الولاية هي الأصل والنبوة فرع لها .... الولاية جامعة للنبوة والرسالة .... النبوة والرسالة نابعتان من الولاية وراجعتان إليها .... ذلك أن كلّ رسول لا بد أن يكون نبيـّا، وكلّ نبي لا بد أن يكون وليـّا، وليس بالضرورة أن يكون كلّ وليّ نبيّ أو رسول.
هذا التدرج من الولاية إلى النبوة إلى الرسالة هو تدرج من الأخص إلى الأعم، ومن الداخل إلى الخارج، ومن الباطن إلى الظاهر. حيث تكون الولاية – وهي المتفرّعة على الجميع – هي الأقرب إلى الجوار الرباني
وجبت الإشارة إلى أن أفضلية الولاية على النبوة في ذات الشخص الواحد..... سطروا على في ذات الشخص الواحد، لأن النبي في حد ذاته ولي، لكنه في ولايته أعظم منه في نبوته..... محمد صلى الله عليه وآله في ولايته الربانية العظمى أعظم من محمد صلى الله عليه وآله في نبوته وفي رسالته


إذا أردنا تشبيه الثلاثة، [ الرسالة..... النبوة..... الولاية ] فإننا نستعير التشبيه من " هنري كوربان " الذي يورد ما معناه: " الرسالة هي كالقشرة أو الغلاف، والنبوة كاللب، والولاية كالزيت الذي تحتويه اللوزة ".
نحن أمام دوائر ثلاث أو آفاق ثلاث، إلا أنها في بعض معانيها آفاق متداخلة ومجتمعة حول مركز واحد، هذا المركز هو القرب الإلهي. دائرة " الولاية " هي الأفضل لقربها من " القرب الإلهي ". لكن – علينا أن ننتبه - تبقى أفضلية هذه المقامات في نفس الشخص " فكل ولي على قدم نبي "، ولا يجوز أن يفضل التابع المتبوع.
- كيف تتفاضل تلك المقامات ؟
- كيف تتفاعل فيما بينها ؟
- هل يدرك التابع المتبوع ؟
- هل يتفوق المتعلم على العالم ؟
هذا – أعزائي – ما سنراه إن شاء الله في الحصة القادمة، وإلى ذلك الحين أستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.