بين النبوة والولاية (الجزء الثاني)
الدكتور محمد الصادق بوعلاق
أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمان الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين وأصحابه المنتجبين. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد.
إخوتي الكرام، أخواتي الكريمات، السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
كان مدار كلامنا في الحصة الماضية حول العلاقة بين النبوة والولاية، رأينا أن النبوة نبوتان: نبوة بالمعنى الخاص، ونبوة بالمعنى العام.....
- نبوة بالمعنى الخاص، أي نبوة معها تشريع، نبوة تشريعية؛
- نبوة بالمعنى العام، أي نبوة لا تشريع فيها.
ما سُدّ بابه وانقطع بعد الرسول الخاتم صلى الله عليه وآله هو النبوة بالمعنى الخاص، أي النبوة التشريعية. قوله صلى الله عليه وآله: " إن الرسالة والنبوة قد انقطعت فلا رسول ولا نبي بعدي " أرجعناه: إن النبوة التشريعية، وإن الرسالة التشريعية، هي التي انقطعت فلا نبي بشرع جديد، ولا رسول بشرع جديد، بعد الرسول الخاتم صلى الله عليه وآله.
سيدنا عيسى بن مريم عليه السلام عند رجعته في آخر الزمان، حينما يكون مُحِقا للحق ومدحضا للباطل، يكون تابعا للأمة المحمدية. ينزل ليس كصاحب شريعة، وليس كصاحب كتاب، بل ينزل فردا من أفراد الأمة المحمدية وتابع للرسول الأكرم صلى الله عليه وآله.
ثم رأينا كذلك أن النبوة والرسالة أو النبوة بالمعنى الخاص – النبوة التشريعية والرسالة – هي وظيفة ربانية دنيوية تنقطع بانقطاع الحياة الدنيا إذ لا معنى لنبي يوم القيامة يخبرك عن الجنة والنار والحساب. إذا كانت النبوة التشريعية وظيفة ربانية دنيوية تنقضي وتنتهي بانتهاء الحياة الدنيا فإن الولاية باقية في الدنيا والآخرة..... الولاية محفوظة دنيا وآخرة لأن الولي اسم من أسماء الله الحسنى. بسم الله الرحمان الرحيم " اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ " (البقرة : 257).
النبوة والرسالة التشريعية وظيفة ربانية دنيوية مهمتها البلاغ والإبلاغ عن الله سبحانه وتعالى. هنا أعزائي نفتح قوسين حول الفرق بين البلاغ والإبلاغ.
حينما يتطرق القرآن الكريم إلى كل الأنبياء والمرسلين، ما عدى الخاتم صلى الله عليه وآله، يتوجه إليهم بصيغة " أبلغ " أي الإبلاغ، بينما حين يكون الكلام موجه للخاتم محمد صلى الله عليه وآله فإن الخطاب القرآني الكريم يتوجه إليه ﺒ " أبلغ "، أي البلاغ.
- نقرأ مثلا في سورة الأعراف فيما يخص سيدنا صالح عليه السلام إلى قومه ثمود: " فتولى عنهم وقال يا قومي لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم ولكن لا تحبون الناصحين " (الأعراف : 79).... يا قومي.... لأنه أرسِل إلى قومه..... " لقد أبلغتكم "، إبلاغ وليس بلاغ؛
- نفس السورة، سورة الأعراف، وفي شأن سيدنا شعيب عليه السلام إلى قومه مدين: " فتولى عنهم وقال يا قومي لقد أبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم فكيف آسى على قوم كافرين " (الأعراف : 93)..... يا قومي..... أبلغتكم؛
- في سورة هود وفيما يخص سيدنا هود عليه السلام إلى قومه عاد: " فإن تولوا فقد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم. ويستخلف ربي قوما غيركم ولا تضرونه شيئا. إن ربي على كل شيء حفيظ " (هود : 57).....
إذن، كل الأنبياء أرسلوا إلى أقوامهم بالإبلاغ، لكن حينما يأتي إلى الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله فإن الخطاب القرآني الكريم يتوجه إليه بالبلاغ.
- نقرأ مثلا في سورة المائدة: " يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته. والله يعصمك من الناس. إن الله لا يهدي القوم الكافرين " (المائدة : 67)؛
- كذلك في سورة آل عمران: " فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن. وقل للذين آوتوا الكتاب والأميين ءأسلمتم. فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك البلاغ. والله بصير بالعباد. " (آل عمران : 20)..... عليك البلاغ؛
- في سورة المائدة كذلك: " وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا. فإن توليتم فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين " (المائدة : 92)..... البلاغ المبين؛
- وفي سورة الرعد: " وإن ما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب " (الرعد : 40).
وهكذا تتكرر " بلغ " بتفعيلاتها في ثلاثة عشر (13) موضعا من القرآن الكريم فيما يخص الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله، لماذا؟..... لأن رسالة رسول الله صلى الله عليه وآله هي الرسالة الوحيدة التي كانت إلى الناس كافة..... أرسِل صلى الله عليه وآله إلى الناس كافة، بينما كل الأنبياء وكل الرسل الآخرين أرسلوا إلى أقوامهم.
إذن أعزائي، علينا أن نتعامل مع الشريعة المحمدية كشريعة عالمية كونيّة وليست كشريعة أرسلت إلى فئة أو إلى قوم مخصوصين.
ثم رأينا أنه تأدبا مع رسول الله صلى الله عليه وآله، وحتى لا تعصف بأذهاننا الأفكار..... رأينا أنه لم يبق إلا لفظ ولي لكي نعبر عن المقامات الربانية العالية..... إذن سد باب التلفظ بلفظ " نبي " ولم يبق إلا لفظ " ولي " للدلالة على المقامات الربانية العالية.
ثم رسمنا أيها الأعزاء ثلاث دوائر متداخلة حول نقطة مركزية هي " القرب الإلهي "..... الدائرة الداخلية دائرة الولاية، ثم دائرة النبوة ثم دائرة الرسالة، وقلنا أن الولاية أقرب إلى " القرب الإلهي " من النبوة، والنبوة أقرب إلى " القرب الإلهي " من الرسالة.....
الولاية مقام وجودي أقرب وأعلى وأرقى من النبوة التشريعية ومن الرسالة التشريعية، لكن حذار أيها الأعزاء هذه المقامات الثلاث تكون في نفس الشخص ذاته المتصف بهذه الأوصاف الثلاثة: الولاية والنبوة والرسالة: محمد صلى الله عليه وآله في ولايته العظمى أعظم وأتم وأكمل من محمد صلى الله عليه وآله في نبوته وأعظم من محمد صلى الله عليه وآله في رسالته

ثم طرحنا أيها الأعزاء بعض الأسئلة:
- كيف تتفاضل هذه المقامات ؟
- كيف تتفاعل فيما بينها ؟
- هل يُدرِك التابع المتبوع ؟
- هل يتفوّق المتعلم على العالم ؟
سوف يكون مدار كلامنا – إن شاء الله تعالى – في هذا اليوم حول الإجابة عن هذه الأسئلة.
بتفاضل المقامات يفضل مقام " الولاية " كـُلا من مقامي النبوة – التشريعية - والرسالة، وهذه الأفضلية تبقى في ذات الشخص الواحد الموصوف بهذه الأوصاف مجتمعة، لا أن يفوق الولي النبي التابع له، فمحال أن يدرك المتبوع التابع له، ومحال أن يتفوق المتعلم على العالم. " كل ولي على قدم نبي ".....
محمد صلى الله عليه وآله في ولايته العظمى أكمل وأتم من محمد صلى الله عليه وآله في نبوته – التشريعية – ورسالته التشريعية..
لنعد إلى الشيخ الأكبر محي الدين بن عربي قدس سره في كتابه " الفتوحات المكية "حيث يقول: " .... فمن حيث هو ولي عارف، ولهذا مقامه، من حيث هو عالم، أتم وأكمل من حيث هو رسول أو ذو تشريع وشرع، فإذا سمعت أحدا من أهل الله يقول أو ينقل إليك عنه أنه قال الولاية أعلى من النبوة، فليس يريد ذلك القائل إلا ما ذكرناه، أو يقول إن الولي فوق النبي والرسول، فإنه يعني بذلك في شخص واحد، وهو أن الرسول صلى الله عليه وآله من حيث هو ولي أتم من حيث هو نبي ورسول، لا أن الولي التابع له أعلى منه، فإن التابع لا يدرك المتبوع أبدا فيما هو تابع له فيه، إذ لو أدركه لم يكن تابعا له فافهم .... ".
أثر عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله أنه قال في حديث شريف ما معناه : " لي وقت مع الله لا يصل إليه نبي مرسل ولا ملك مقرب "،.وفي صيغة أخرى: " " لي مع الله وقت لا يسعني فيه ملك مقرب ولا رسول مرسل "، وفي صيغة ثالثة: " إن لي مع الله وقت لا يسعني فيه غيره ".
ونحن نتساءل: أي حال لك مع الله يا رسول الله صلى الله عليك وآلك تفوق فيه كل نبي مرسل حتى نبوتك ورسالتك الشريفة ؟
هذا الحديث النبوي الشريف خير دليل على أفضلية الولاية على النبوة والرسالة، حيث يبقى النبي الولي في ذاته أعلى من المرسل التشريعي. فالرسول الأمجد عليه وآله الصلاة والسلام لا يتكلم في هذا المقام عن نفسه الشريفة كرسول مرسل مهمـّته تلقي الوحي عن الله تعالى وتبليغه للناس، بل يصف حالته الشريفة كولي عارف بالله تعالى قريب من الله.... كولي الله الأعظم الذي يتلقى الفيض الرباني دون حجاب ولا وسيط.
هذا الحديث النبوي الشريف يكشف جانبا آخرا مخفيا من باطن الرسول صلى الله عليه وآله، وحالة مستورة من المقام المحمـّدي الجليل، ودرجة ولايته العظمى التي يتلقى بها الفيض الرباني والمدد الرحماني من الباري جل ثناؤه دون وسيط. إنه مقام وجوديّ رفيع وحالة روحانية باطنة خاصة وراقية ليس من مهمـّته صلى الله عليه وآله أن يظهرها للناس..... ليس من مهمته، كنبي تشريع وكرسول، أن يُظهِر باطن الولاية لأن التنزيل فقط هو مهمـّته الربانيـّة الأساسيـّة الظاهرة في هذه الحياة الدنيويـّة، والتنزيل تبليغ للوحي تبشيرا وتنذيرا، أما إظهار مبطون الولاية، ومستور خصائصها في عالم الملك الدنيوي فمن وظائف الولي الوارث للنبي والإمام الوصي المجبول باطنه من عين الأنوار النبويـّة، هذه الأنوار التي في مجموعها قبس من ذات الحقيقة المحمديـّة الأزليـّة.
هنا نستحضر حديث رسول الله صلى الله عليه وآله الذي يقول فيه: " أنا مدينة العلم وعلي بابها فمن أراد المدينة فليأتي الباب "، المراد بالمدينة ليس المدينة المنورة بمساجدها وأزقتها ودورها بل المراد في هذا الحديث النبوي الجليل من المدينة هي حوزة رسول الله صلى الله عليه وآله..... هي علم رسول الله..... هي أخلاق رسول الله..... هي خُلق رسول الله..... هي معارف رسول الله صلى الله عليه وآله..... من أراد هذه الحوزة، وهذا العلم، وهذه المعارف، وهذه السُنة، وهذه الأخلاق وهذه الخُلق فعليه أن يدخل المدينة ويأتيها من الباب الذي من قِبله يُؤتى..... عليه أن يأتيه من قِبل علي بن أبي طالب [عليه السلام، ورضي الله عنه ، وكرّم الله وجهه..... نقولها بكل لغات المسلمين]..... من أراد هذه المدينة فعليه بالولي الوصي للنبي..... من أراد أن يدخل المدينة فعليه بعلي، ومن أراد أن يخرج من المدينة – والعياذ بالله – فعليه كذلك بعلي، وفي هذا الإطار تتنزل بعض الأحاديث النبوية الشريفة في حق علي بن أبي طالب عليه السلام حيث يقول فيه رسول الله صلى الله عليه وآله مثلا:
- " أنت قسيم الجنة والنار "؛
- " علي قسيم الجنة والنار "؛
- " لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق "؛
- " علي مع الحق، والحق مع علي يدور أينما دار "
يقول الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام : " علـّمني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ألف باب من العلم ينفتح لي من كلّ باب ألف باب "، وفي صيغة أخرى : " علـّمني رسول الله صلى الله عليه وآله ألف باب من العلم فتح لي كلّ باب ألف باب " ، وفي صيغة ثالثة حيث يقول عليه السلام : " إن رسول الله صلى الله عليه وآله علـّمني ألف باب من الحلال والحرام، وممـّا كان وممـّا يكون إلى يوم القيام، كلّ باب منها يفتح ألف باب، فذلك ألف باب حتى علمت علم المنايا والبلايا وفصل الخطاب " ليس المقصود بألف باب – والله ورسوله أعلم – عدد ألف بذاته، بل المقصود منها – كما نرى - كثرة تفوق الألف وتتجاوز الذهن وتتعدى الخيال.... علوم لا تحصَى ولا تـُعدّ أسرّها الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله إلى الإمام علي عليه السلام.
- ما طبيعة تلك العلوم ؟ ....
- هل هي مقتصرة على علوم الأصول فقها وحديثا وشريعة، أم على علوم الكلام حجاجا وتعقلنا، أم على علوم الفلسفة، أم العلوم الطبيعية، أم الاجتماعية، أم الاقتصادية ؟ ....
أكيد أنها تتجاوز ما ندرك من معارف وعلوم إلى آفاق أرحب وأبعاد أوسع لا تخطر ببال أحد من العامـّة ولا من الخاصـّة.
علوم ربانيـّة ومعارف لدنيـّة دالـّة على درجة الرسول الأعظم عليه وآله الصلاة والسلام في ولايته عند الله تعالى، ودالـّة كذلك على مكانة الإمام علي عليه السلام عند رسول الله صلى الله عليه وآله.
مقام الولاية أعلى وأكمل وأتم من مقام النبوة التشريعية ومن مقام الرسالة في شخص الرسول نفسه؛ وهذه المقامات: ولاية، نبوة، رسالة تكون في نفس الوقت حاضرة في شخص الرسول لكن الرفعة والامتياز يكون للولاية.
لنأخذ على ذلك مثلا من القرآن الكريم: في مقطع جليل من سورة البقرة يقول الحق سبحانه وتعالى في شأن خليله إبراهيم عليه السلام: " وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ ۖ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ۖ قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي ۖ قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ " (البقرة : 124).
أعزائي، الابتلاء هو الاختبار والامتحان، وإتمامهن هو النجاح فيهن.
اختبر الله سبحانه وتعالى سيدنا إبراهيم عليه السلام وامتحنه بامتحانات كثيرة، فكان عليه السلام في كل امتحان يخرج منتصرا وفائزا.
- امتحنه بالنار حيث ألقِيَ (سيدنا إبراهيم عليه السلام) في النار؛ وهو من المنجنيق إلى النار جاءه سيدنا جبرائيل عليه السلام وقال له في معنا القول " هل لك حاجة؟ "..... أجاب سيدنا إبراهيم عليه السلام: " أما منك فلا، وأما منه فعلمه بحالي مغن عن سؤالي "، وكان الموقف يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم.
- أبتلي (سيدنا إبراهيم عليه السلام) بأن نُفِي وأخرِج من دياره، فكان من الصابرين ومن الناجحين.
- أبتلي في مصر في زوجته فنجح في الاختبار.
- رزقه الله سبحانه وتعالى على كبر سِنه ولده إسماعيل، وجاء الأمر الرباني بأن يأخذ زوجته وابنه ويضعهم بوادٍ غير ذي زرع، فامتثل عليه السلام لأمر الله سبحانه وتعالى.
- شبّ ابنه ولمّا بلغ السعي رأى في المنام أنه يذبحه، فامتثل عليه السلام لأمر الله سبحانه وتعالى.
مع كل امتحان كان سيدنا إبراهيم عليه السلام ينجح في ذلك الامتحان، ومع كل نجاح كان يترقى في مرتبة وجودية: من نبي إلى رسول، ومن رسول إلى أولي العزم من الرسل، ثم نال مقام الخلة..... " وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ "، لما أتم كل الكلمات..... لما تجاوز كل الامتحانات بنجاح عُقِد له لواء الإمامة وصار إماما..... " وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ ۖ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ۖ"، جُعِل سيدنا إبراهيم عليه السلام إماما، والإمامة هي الولاية الربانية العظمى.
هذه الآيات القرآنية خير دليل على أن الإمامة – أو الولاية الربانية العظمى – التي مقامها مقام القرب أعلى من مقام النبوة، ومن مقام الرسالة، ومن مقام أولي العزم من الرسل، ومن مقام الخلة.
ما دليلنا على أن هذه الإمامة عُقِدت لسيدنا إبراهيم عليه السلام في آخر حياته الشريفة، بعد أن اجتاز ما عددناه من الاختبارات؟.....
خير دليل هو بقية ما ورد في آخر المقطع القرآني الشريف حيث يقول الله تعالى: " وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا ۖ إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ. رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا ۖ إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ. رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ ۚ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ " (البقرة : 127 – 129). محل شاهدنا: " وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ "ُ
متى رفع سيدنا إبراهيم عليه السلام قواعد البيت؟
رفعه حينما شبّ إسماعيل عليه السلام وأصبح شابا، وكان ذلك في آخر حياته (إبراهيم) عليه السلام..... ما ورد في آخر المقطع القرآني الجليل خير دليل على أن الإمامة – أو الولاية الربانية العظمى -عُقِدت لسيدنا إبراهيم عليه السلام في آخر أيام حياته، بعد أن اجتاز كل الامتحانات.
تمثل النبوة بكل مظاهرها وبكل تجلياتها المستوى الظاهر للشريعة، وتمثل الولاية بكل مراتبها المستوى الباطن من الشريعة؛ والتفاعل بين النبوة والولاية يتمثلان في أنهما جميعا مستمدتان من الحقيقة المحمديـّة، تلك الحقيقة السارية في الوجود بأسره مسرى الروح من البدن، وتلك الحقيقة الجامعة معرفيـّا بين الظاهر والباطن، وبين الشريعة والحقيقة، وبين النبوة والولاية.
مثـّل آدم عليه السلام التجلي الأول للحقيقة المحمديـّة في مستواها النبوي الظاهر؛ ثم تعقـّب آدم عليه السلام جميع الأنبياء والمرسلين الآخرين عليهم السلام (124 ألف نبي و 313 رسول)، فكان لكلّ منهم شكل من أشكال تجلي هذه الحقيقة الأزليـّة نفسها، وكان لكلّ نبي جانبان وحظـّان من الحقيقة المحمديـّة:
- حظ النبوة التي تمثل المستوى الظاهر،
- حظ الولاية التي تمثل المستوى الباطن.
ولما استدار الزمان على هيئته كيوم خلقه الله تعالى (الحديث النبوي الشريف: " إن الزمان قد استدار على هيئته كيوم خلقه الله) مـُظهـِرا محمدا صلى الله عليه وآله في بشريته، كان عليه وآله الصلاة والسلام نـَفـْسه التجلـّي الأعظم لجميع صفات الكمال والجمال الظاهرة، وكانت شريعته التامـّة ودينه الكامل انعكاسا لتلك الحقيقة في مستواها الظاهر. فكلّ الشرائع السماويـّة تنتسب في حقيقتها وجوهرها وباطنها إلى الروح المحمـّدي وتستمد وجودها من مَعين الحقيقة المحمديـّة. أمـّا ظاهرا فهي (الشرائع السماوية) منتسبة إلى النبي المـُظهـِر لتلك الشريعة والذي يـُعدّ بدوره نائبا وخادما للرسول الأكرم صلى الله عليه وآله ومـُظهـِرا لجانب محدّد من الحقيقة المحمديـّة.
تجمع تلك الحقيقة جميع الفضائل الظاهرة والباطنة، لأن نبوته صلى الله عليه وآله هي الأنموذج الأكمل الذي حوى جميع فضائل النبوات السابقة، وكذلك لأن ولايته هي أيضا الأنموذج الأكمل الذي اشتمل ويشتمل على كل فضائل الأولياء السابقين واللاحقين، ومن ثمة كانت ذاته الشريفة مشتملة على جميع الخصائص الخـَلـْقيـّة والخـُلـُقيـّة العليا التي تمثل بها جميع الأنبياء والأولياء.
حينما تنتهي دورة النبوة - وقد انتهت بالرسول الخاتم صلى الله عليه وآله - لا ينقطع رباط الأرض بالسماء..... حينما تنتهي دورة النبوة تُفتَح دورة وجودية جديدة هي دورة الولاية - هي دورة الإمامة - لكي لا ينقطع رباط الأرض بالسماء، في هذا افطار يتجلى الحديث النبوي الشريف الذي يقول فيه الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله: " لا تخلو الأرض من حجة إما ظاهرا مشهورا أو باطنا مستورا، لئلا تبطل حجج الله وبيناته ".
وجب التنبيه في الختام إلى نقطة مهمة جدا: لا يتبادر للأذهان أن ظهوره عليه وآله الصلاة والسلام بالشريعة المحمـّديـّة هو ظهور وتجليات للباطن بجميع أبعاده. صحيح أن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله هو مجلى للحقيقة المحمديـّة، بل هو المجلى التام الذي لا تمام بعده، المجلى الكامل الذي لا كمال بعده، ويمثل ظهوره الشريف في عالم الظاهر اكتمال للظاهر ووصوله إلى أقصى غاياته، بينما تبقى دورة الولاية مستمرة – بل يجب أن تكون مستمرة ما دام للوجود وجود – لأن الباطن لا يتوقف عند صورة واحدة من صور الظاهر.
الحقيقة المحمديـّة مصدر المدد الرحموتي، عن طريقها يكون المدد للأولياء والأنبياء:
- كيف يتم هذا المدد ؟ ....
- كيف ينتقل الإرث من النبي إلى الولي ؟ ....
- ما حقيقة الوراثة النبوية ؟ .....
هذا – أيها الأعزاء – ما يمكن أن أتطرق إليه في مناسبة أخرى، إلى ذلك الحين أستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآل بيته الطاهرين وأصحابه المنتجبين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.