الملحمة الحسينيّة تحت المجهر البرنامج الحسينيّ
الدكتور محمد الصادق بوعلاق
أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمان الرحيم، الحمد لله رب العالمين. " الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله لقد جاءت رسل ربنا بالحق " (الأعراف : 43) وأصلى وأسلم على سيد الأنبياء والمرسلين وقائد الغر المحجلين المبعوث رحمة للعالمين، وقدوة للسالكين، ونبراسا للصادقين، سيدنا ومولانا، وطبيب قلوبنا، ونور أبصار عيوننا، وشفيع ذنوبنا أبي القاسم محمد، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد.
السلام عليك يا سيدي ومولاي يا رسول الله، السلام عليك يا حبيب الله، السلام عليك يا نجيّ الله، السلام عليك يا صفيّ الله، السلام عليك وعلى سبطك أبي عبد الله الحسين. السلام على ابن مكة ومنى، السلام على ابن زمزم والصفاء، السلام على خامس أصحاب الكساء، السلام على سيد الشهداء، السلام على أسير الأعداء، السلام على صريع كربلاء، السلام على المذبوح من القفى إلى القفى، السلام على مسلوب العمامة والرداء، السلام على من بات على الرمضاء ثلاثا حتى تصلي عليه ملائكة السماء؛ سيدي يا أبا عبد الله عليك مني سلام الله أبدا ما بقيت وبقي الليل والنهار ولا جعله الله آخر العهد مني لزيارتكم. السلام على الحسين، وعلى علي بن الحسين، وعلى أولاد الحسين وعلى أصحاب الحسين. السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته إخوتي وأخواتي.
أريد أن أبحر مع الإخوة والأخوات في رحلة معرفية تضع الشعائر الحسينية، والطقوس التي تقام في المجالس، تحت مجهر التحقيق الموضوعي..... التحقيق العلمي..... التحقيق الهادئ الرصين.
إذا أردنا أن نضع عنوانا لهذه السلسلة من المحاضرات يمكننا أن نقول: " الشعائر الحسينية تحت المجهر".
هدفنا إذن أن نضع بعض الشعائر الحسينية، وبعض الطقوس التي تقام في مجالس عزاء أبي عبد الله الحسين عليه السلام تحت المجهر للحكم إما لها أو عليها.
حتى نصل إلى هدفنا علينا أن نقطع طريقا نحدد فيه برنامج الإمام الحسين عليه السلام، ثم نقدم تعريفا للشعائر، ثم نتعرف على خصائص الشعائر وضوابطها، ثم بعد ذلك يأتي دور وضع كل شعيرة ضمن هذه الضوابط للحكم لها أو عليها.
مسيرتنا إذن يمكن أن تمتد إلى عشرة لقاءات عناوينها كما يلي، أحاول أن أضع في هذه المقدمة فهرسا لكل اللقاءات المقبلة إن شاء الله تعالى :
- تحديد البرنامج الحسني
- تعريف الشعائر الحسينية والتعرف على خصائصها؛
- البكاء على الإمام الحسين عليه السلام؛
- اختزال الملحمة الحسينية في الجانب العاطفي المأساوي؛
- إيذاء النفس في مواكب العزاء الحسيني؛
- ثقافة عاشوراء ودخول بعض المبادئ الهدامة " الغاية تبرر الوسيلة " نموذجا؛
- مقولة التسامح في أدلة السنن؛
- صناعة الأساطير في الملحمة الحسينية 1
- صناعة الأساطير في الملحمة الحسينية 2؛
- اللعن.
أنصح الإخوة والأخوات بأمرين مهمين :
- الإصغاء جيدا حتى لا يقع خلط وسوء فهم، وحتى لا أقوّل ما لا أقوله؛
- الحضور كامل اللقاءات لتحصل الفائدة.
بعد هذه المقدمة التي استهلكت حيزا زمنيا محترما، ننطلق – على بركة الله – في محورنا الأول الذي عنوانه " تحديد البرنامج الحسيني "..... نحاول في هذا اللقاء المبارك أن نتلمس ملامح البرنامج الحسيني، البرنامج الذي من أجله قام الإمام الحسين عليه السلام.
أعزائي، للأمانة العلمية، وللاعتراف لأهل الفضل بفضلهم، دعوني أقول أن أهمّ الأفكار التي سترد في هذا اللقاء، وفي اللقاء القادم، مستوحاة من حوار أجري مع سماحة المرجع الديني الكبير السيد كمال الحيدري حفظه الله تعالى في السنوات الفارطة مع إحدى القنوات التلفزية. وقع استساغة تلك الأفكار، هضمها وإعادة إنتاجها.
نبدأ محور هذا اليوم – إن شاء الله – بكلمات للإمام الحسين عليه السلام وبطرح سؤال.
أما الكلمات فهي الرسالة التي تركها الإمام الحسين عليه السلام لأخيه محمد بن الحنفية، رحمة الله تعالى عليه، عند خروج الإمام من المدينة المنورة والتي يقول فيها :
" بسم الله الرحمان الرحيم،
هذا ما أوصى به الحسين بن علي عليه السلام إلى أخيه محمد بن الحنفية، إن الحسين يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله جاء بالحق من عنده، وأن الجنة حق والنار حق، والساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور.
وأنّي لم أخرج أشراً، ولا بطراً، ولا مفسداً، ولا ظالماً، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أُمّة جدّي صلى الله عليه وآله، أُريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدُي وأبي علي بن أبي طالب، فمن قبلني بقبول الحق فالله أولى بالحق، ومن ردَّ عليَّ هذا، أصبر حتى يقضي الله بيني وبين القوم بالحق، وهو خير الحاكمين.
وهذه وصيتي إليك يا أخي. وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب "
هذه الرسالة التي تركها الإمام الحسين عليه السلام لأخيه محمد بن الحنفية، رحمة الله تعالى عليه، وكما ستلاحظون فيما بعد، سيرتكز البرنامج الحسيني على فحوى هذه الرسالة المباركة.
أما السؤال فهو بسيط جدا : هل ما قام به الإمام الحسين عليه السلام ثورة ؟..... لأننا كثيرا ما نسمع عناوين كثيرة منها :
- الثورة الحسينية؛
- الثورة على الفساد؛
- ثورة المظلوم على الظالم؛
- ثورة التغيير الواجب.
وغير ذلك من المضافات لكلمة ثورة.
أعزائي، مفهوم الثورة من المفاهيم الزئبقية التي يصعب على الباحث الإمساك بتلابيب خيوطه. يتخذ هذا المفهوم تمظهرات متنوعة منها :
- الخروج؛
- الانتفاضة؛
- العصيان المدني؛
- الحراك؛
- الانقلاب.....
أما في علم الاجتماع السياسي فتُعرّف الثورة بما يلي : هي الخروج على الوضع الراهن وتغييره باندفاع يحركه عدم الرضاء أو التطلع إلى الأفضل أو حتى الغضب.
في الحقيقة، لا أستسيغ استعمال لفظ " ثورة ". لهذا المفهوم في علم الاجتماع السياسي تأثيراته النفسية والاجتماعية والسياسية.
هذا المصطلح " ثورة " استُعمِل، واستُهلِك، كثيرا في ستينات القرن الماضي، في الأدبيات اليسارية والماركسية، التي كان فيها بُعدٌ عنف.... بُعدٌ سلاحي..... بُعدٌ تدميري..... بُعدٌ دموي.....
قد تستوقفني لتقول: " كل هذا القتل الذي وقع يوم العاشر من محرم..... كل هذا الإسراف في القتل وكل هذا التنكيل : جثث، أشلاء، رؤوس محزوزة.....
الجواب : لم يكن الإمام الحسين عليه السلام محبا للقتال..... لم يكن سلام الله تعالى عليه يريد قتالهم.....هم حاصروه وضيقوا عليه وأجبروه على القتال، أرادوه أن يبايع ذليلا، ضعيفا، حقيرا، مستكينا وهو رفض ذلك. يتجلى هذا الرفض في خطبته يوم العاشر من محرم، قال – من جملة ما قال – من كلماته النورانية، الكلمات الشعار : " ألا وإنّ الدعي بن الدعي قدْ ركز بين اثنتين، بين السلة والذلّة، وهيهات منّا الذلّة، يأبى الله لنا ذلك ورسوله والمؤمنون، وحُجور طابت وطهرت، وأُنوف حمية، ونفوس أبية، من أن نؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام، ألا وإنّي زاحف بهذه الأسرة على قلّة العدد وخذلان الناصر "
هذا الدعيّ قد خيّره بين اثنتين : إما السلة، أي سل السيوف ، وإما الذلة، أي أن يبايع ذليلا مستضعف..... نحن نأبى أن يكون إمامنا ضعيفا ذليلا ومستكينا.
إذا لم تكن ثورة بذلك المفهوم، أي ثورة بعلم الاجتماع السياسي، أو ثورة فيما تعارفنا عليه في أدبيات الستينات، فماذا تكون ؟
نحبذ نفس المصطلح الذي أسس له الإمام الحسين عليه السلام في رسالته لأخيه محمد بن الحنفية، والتي كنا تلوناها على مسامعكم: " وأنّي لم أخرج أشراً، ولا بطراً، ولا مفسداً، ولا ظالماً، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أُمّة جدّي صلى الله عليه وآله ". نسطر على كلمة " طلب الإصلاح في أمة جدي ".
المشروع الذي أسس له الإمام الحسين عليه السلام ليس ثورة بالمعنى الحديث، بل هو مشروع إصلاحيّ..... هو مشروع إصلاحي للأمة.
أعزائي، فرق كبير بين الثورة والحركة الإصلاحية، لماذا ؟
لأن من أهمّ ما تعلمنا حركة الإمام الحسين عليه السلام درسا مهما جدا – نرجو من الإخوة والأخوات أن ينسطوا جيدا..... حركة الإمام الحسين عليه السلام تعلمنا كثير من الدروس، منها هذا الدرس : لا يجب أن يكون هدف القيام هو مقارعة الظلم وإسقاط الظالم فقط.... لا يجب أن يقوم المؤمن الحسيني من أجل أن يقارع الظالم ويسقطه فقط..... بل يجب أن تكون الغاية إحقاق الحق..... فلو قارع ظالم ظالما آخر وأنتصر عليه لآل التمكين للظالم الثاني، ولكان ظلم المنتصر أشد وطأة لأنه مازال في عنفوانه.....
أعزائي، الفرق كبير بين أن تقوم وتتحرك من أجل إسقاط الظلم وبين أن تقوم وتتحرك من أجل إحقاق الحق..... فرق كبير جدا جدا..... علينا أن نعِيَ هذا المفهوم جيّدا خصوصا في هذه الأيام المفصلية والصعبة التي نعيشها. يقول الإمام الحسين عليه السلام : " ألا ترون إلى الحق لا يُعمل به، وإلى الباطل لا يُتناهى عنه، ليرغب المؤمن في لقاء ربه محقا، فإني لا أرى الموت إلا سعادة والحياة مع الظالمين إلا برما ".
إذن هي حركة إصلاحية، وهذه الحركة الإصلاحية للإمام الحسين عليه السلام ليست مرتبطة بزمان معين، ولا بمكان معين، ولا بظروف معينة ولا بمجتمع معين..... هذه الحركة الإصلاحية كسرت حواجز الطائفية..... هذه الحركة الإصلاحية كسرت حواجز المذهبية..... كسرت حتى حواجز الدين، وحواجز العرق، وحواجز الجنس لكي تحلق في سماء الكونية، وتكون لكل الأحرار صالحة لكل زمان، ولكل مكان ولكل ظرف.
هذا المشروع..... هذا البرنامج الحسيني..... يقوم على نقاط، أحصيت منها خمسة..... نرجو من الإخوة والأخوات حسن الإصغاء..... هذا البرنامج الحسيني يقوم على نقاط عديدة، أحصيت منها خمسة :
- هي حركة إصلاحية صالحة لكل زمان ومكان وظرف..... حركة إصلاحية كونية تخص كل أحرار العالم وكل المستضعفين؛
- هذه الحركة الإصلاحية هي حركة للأمر بالمعرف والنهي عن المنكر: " وأنّي لم أخرج أشراً، ولا بطراً، ولا مفسداً، ولا ظالماً، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أُمّة جدّي صلى الله عليه وآله، أُريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر " ..... الإمام الحسين عليه السلام مصداق للآية المباركة: " كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله " (آل عمران : 110)؛
- هل هذا الإصلاح لأجل مذهب، أو لأجل طائفة، أو لأجل مدرسة؟..... يقول سلام الله تعالى عليه: " وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أُمّة جدّي ".... نسطر على كلمة " في أمة جدي "..... لم يقل، سلام الله تعالى عليه، خرجت لطلب الإصلاح في طائفتي، أو في مذهبي، أو في مدرستي، بل قال: " في أمة جدي "، وتحت أمة جده، سلام الله تعالى عليه، تنضوي كل الطوائف وكل المذاهب وكل المدارس. نفس الخطاب نجده، سلام الله تعالى عليه، يقوله يوم العاشر: " إن كان دين محمد لا يستقيم إلا بقتلي فيا سيوف خذيني "..... إن كان دين من؟..... دين محمد، ودين محمد صلى الله عليه وآله تنضوي تحته كل الطوائف وكل المذاهب.
إذن هذه الحركة، أوالإمام الحسين عليه السلام، وقضية عاشوراء، ليست ملكا لطائفة، وليست ملكا لمذهب، وليست ملكا لمدرسة، بل هي لكل المسلمين، بل تتعدى ذلك..... تتعدى الحركة الحسينية الإطار الإسلامي لتشمل كل المستضعفين في العالم.
نعم، الإمام الحسين عليه السلام رمز، ونبراس، وقدوة وملهمٌ لكل أحرار العالم..... هو مظلة يستظل تحتها جميع المستضعفين.
لنستعرض بعض الشواهد على ذلك:
- " الثائر تشي جيفارا " يقول : " على جميع الثوار في العالم الاقتداء بتلك الثورة العارمة التي قادها الزعيم الصلب الحسين العظيم والسير على نهجها لدحر زعماء الشر والإطاحة برؤوسهم العفنة "..... تشي جيفارا يصف الإمام الحسين عليه السلام بالقائد وبالزعيم الصلب وبالحسين العظيم، ويدعو كل الأحرار للسير على نهج حركة الإمام الحسين عليه السلام؛
- الزعيم " غاندي يقول " : " تعلمنا من الحسين كيف نكون مظلمين حتى نحقق النصر "
- المفكر الروسي " تولستري يقول " : " مما لا ريب فيه أن الحسين كان من أعظم الرجال الثائرين من أجل تقويم الحكام الذين انحرفوا عن جادة الصواب فنال بوقفته تلك الشهادة التي طالما يتمناها الأحرار ". هو في نظرهم ثائر، نحن في نظرنا إمام ومصلح، وحركته الإصلاحية تمتد لتشمل كل المستضعفين في العالم.
نخشى أعزائي ما نخشاه أن يكون هؤلاء الأحرار مثل " تشي جيفارا " و " غاندي " وغيرهم كثير قد فهموا بعمق أهداف الملحمة الحسينية بأبعادها الكونية، أحسن وأعمق مما فهمه السواد الأعظم من يحبون وينتسبون إلى الإمام الحسين عليه السلام.
- إن قبلت الأمة الإصلاح فبها ونعمة، أما إذا لم تقبل منه فماذا يفعل الإمام؟..... هل يرفع السيف؟..... هل يعلن الحرب؟..... هل يدق طبول الحرب؟.....
يقول الإمام الحسين عليه السلام في نفس الرسالة : " ..... فمن قبلني بقبول الحق فالله أولى بالحق، ومن ردَّ عليَّ هذا، أصبر حتى يقضي الله بيني وبين القوم بالحق، وهو خير الحاكمين. "
هذا الفارق الكبير بين مفهوم الثورة – بالمعنى الحديث والمرادف عادة للانفعال – وبين مفهوم الحركة الإصلاحية – المرادف عادة للفعل والرصانة –
- الأولى: يقول الثائر: إذا لم يتحقق الإصلاح أرفع السلاح وأسلك سبيل العنف وإراقة الدماء؛
- الثانية: يقول المصلح: أصبر حتى يحكم الله.
إخوتي..... أخواتي..... أعزائي..... إذا كان الحاكم مسلما أو في دولة مسلمة، حسب رأيي لا تُحَل الخلافات معه بالسيف..... لا تُحَل الخلافات معه بالقوة المسلحة..... السيف والقوة للحفاظ على حدود الوطن فقط.
سؤال يطرح نفسه: هل هذا يتعارض ومفهوم الجهاد في الإسلام؟
الجواب عندي: لا يوجد في الإسلام جهاد ابتدائي..... الجهاد في الإسلام ليس إلا جهادا دفاعيا..... هذا يُبحَث فقهيا في محله [مستعد لبحث ذلك في إطاره المناسب].
لماذا أقول هذا الكلام، لأن في واقعنا المعاصر هناك الكثير من الحركات السياسية في البلدان العربية والإسلامية ترفع السلاح من أجل إسقاط الحاكم أو تسوية خلافاتها مع الآخرين. هذا في نظري مناف للمنهج الحسيني الأصيل.
أنا لست ممن يعتقدون أن الحركة الإصلاحية التي قام بها الإمام الحسين عليه السلام تشتمل حتى على مفردة " الكفاح المسلح ". دعوني أضرب على ذلك مثالا معاصرا:
هل استعمل الإمام الخميني قدس الله سره الشريف في إيران السلاح ليُسقِط نظام الشاه؟
الجواب: لم يستعمل السلاح على الإطلاق، إلا في الآونة الأخيرة حيث كان مضطرا؛ بعض المناوشات في المدرسة الحربية..... بشكل عام قال لابد أن يخرج الناس إلى الشارع بطريقة سلمية لإسقاط النظام..... نعم، فيه ثمن غالٍ لكن لابد منه.
- مفهوم آخر خاطئ علينا أن نلتفت إليه، ونحن بصدد الحديث عن البرنامج الحسيني: لا يجب أن ننظر إلى المسألة من زاوية الإمام الحسين عليه السلام الشيعي خرج على يزيد السني..... هذا المفهوم خاطئ..... هذا المفهوم قاتل..... هذا المفهوم مقصٍ للآخر..... هذا المفهوم لا يجر إلا النكبات والويلات..... لا علاقة لحركة الإمام الحسين عليه السلام بالتشيع ولا علاقة لها بالتسنن، وإنما حركته مرتبطة بالإصلاح. نسمعه يقول في إحدى خطبه في منازل الطريق: " ألا وإن هؤلاء [أي معسكر بنو أمية] القوم قد لزموا طاعة الشيطان، وتركوا طاعة الرحمان، وأظهروا الفساد، وعطلوا الحدود، واستأثروا بالفيء، وأحلوا حرام الله وحرموا حلاله وأنا أحق من غيّر ".
كل من لم ينسجم مع الأهداف الحسينية يجب الخروج عليه..... بل أكثر من ذلك: إذا كان شيعيا يجب الخروج عليه قبل السني.
دعوني أكرر وأؤكد: أساسا لابد أن ننظر إلى حركة الإمام الحسين عليه السلام وخروجه لم يكن موجها إلى يزيد – ولا إلى الحكم الأموي – لأنه سني، بل لأنهم – كما قال سلام الله تعالى عليه - لزموا طاعة الشيطان، وأظهروا الفساد، وعطلوا الحدود، واستأثروا بالفيء، وأحلوا الحرام، وحرموا الحلال..... الإمام الحسين عليه السلام لم يخرج على أحد لأنه سني، ولم يسكت على أحد لأنه شيعي، بل برنامجه هو طلب الإصلاح.
من التطبيقات: في الانتخابات، الذي يجب أن ينتخبه الناس لابد أن يكون أمينا، كفؤا، وطنيا، بقطع النظر أن يكون مسلما أو غير مسلم، علاوة على أن يكون سنيا أو شيعيا، أو إسلاميا أو حداثيا..... علينا أن نمحو من ذاكرتنا هذا المفهوم الخاطئ: لم يقم سلام الله تعالى عليه على يزيد لأنه سني، بل قام عليه لأنه كما قال عطل حدود الله، ولزم طاعة الشيطان وأظهر الفساد.
عندما يظهر الإمام الحجة عجل الله تعالى فرجه ماذا يريد أن يقيم؟
يريد أن يقيم العدل الإلهي..... العدل الإلهي بمفهومه الواسع جدا..... هل هذا العدل الإلهي يختص بالشيعة فقط..... يعني إذا كان هناك سنة لا نصيب لهم من عدله؟..... إذا وجدنا أناس ليسوا بمسلمين – ولا من أهل الأديان – هل يشملهم عدل الحجة عجل الله فرجه أم لا؟.....
يُقيم الإمام الحجة عجل الله تعالى فرجه العدل الإلهي للبشر بما هو إنسان: " ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا " (الإسراء : 70)..... لا يوجد في القرآن الكريم كرمنا الشيعة، أو كرمنا السنة، أو كرمنا المسلمين.... التكريم الرباني لبني آدم.
نختم، أعزائي، بهذا المفهوم:
علينا أن نلتفت إلى هذه النقطة الأصلية: لا يكفي بأن يقوم الموالي بهذه الشعائر وبهذه الطقوس حتى نقول أنه حسينيّ.....
من هو الحسينيّ؟
الحسينيّ هو الذي يحاول تطبيق البرنامج الإصلاحي للإمام الحسين عليه السلام.
ماذا يترتب عن ذلك؟....
يترتب عن ذلك عندما نريد أن نصنف هذا الشخص، أو هذا التيار أو هذه الجهة بأنه – أو بأنها - حسينيّ لا يكفي أن نرى أنه يلطم أولا يلطم..... يطبّر أو لا يطبّر..... هذا ليس الملاك..... الملاك هو الإصلاح في الأمة..... هذا هو الأصل الكلي: " وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أُمّة جدّي صلى الله عليه وآله ".
أسأل الله الكريم أن أكون فد نجحت في إعطاء صورة – ولو وجيزة – عن برنامج الإمام الحسين عليه السلام.
اللهمّ أرزقنا شفاعة الحسين يوم الورود، وثبت لنا قدم صدق مع الحسين وأصحاب الحسين الذين بذلوا مهجهم دون الحسين عليه السلام. اللهم كما صدقوا اجعلنا من الصادقين، وكما أخلصوا اجعلنا من المخلصين، وكما جاهدوا اجعلنا من المجاهدين. السلام عليك يا سيدي ومولاي يا أبا عبد الله وعلى الأرواح التي حلت بفنائك، عليك مني سلام الله أبدا ما بقيت وبقي الليل والنهار ولا جعله الله آخر العهد مني لزيارتكم. السلام على الحسين، وعلى علي بن الحسين، وعلى أولاد الحسين وعلى أصحاب الحسين. السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.