الملحمة الحسينيّة تحت المجهر
تعريف الشعائر الحسينيّة والتعرف على خصائصها
الدكتور محمد الصادق بوعلاق
أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمان الرحيم، الحمد لله رب العالمين. " الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله لقد جاءت رسل ربنا بالحق " (الأعراف : 43) وأصلى وأسلم على سيد الأنبياء والمرسلين وقائد الغر المحجلين المبعوث رحمة للعالمين، وقدوة للسالكين، ونبراسا للصادقين، سيدنا ومولانا، وطبيب قلوبنا، ونور أبصار عيوننا، وشفيع ذنوبنا أبي القاسم محمد، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد.
السلام عليك يا سيدي ومولاي يا رسول الله، السلام عليك يا حبيب الله، السلام عليك يا نجيّ الله، السلام عليك يا صفيّ الله، السلام عليك وعلى سبطك أبي عبد الله الحسين. السلام على ابن مكة ومنى، السلام على ابن زمزم والصفاء، السلام على خامس أصحاب الكساء، السلام على سيد الشهداء، السلام على أسير الأعداء، السلام على صريع كربلاء، السلام على المذبوح من القفى إلى القفى، السلام على مسلوب العمامة والرداء، السلام على من بات على الرمضاء ثلاثا حتى تصلي عليه ملائكة السماء؛ سيدي يا أبا عبد الله عليك مني سلام الله أبدا ما بقيت وبقي الليل والنهار ولا جعله الله آخر العهد مني لزيارتكم. السلام على الحسين، وعلى علي بن الحسين، وعلى أولاد الحسين وعلى أصحاب الحسين. السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته إخوتي وأخواتي.
مازلنا تحت خيمة أبي عبد الله الحسين عليه السلام نستنشق عبق الفداء..... عبق الصفاء..... عبق الإيباء.....
مازلنا في سلسلة " الشعائر الحسينية تحت المجهر " في حلقتها الثانية.
كان الكلام في اللقاء الفارط حول البرنامج الحسينيّ..... حول المشروع الحسينيّ..... أهم ما رأيناه أحاول تلخيصه في بضع نقاط سريعة:
- ما قام به – الإمام الحسين عليه السلام – ليس ثورة بمفهوم علم الاجتماع السياسي الحديث، بل كانت حركة إصلاحية، كما رأيناها من كلامه عليه السلام؛
- حركة إصلاحية عابرة للزمان، متجاوزة للمكان، متعالية على الظرف..... حركة إصلاحية صالحة لكل زمان، وكل مكان وكل ظرف؛
- هذه الحركة الإصلاحية منهجها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بمفهومه العميق؛
- هذا الإصلاح ليس لأجل مذهب، ولا لأجل طائفة، ولا لأجل مدرسة..... الإمام الحسين عليه السلام، وحركته الإصلاحية، وقضية عاشوراء، ليسوا ملكا لطائفة ولا لمذهب..... بل تتعدى الحركة الحسينية الإطار الديني الإسلامي لتشمل كل الأحرار وجميع المستضعفين في العالم؛
- هذه الحركة الإصلاحية فاعلة ورصينة، بمعنى إن قَبِلتها الأمة فبها ونعمة، وإن لم تقبلها فليس في منهجها رفع السيف وسلوك منهج العنف.....بل كما قال الإمام الحسين عليه السلام: " فمن قبلني بقبول الحق فالله أولى بالحق، ومن ردَّ عليَّ هذا، أصبر حتى يقضي الله بيني وبين القوم بالحق، وهو خير الحاكمين " .
نتقدم هذه الليلة خطوة إلى الأمام لنعرِّف الشعائر ولنتعرف على خصائص الشعائر الحسينية.
بعد حركة الإمام الحسين عليه السلام حاول الكثير إحياء هذه الحركة الإصلاحية من خلال الشعائر.
سؤال يطرح نفسه، ونحن أبناء الدليل، ندور أينما دار الدليل، نقبل بدليل ونرفض بدليل:
هل لهذا الإحياء، ولهذه الشعائر، دليل وأصل قرآني؟
إن لم يكن لها دليل ولا أصل قرآني فهي بدعة، علينا أن نلقي بها – وبكل ما يترتب عنها – عرض الحائط ولا نبالي. إن كان لها دليل وأصل قرآني، علينا أن نعرف الإطار الذي حدده لها القرآن الكريم.
أعزائي، لماذا هذا السؤال؟..... تُطرَح هذه القضية لأن الكثير يرفعون أصواتهم: من أين تقولون أن قضية الإمام الحسين عليه السلام لابد من إحيائها وإبقاء ذكراها على مر العصور؟
تكفينا آية قرآنية جليلة واحدة مؤونة الخروج من ظلمات الضلال وسواد الضياع..... هذه الآية المباركة هي الآية الخامسة من سورة إبراهيم عليه السلام حيث يقول الحق تعالى: " ولقد أرسلنا موسى بآياتنا أن أخرج قومك من الظلمات إلى النور وذكرهم بأيام الله إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور " (إبراهيم : 5).
" وذكرهم بأيام الله "، يعني أن لله سبحانه وتعالى أيام لا يجب أن تُنسى.
مما لا شك فيه أن كل ما في الوجود ملك لله سبحانه وتعالى بما فيه الزمان.... الزمان مخلوق وملك لله سبحانه وتعالى بما في ذلك أيامه وسنواته ودهوره، إذ أن كل الأيام وكل الشهور وكل السنوات وكل الدهور إنما هي له عز وجل، إلا أننا نجده سبحانه وتعالى ينسب بعض الأيام إليه كما في الآية المباركة من سورة إبراهيم عليه السلام. لا يمكن أن تُفسَّر تلك النسبة إلا تشريفا وتعظيما لتلك الأيام.
أيام الله تعالى هي الأيام المصيرية والمهمّة في حياة الناس، سواء كانت أيام نصر عظيم أو بلاء جسيم؛ لأن كلتيهما – أي البلاء والنصر - تؤثران في يقظة الشعوب وفي نهضتها؛ لذا جاء الأمر السماوي بالتذكير بها وضرورة إحيائها: " وذكرهم بأيام الله ".
هذا أيها الأعزاء نصف الطريق..... النصف الآخر علينا أن نُثبِت أن يوم العاشر من محرم سنة 61 للهجرة يوم من أيام الله..... علينا أن نجيب عن السؤال التالي:
- هل أن يوم الإمام الحسين عليه السلام من أيام الله؟
إذا ثبت أنه يوم من أيام الله، فإن وظيفتنا وتكليفنا نحوه أن نذكّر به لأنه نص قرآني " وذكرهم بأيام الله ".
علينا أن نذهب إلى النصوص الروائية لنبحث هل أن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وأئمة أهل البيت عليهم السلام جعلوا يوم الحسين يوما من أيام الله، أم لم يجعلوا ذلك...... إن ثبت إما بالتصريح، وإما ببيان، عظمة وأهمية هذا اليوم، عند ذلك يكون مصداقا من مصاديق الآية المباركة من سورة إبراهيم عليه السلام.
الشواهد الروائية كثيرة، اخترت منها ثلاث روايات:
- روى الشيخ الصدوق، رحمه الله، عن ابن مسرور، عن ابن عامر، عن عمه، عن إبراهيم بن أبي محمود، قال: قال الرضا عليه السلام: " إن المحرم شهر كان أهل الجاهلية يحرّمون فيه القتال، فاستُحِلت فيه دماؤنا، وهُتِكت فيه حرمتنا، وسُبِي فيه ذرارينا ونساؤنا، وأضرِمت النيران في مضاربنا، وانتُهِب ما فيها من ثِقلنا، ولم تُرْع لرسول الله حرمة في أمرنا. إن يوم الحسين أقرح جفوننا، وأسْبَل دموعنا، وأذل عزيزنا بأرض كربٍ وبلاءٍ، وأورثنا الكرب والبلاء إلى يوم الانقضاء. فعلى مثل الحسين فلَِبك الباكون، فإن البكاء عليه يَحُطّ الذنوب العظام "..... محل شاهدنا من هذه الرواية الشريفة قول الإمام علي بن موسى الرضا عليهما السلام: " ... إن يوم الحسين أقرح جفوننا ".... نعته الإمام الرضا عليه السلام ﺒ " يوم الحسين "؛
- عندما دخل الإمام الحسين عليه السلام على أخيه الحسن المجتبى عليه السلام قُبيْل وفاته وقد ظهرت آثار السمّ الذي دسه إليه طاغية بني أمية كان الإمام الحسين عليه السلام قد تأثر كثيرا بهذه الجريمة فقال له الإمام الحسن عليه السلام: " لا يوم كيومك يا أبا عبد الله، يزدلف إليك ثلاثون ألفا يدّعون أنهم من أمة جدك فيقتلونك ويقتلون بنيك وذريتك ويسْبون حريمك ويسيرون برأسك هدية إلى أطراف البلاد، فاصبر يا أبا عبد الله فأنت شهيد هذه الأمة "؛ محل شاهدنا من هذه الرواية المباركة " لا يوم كيومك يا أبا عبد الله "، إذن الإمام الحسن عليه السلام ينعت يوم العاشر من محرم بيوم من أيام الله؛
- في علل الشرائع، نقرأ الرواية التالية: " فلت لأبي عبد الله الصادق عليه السلام (السائل يسأل الإمام الصادق سلام الله تعالى عليه): يا ابن رسول الله كيف صار يوم عاشوراء يوم مصيبة، وغم، وجزع وبكاء دون اليوم الذي قُبِض فيه رسول الله، واليوم الذي ماتت فيه فاطمة، واليوم الذي قُتَل فيه أمير المؤمنين، واليوم الذي قُتِل فيه الإمام الحسن بالسمّ [هذا السؤال كثيرا ما يُطرَح: إذا كنتم تريدون أن تحيوا الشعائر، لماذا تضعون يدكم فقط على قضية الإمام الحسين عليه السلام؟..... عندكم رسول الله، عندكم الزهراء، عندكم الإمام علي، عندكم الإمام الحسن عليهم السلام، لماذا التركيز على الإمام الحسين..... الجواب سهل وبسيط: نحن نتبع السنة الحقيقية للرسول الأعظم صلى الله عليه وآله، وسنة أهل البيت عليهم السلام، قالت أحيوا قضية الإمام الحسين عليه السلام، يجيب الصادق عليه السلام]؛ قال: " إن يوم الحسين أعظم مصيبة من جميع سائر الأيام ".
الخلاصة أعزائي، عبّر الإمام الحسن، والإمام الصادق والإمام الرضا عليهم جميعا السلام..... عبروا عن واقعة الطف، وعن العاشر من محرم ﺒ " يوم "..... يتبين من ذلك أن قضية الإمام الحسين عليه السلام: يوم من أيام الله.
دعوني أسوق ملاحظة مهمة، أيها الأعزاء..... ملاحظة أسوقها بعد بحث وتدقيق: ليس لدينا أي نص روائي، في أي مدونة حديثية لأي مدرسة أو أي مذهب إسلامي قيه " يوم رسول الله "..... ولا " يوم فاطمة الزهراء "..... ولا " يوم علي "..... ولا " يوم الحسن"..... لا يوجد هذا العنوان (يوم) لأولئك الأعاظم..... لكن أعطِي هذا العنوان للإمام الحسين عليه السلام.
سؤال يفرض نفسه: إذا تبيّن أن قضية الإمام الحسين عليه السلام يوم من أيام الله، فما هو واجبنا الشرعي نحوها؟
واجبنا – بنص القرآن الكريم – أن نُذكِّر بها..... أن نجعلها حية في وجدان الناس حتى لا تُنسى.....
التذكير بأيام الله (ويوم الحسين عليه السلام يوم من تلك الأيام) يحتاج إلى مجموعة من الطقوس..... الطقوس هي الشعائر: " وذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب " (الحج : 32).
الشعائر جمع شعيرة، وهي العلامة، ومنه المشعر الحرام في قول الحق تعالى: " فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضالين " (القرة : 198).... مزدلفة علامة ومشعر من تلك العلامات.
يوم أبا عبد الله الحسين عليه السلام من أهم، وأجل، وأكبر وأوضح العلامات التي تذكّر بالله [لا يوم كيومك يا أبا عبد الله]..... بفضله حُفِظ الإسلام المحمدي الأصيل، ولولا ذلك اليوم لما فرّق المسلمون بين الإسلام الأصيل والآخر الدخيل..... لذلك نحن نقول: " الإسلام محمدي التنزيل حسيني البقاء ".
بالنسبة للفظ " شعائر " ورد في القرآن الكريم في أربعة موارد، جميعها تشير إلى الأعلام والعلامات التي نصبها الله لطاعته، يتجلى ذلك في قوله تعالى:
- " إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوّف بهما " (البقرة : 158)
يشير سبحانه وتعالى إلى أن المكانين معلَّمين بعلامة الله: جبل الصفاء وجبل المروى،هما علامتان يدلان بذلك عليه عز وجل..... هما شعيرتان يجعل تعالى إياهما معبدين يُعبد الله فيهما، فهما يذكران بالله سبحانه وتعالى؛
- " يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدْيَ ولا القلائد آمين البيت الحرام يبتغون فضلا من الله ورضوانا " ( المائدة : 2)؛
" شعائر الله " في هذا المورد القرآني هي مناسك الحج..... " الهدْيَ " هو ما يُساق للحج من غنم وبقر وإبل..... " القلائد ": جمع " قلادة " وهي ما يُقلد به الهدي في عنقه ليُعلَم أنه هدية للحج فلا يُعترَض له.
- " وذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب " (الحج : 32)؛
- " والبُدن جعلناها لكم من شعائر الله. لكم فيها خير فاذكروا اسم الله عليها صواف " (الحج : 36).
" البُدن " هي السمينة الضخمة من الإبل تُساق هديا في الحج.
خلاصة القول في الشعيرة هي العلامة التي تذكر بالله عز وجل..... ويوم الحسين عليه السلام شعيرة من شعائر الله وعلامة من العلامات التي تذكر بالله سبحانه وتعالى.
أعزائي، وجبت الإشارة إلى سنة إلهية، وإلى أصل في علم الاجتماع الديني: " الدين الذي لا يتجلى في الشعائر عند عموم الناس يندثر تاريخيا ". اندثرت كثير من الأديان – مثل الزرادشتية والإبراهيمية وغيرها – لأن ليس لها طقوس عند عموم الناس.
إذا أردنت أن يبقى دين فلا طريق له إلا أن تحوّله إلى طقوس..... إلا أن تحوّله إلى شعائر..... وإن لم يتحول إلى ذلك فسوف يندثر ذلك الدين.
من يريد أن يفهم هوية مجتمع فإنه لا يذهب أولا إلى مبانيه الكلامية، بل يذهب أولا إلى طقوسه وشعائره، ومن خلال تلك الطقوس والشعائر يستطيع أن يكتشف المباني الكلامية.... هذا بلغة المنطق – إن صح التعبير – نسميه ﺒ " طريق الإنّي ".
من هنا تتجلى لنا أهمية الشعائر، فلا يوجد شيء أهم من الشعائر لأن حياة الأديان وحياة الشرائع وحياة الأفكار كلها مرهونة بتلك الشعائر.
من هنا علينا أن نحذر: يجب علينا أن نحافظ على الشعائر الحسينية محافظتنا على الدين..... علينا أن نعض عليها بالنواجد..... علينا أن نحافظ عليها من عدم الاندثار والتلاشي، وكذلك نحافظ عليها من عدم الانحراف عن مسلكها القويم وعدم خروجها عن الصراط المستقيم.
الشعائر ليست هدفا في ذاتها، إنما هي وسيلة لإبقاء تلك الأيام الإلهية حية في وجدان الناس..... حية في ضمائر الناس..... حية في عواطف الناس.....
لكن مما يُؤسف له، بدأ البعض يجعل من الشعائر غاية في نفسها..... إذا لم تحرك هذه الشعائر فينا الجانب الإصلاحي – ونحن رأينا في الليلة الماضية أن برنامج الإمام الحسين عليه السلام مبني أساسا على الإصلاح – نضرب بها عرض الحائط ولا نبالي لأنها على يقين ليست من المبادئ الحسينية. على هذا الأساس إذا وجدنا أن هذه الشعائر:
- تُحيِي فينا البرنامج الحسيني فنحن على يقين أننا على الطريق الصحيح؛
- تُقام هذا اليوم، وغدا نرجع إلى وضعنا التعيس، وتبقى سلوكنا وأخلاقنا بعيدة عن النهج المحمدي الحسيني، فهذه الشعائر ليست لها قيمة.
أتى شخص إلى الإمام جعفر الصادق عليه السلام وقال له: " يا ابن بنت رسول الله من أين نعلم أن صلاتنا قُبلت أم لم تُقبل؟ "، الجواب كان بسيطا، قال له الإمام عليه السلام فيما معناه أنظر إليها، بقدر ما تنهاك عن الفحشاء والمنكر فهي تُقبل، لو نهتك عشرة بالمائة قُبِلت منها عشرة بالمائة لو نهتك ثلاثون، أربعون أو ستون بالمائة.... يعني بالقدر الذي تنهاك عن الفحشاء والمنكر بالقدر ما تُقبل منك.
على منوال الجواب نقول: إذا كانت هذه الشعائر تُصلح من حال الأمة – كما أراد الإمام الحسين عليه السلام في برنامجه – فهي شعائر مقبولة، وإلا فلا أثر عملي لها.
بعد أن تعرفنا على مفهوم الشعائر وأن الشعائر الحسينية وجب الحفاظ عليها، السؤال الذي يفرض نفسه: ما هي الخصائص والمواصفات التي يجب أن تتوفر في الشعائر لتكون حسينية أصيلة؟
سؤال مفصلي، جوهري، مهم. سوف لن أطيل، سأكتفي بذكر ثلاث خصائص رئيسية:
- أن تكون الشعائر الحسينية منسجمة مع الأهداف الحسينية:
من أهداف الإمام الحسين عليه السلام أن تجتمع الأمة (" وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أُمّة جدّي صلى الله عليه وآله ")، نضرب مثالا: إذا ترتب عن هذه الشعائر تفريق الأمة، هل هذا يصب في مشروع الإمام الحسين عليه السلام؟..... هذا يحطم المشروع الحسيني.
لماذا نقول هذا الكلام، لأنه يحاول البعض من خلال الفضائيات، الإعلام، والمنبر ووسائل التواصل الاجتماعي توظيف الشعائر الحسينية لإيجاد الفرقة المذهبية ولخلق جو مشحون من الاحتراب الطائفي..... لخلق جو من التطاحن داخل حتى المدرسة نفسها. نقول: حذار..... حذار..... حذار..... هذا ليس من أهداف الحركة الإصلاحية للإمام الحسين عليه السلام التي من أهم أهدافها أن تجمع الأمة، فما بالك من أن تجمع الناس في مدرسة واحدة؛
- أن لا تخالف الشعائر الحسينية المنظومة المعرفية التي من أجلها قام الإمام الحسين عليه السلام:
هو سلام الله تعالى عليه يقول: " وأسير بسيرة جدّي وأبي علي بن أبي طالب "، هل الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وأمير المؤمنين عليه السلام كانا يريدان شيئا غير الإسلام الأصيل؟....
إذن، لابد أن تكون الشعائر لحسينية منسجمة مع منظومة المعارف الدينية ..... لا يجب أن تخرج عن إطار منظومة المعارف الدينية..... لابد لكل منا أن يعود إلى هذه المنظومة ويراجع أصولها وقواعدها حتى لا نكون ممن يتبنون شيئا لا يعرفونه.
- أن تكون الشعائر الحسينية منسجمة مع الظروف الثقافية والفكرية التي نعيش فيها:
هذا مهم جدا، الشعائر والطقوس التي نمارسها لإحياء ذكرى استشهاد أبي عبد الله الحسين عليه السلام يجب أن تكون منسجمة مع الظروف الثقافية والفكرية التي نعيش فيها.
أعزائي، شاء الله تعالى أن يكون موضوع الإمام الحسين عليه السلام وثقافة عاشوراء هي الواجهة الأمامية للتشيع، فكل من يريد التعرف على مدرسة أهل البيت عليهم السلام جوهرا، وقيما، وفكرا، وسلوكا..... من المدارس والديانات الأخرى أن لا يدرس كتب ومراجع علماء الطائفة بل يصوِّب أنظاره ويحصر اهتمامه إلى ما يقع أثناء إحياء الشعائر الحسينية..... الشعائر الحسينية هي الواجهة الأمامية للمدرسة.
إذا أصبحت الشعائر – هذه الواجهة الأمامية - سببا لاستصغارها، والاستهزاء بها واتهام من يقوم بها بالأسطورة والخرافة والتخلف وغير ذلك.... كل ذلك يُبعِد عن أهداف الإمام الحسين عليه السلام. هنا، في نظري، يدخل دور المؤسسة الدينية حتى لا يجب ترك الشعائر الحسينية – وخاصة المواكب - لمن لا تتوفر فيه الأهلية لذلك، سواء في الحسينيات أو على المنابر أو في المواكب.
قد يقول قائل لماذا التركيز على المؤسسة الدينية؟
الجواب: لأن هذه الشعائر تُقام باسم الدين. لو أن شخص يقوم بالشعيرة ويقول هذا اعتقادي الشخصي، ولا ينسبه إلى الدين، ليس لنا مشكلة معه. لكن يقول إن الدين يريد هذا، على المؤسسة الدينية أن تدخل على الخط لتحدد هل أن الدين يريد هذا أو لا يريد.... هل يقبل الدين هذا أو لا يقبل. لكن لأننا تركنا الشعائر لغير المختصين في المؤسسة الدينية أصبح لدينا توالد ذاتي في الشعائر؛ سنويا أصبحنا نسمع بشعائر جديدة من نباح وتطبير وتطيين ومشي على النار وغيرها....
البعض من أهل السنة يقولون إن هذه الشعائر موجهة ضدهم لأن الشيعة الذين يحيون هذه الشعائر يريدون أن يتهموا أهل السنة بتورطهم في دم الإمام الحسين عليه السلام، وبالتالي هم يعتقدون أن هذا الإحياء موجه ضدهم بالدرجة الأولى.
" لا نغطي عين الشمس بالغربال " كما يقال في أمثلتنا الشعبية..... فعليا وعمليا لعل أصبح جزء كبير من هذه الشعائر، في وقتنا الراهن، تؤدي إلى تغذية نار الاقتسام المذهبي والاحتراب الطائفي.
" يا لثارات الحسين ": هل نريد أن ننتقم من أهل السنة؟..... إن الذين قتلوا الإمام الحسين عليه السلام وأصحابه لا يمتون إلى التسنن ولا إلى التدين، بل لا يمتون حتى إلى الإنسانية من قريب ولا من بعيد.
أعزائي، لو وجدنا أي شعار..... أي شعيرة..... أي عنوان..... أي قناة..... أي مجلس..... أي موقع على وسائل التواصل الاجتماعي..... يريد أن يوظف القضية الحسينية لإيجاد التفرقة اطمئنوا..... اطمئنوا.....وخذوها مسلمة من عندي..... هو على خلاف المشروع الحسيني..... ليس بشعيرة لأن من شروط الشعيرة أن لا تكون متعارضة مع الأهداف الحسينية، كما رأينا.
نعم، هناك أيادي – إما عن علم أو عن جهل – تريد توظيف بعض الشعائر الحسينية للاحتراب المذهبي، والتفرقة الطائفية، علينا أن لا ننساق وراءها شعوريا أو لا شعوريا.
نختم بمفهوم مهم: الشهيد عند الله حي يُرزق " ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا. بل أحياء عند ربهم يرزقون. فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون " (آل عمران : 169 – 170) وعند الناس كذلك.
متى يموت الشهيد عند الناس؟
يموت الشهيد عندما نتنكب ونبتعد عن المبادئ وعن القيم التي من أجلها استشهد.
قتل الأعداء الإمام الحسين عليه السلام مرة واحدة، كان ذلك عصر يوم العاشر من محرم سنة 61 للهجرة، ولعل سواد كثير ممن يحبون الأمام الحسين عليه السلام يقتلونه كل ساعة مرات ومرات حينما يبتعدون عن المبادئ والقيم التي من أجلها استشهد...... علينا أن ننتبه أيها الأعزاء.
سنحاول – إن شاء الله تعالى - في اللقاءات القادمة أن نضع كل شعيرة تحت هذه الموازين لكي نحكم لها أو عليها.
اللهم صل على محمد وآل محمد. اللهمّ أرزقنا شفاعة الحسين يوم الورود، وثبت لنا قدم صدق مع الحسين وأصحاب الحسين الذين بذلوا مهجهم دون الحسين عليه السلام. اللهم كما صدقوا اجعلنا من الصادقين، وكما أخلصوا اجعلنا من المخلصين، وكما جاهدوا اجعلنا من المجاهدين. السلام عليك يا سيدي ومولاي يا أبا عبد الله وعلى الأرواح التي حلت بفنائك، عليك مني سلام الله أبدا ما بقيت وبقي الليل والنهار ولا جعله الله آخر العهد مني لزيارتكم. السلام على الحسين، وعلى علي بن الحسين، وعلى أولاد الحسين وعلى أصحاب الحسين. السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.