الملحمة الحسينيّة تحت المجهر
اختزال الملحمة الحسينية في الجانب العاطفي المأساوي
الدكتور محمد الصادق بوعلاق
أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمان الرحيم، الحمد لله رب العالمين. " الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله لقد جاءت رسل ربنا بالحق " (الأعراف : 43) وأصلى وأسلم على سيد الأنبياء والمرسلين وقائد الغر المحجلين المبعوث رحمة للعالمين، وقدوة للسالكين، ونبراسا للصادقين، سيدنا ومولانا، وطبيب قلوبنا، ونور أبصار عيوننا، وشفيع ذنوبنا أبي القاسم محمد، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد.
السلام عليك يا سيدي ومولاي يا رسول الله، السلام عليك يا حبيب الله، السلام عليك يا نجيّ الله، السلام عليك يا نور الله، السلام عليك وعلى سبطك أبي عبد الله الحسين. السلام على ابن محمد المصطفى، السلام على ابن علي المرتضى، السلام على ابن فاطمة الزهراء، السلام على ابن خديجة الكبرى، السلام على أخ الحسن المجتبى، السلام عليك يا ابن مكة ومنى، السلام على ابن زمزم والصفاء، السلام على خامس أصحاب الكساء، السلام على سيد الشهداء، السلام على أسير الأعداء، السلام على صريع كربلاء، السلام على المرمل بالدماء، السلام على المذبوح من القفى إلى القفى، السلام على مسلوب العمامة والرداء، السلام على من بات على الرمضاء ثلاثا حتى تصلي عليه ملائكة السماء؛ سيدي يا أبا عبد الله عليك مني سلام الله أبدا ما بقيت وبقي الليل والنهار ولا جعله الله آخر العهد مني لزيارتكم. السلام على الحسين، وعلى علي بن الحسين، وعلى أولاد الحسين وعلى أصحاب الحسين. السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته إخوتي وأخواتي.
مازلنا في إحياء ذكرى استشهاد أبي عبد الله الحسين عليه السلام، وما زلنا في سلسلة " الشعائر الحسينية تحت المجهر ".
كان مدار الكلام – في اللقاء الفارط - حول البكاء على مصيبة سيد الشهداء عليه السلام، وعلى رزية آل بيته وأصحابه. أشرنا إلى أن البكاء على تلك المصيبة من أهم الشعائر والطقوس، وأن هذا البكاء والتباكي يورث مغفرة الذنوب والقربى إلى الله سبحانه وتعالى، لكن يجب أن يكون بشرطه وشروطه.
من أهم ثمرات اللقاء الفارط أن سر الجزاء على تلك الدمعة ليس الدمعة في حد ذاتها بل الإيمان الذي بفضله صدرت تلك الدمعة، القيمة العظمى هي في ذلك الإيمان المبطون في ذلك العمل. فالدمعة، حتى وإن أخذت حجم جناح ذبابة، إن صدرت عن قلب ملأه حبّ للإمام الحسين عليه السلام، وللرسول الأكرم صلى الله عليه وآله، ولأهل بيته عليهم السلام، ليس لهذا الحب عند الله تعالى ما يعادله من الأجر الجزيل..... إن أجره لعظيم لا يحده حد ولا يقدر على عده أحد.
رأينا كذلك أن من أهم شروط الجزاء العظيم على الدمعة الحسينية هي معرفة الإمام الحسين عليه السلام: يتمثل ذلك في بعض الأحاديث ﺒ" عارفا بحقه "؛ لعل هذا الشرط يدفعنا إلى الاقتراب أكثر من الإمام سلام الله تعالى عليه.
هذه الدمعة هي ما نسميها: الدمعة الواعية..... هذه الدمعة الواعية هي التي يجب أن تساهم في تثبيت نهضة كربلاء وجعلها حية نابضة في قلوب الناس..... هذه الدمعة الواعية هي التي يجب أن تساهم في بناء الشخصية المسلمة المخلصة الموالية والفاعلة..... هذه الدمعة الواعية هي التي وظفها الإمام السجاد عليه السلام لإيقاظ الناس، ولبناء الشخصية الرسالية، ولمواصلة المشروع الإصلاحي الذي كانت أرض كربلاء من أهم محطاته وليست محطته الأخيرة.
نحاول في لقاء هذه الليلة أن نجيب عن سؤالين مهمين:
- في النهضة الحسينية، هل الأصالة للجانب " الثوري – السياسي " أم للجانب " العاطفي – المأساوي " ؟ ()
- لكي تكون القضية الحسينية مقدمة لتهيأة الأرضية لظهور الإمام المهدي، عجل الله فرجه، هل يكفي البعد العاطفي - المأساوي فقط للملحمة الحسينية، أم لا بد أن تكون معه جميع الأبعاد الأخرى؟
كمقدمة للولوج إلى الموضوع، نثير ملاحظة:
يسعى قراء العزاء الحسيني على المنبر إلى تقديم الإمام الحسين عليه السلام في صورة الرجل الضعيف، المسكين، المثكول في أهله، الباكي على فقدان ولده وأخيه، وأهله وأصحابه.
كان الإمام الحسين عليه السلام يقود حرب مواجهة مع النظام الأموي المستبد، الظالم والمتمترس خلف ترسانة حربية رهيبة بمساعدة الإمبراطورية الرومانية (ومن هذا المنبر ندعو محققي التاريخ للتحقيق في العلاقة الوطيدة التي كانت تجمع بني أمية بالإمبراطورية الرومانية). كان الإمام الحسين عليه السلام يعلم كل ذلك لكنه أقدم على إدارة حرب تجهز لها، وأعد لها كل ما عنده من إمكانات. في كربلاء، لم يكن سلام الله تعالى عليه مسكينا يثير الشفقة – علينا أن نزيل من أذهاننا هذه الفكرة البالية - بل كان رجل عسكر..... رجل حرب..... رجل إدارة..... رجل تخطيط استراتيجي..... كان بطل الهوجاء..... أوصلنا التحقيق الموضوعي والتدقيق في أمهات المصادر أنه أدار معركته بكفاءة عالية – تدرّس في الكليات الحربية (لعله تتاح لنا فرصة في مناسبة لاحقة لأفصل لإخوتي ولأخواتي ما توصلنا إليه من رؤية جديدة لكيفية إدارة الإمام الحسين عليه السلام لمعركة الطف) – كما تخبرنا رواية الإمام الباقر عليه السلام أن النصر رفرف على الإمام حتى الظهر حيث روي عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال: " سمعت أبي عليه السلام يقول: لما التقى الحسين عليه السلام وعمرو بن سعد لعنه الله وقامت الحرب على ساق، أنزل الله تعالى النصر حتى رفرف على رأس الحسين عليه السلام ثم خير بين النصر على أعدائه وبين لقاء الله فاختار لقاء الله " ().
لماذا نجترّ ونعيد اجترار ما نجده عند الطبري وابن كثير وغيرهم من المؤرخين ونترك روايات موثوقة معتبرة لأئمة أهل البيت عليهم السلام. عودوا – أعزائي – إلى رواية الإمام الباقر عليه السلام إلى عمار الدهني وقارنوها بما نقرأ ونسمع.
تنقل مصادر التاريخ أنه كلما حمي وطيس المعركة كلما ازداد وجهه الإمام إشراقا.
لما استشهد علي الأكبر، عليه السلام، كان وجه الإمام الحسين يشرق نورا، لا ينبغي أن يصاب عليه السلام بالجزع الشديد وبالانهيار التام إلى درجة أنه لم يقدر على حمل ابنه فيطلب من بني هاشم أن يحملوه إلى خيمة الشهداء..... لا يمكن أن نساهم في إظهار الإمام الحسين عليه السلام بتلك الصورة المبكية، المثيرة للشفقة والباعثة على الانهيار، كما يصورها لنا قراء العزاء الحسيني..... نحن لا نستطيع أن نقبل تلك الصورة المخجلة لأب الأحرار وسيد الشهداء..... لا نستطيع أن نقبل تلك الصورة المثيرة للشفقة والمسكنة لإمام باع نفسه لله سبحانه وتعالى، وأثرت في حقه مقولة: " إلهي تركت الخلق ترا في هواك، وأيتمت العيال لكي أراك، فلو قطعتني بالحب إربا لما مال الفؤاد إلى سواك ".
ورد في المقتل الحسيني: " قال هلال بن نافع كنت واقفا نحو الحسين وهو يجود بنفسه، فوالله ما رأيت قتيلا قط مضمخا بدمه أحسن منه وجها ولا أنور، ولقد شغلني نور وجهه عن الفكرة في قتله " ()
هذا مشهد لا نسمعه كثيرا على المنابر، بل ربما نسمعه أحيانا دون تركيز فنمر عليه مر الكرام؛ لكن كثيرا ما نسمع عن الإمام الباكي على ابنه..... الإمام الذي لا يقدر على حمل ابن أخيه فتخط رجلا الأخير في التراب.
أعزائي، كربلاء ليست مسرحا بكائيا، وأرض الطف ليست مأساة..... كربلاء نور يستوطن قلوب الأحرار، وأرض الطف أيقونة كل لثائرين وقبلة كل الصادقين..... لم يستشهد الإمام الحسين عليه السلام لكي نصوره ضعيفا، مسكينا، مستكينا، مستضعفا ومثيرا للشفقة حتى نبكي ونتباكى عليه. لم يُقتل الإمام الحسين عليه السلام تلك القتلة الشنيعة، ولم يضحِّي بنفسه وبأهل بيته وبأصحابه من أجل أن تقيم الأمّة عليه الحداد والحزن فقط، بل قدّم نفسه، وروحه، وأنفس ما لديه – بل كل ما لديه - لتبقى الأمّة حيّة..... عزيزة..... كريمة..... شامخة بمبادئها الأصيلة وبنهجها القويم.....
النهضة الحسينية قضيتان ... قضية ثورة عادلة، وقضية مأساة رهيبة.....
لو دققنا جيّدا في أحداث الملحمة لوجدناها مزيجا من عنصري: الثورة والمأساة..... أو عنصري: العـِبرة (بكسر العين) والعـَبرة (بنصب العين)، لأنّ كلاهما عمود أساسي ترتكز عليه الملحمة.....أو لأنهما مع بعضهما جناحان تحلّق بهما النهضة الحسينية نحو أهدافها الإلهية المرسومة. على هذا الأساس يجب أن يكون للملحمة الحسينية طابعان أساسيان: طابع " ثوري – سياسي " تكون فيه الكلمة للعِبرة واستخلاص الدروس وتطبيقها على أرض الواقع، وآخر " عاطفي – مأساوي " يكون فيه المجال للعَبرة والدمعة.
يجب أن يؤدّي الجانب " الثوري – السياسي " إلى نبذ الخوف، وكراهية الذلّ، والوقوف بوجه الظالمين، وطلب الإصلاح، والطوق إلى الحرية والكرامة، والمقاومة، والعزة، والشهادة، واستثمار دروس عاشوراء لحلّ مشاكل العصر ورفع تحديات الواقع..... أمّا الجانب " العاطفي – المأساوي " فيجب أن يقود إلى الحزن، والغصّة، والدموع، وتجرّع مرارة المأساة، والبكاء على ما حصل، والتحسّر على أن لم نكن مع المضحّين المجاهدين...... جانب العاطفة مهمّ في تثبيت الجانب الأول، فلولا مجالس العزاء، والمواكب، وحرص الموالين على إقامتها بحماسة كبيرة – عبر التاريخ – لما وصل إلينا شيء من الجانب الآخر للملحمة.
السؤال المفصلي الذي يـُطرح في هذا الموضع:
هل الأصالة للجانب " الثوري – السياسي " أم للجانب " العاطفي – المأساوي " ؟ ().....
لا شكّ – برأيي – أن الأصالة عائدة إلى الجانب " الثوري – السياسي " وليس إلى الجانب " العاطفي – المأساوي "، فما العاطفة والمأساة إلا واحدة من لوازم المواقف الثورية السياسية، لكن الأساس والأصل والغاية الأهمّ تنبع من تأصيل الجانب " الثوري – السياسي " لتلك الحركة الإلهية. إنّها الحركة التي بدأها الحسينيون بالوقوف في وجه الظالمين وختمها اليزيديون بالفجيعة والمأساة، وعنصر المأساة والمحنة جاء معلولاً لخطيئة الأعداء (). ثم إنّها مآسٍ ومحنٍ بمنظارنا السطحي وتفكيرنا الضيّق وإلاّ فهي عند بطلة كربلاء الشيء الجميل الذي ليس فوقه جمال، ألم تجب العقيلة زينب عليها السلام عندما سُئلت عن رأيها في صنيع الله سبحانه وتعالى في القوم بقولها: " ما رأيت إلاّ جميلا " ().
وقع تطاول على الملحمة العاشورائيّة في مدرسة أهل البيت عليهم السلام، وكان منطلق هذا التطاول حسب رأيي:
- أولا عندما استـُبدلت عاشوراء الثورة والأحزان معًا بعاشوراء الأحزان فقط،
- ثانيا عندما دخلت الأساطير العجيبة، والخرافات الغريبة، والنظريات الدخيلة في تقاليد ذكرى إحياء المصيبة.
تمثـّل التطاول الأوّل في اختزال الملحمة الحسينية – بأهدافها الإلهية وحركتها الربانية – في مجالس لإقامة العزاء، وتهييج الأحزان، واستدرار الدموع فقط. بينما تجسـّد التطاول الثاني في نفوذ الخرافة، والأسطورة، والأحاديث الواهية، والروايات الضعيفة، والنظريات الدخيلة إلى مضمون المجالس خدمة للأهداف الغريبة المصطنعة، وهذا ليس بالتطاول البسيط (لنا وقفات في لقاءات أخرى – إن شاء الله – مع التطاول الثاني).
حملت الملحمة العاشورائيّة، في مدرسة أهل البيت عليهم السلام وعلى امتداد تاريخها الطويل، ظلامتين كبيرتين، ومصابين جللين وخللين جسيمين، أحدهما أبـْلغ وأخطر من الآخر: ففي عصر العاشر من محرّم ظُلِم الإمام الحسين عليه السلام بأن قُتل مظلوما، عطشانا، وفُعِل به وبأهل بيته وأنصاره ما فُعِل، وفي عاشوراءات لاحقة – وعلى مرّ قرون عديدة - ظـُلـِم فكر عاشوراء الحسين عليه السلام بأن أُفرِغ من محتواه، وحِيل بينه وبين تثبيت أهدافه وغرسها في أرض الواقع. ربما يكون في هذا الكلام غرابة على من لم يطـّلع على الفلسفة الحقيقية لعاشوراء، أو اطـّلع عليها ولم يدقّق في أبعادها وأهدافها، أو دقّق في ذلك لكنه رأى أن تلك الأبعاد والأهداف الثورية تتناقض واستعداداته أو تتعارض مع تطلّعاته.
يمثّل تغييب الجانب الثوري في فلسفة عاشوراء والاقتصار على الجانب العاطفي المأساوي جريمة نكراء في حقّ الملحمة الحسينية والمبادئ والأهداف التي من أجلها قامت.
لقد أسَرَ الاقتصار على الرؤية العاطفية دون غيرها الملحمة العاشورائيّة داخل حدود البكاء والعويل، وسجنها داخل أسوار اللـّطم وجميع مظاهر الحزن، كما اختزلت شخصية الإمام الحسين عليه السلام في المعاناة، والفجيعة، والرزية؛ يشهد على ذلك ما وصلنا من عناوين لكتب ومقاتل ومصنّفات صُنّفت في الملحمة الحسينية منذ القرن العاشر هجري حيث نقرأ مثلا العناوين التالية:
طريق البكاء – طوفان البكاء – عمان البكاء – محيط البكاء – أمواج البكاء – رياض البكاء – مفتاح البكاء – منبع البكاء – مخزن البكاء – معدن البكاء – مناهل البكاء – مجرى البكاء – سحاب البكاء – عين البكاء – كنز الباكين – بكاء العين – مبكي العيون – مبكي العينين – المبكيات – بحر البكاء في مصائب المعصومين – بحر الحزن – بحر الدموع – بحار الدموع – فيض الدموع – عين الدموع - سحاب الدموع – ينبوع الدموع – منبع الدموع – دمع العين – مدامع العين – مخازن الأحزان – بيت الأحزان – رياض الأحزان – قبسات الأحزان – كنز المصائب – مجمع المصائب – وجيزة المصائب – إكليل المصائب – ابتلاء الأولياء .... وغيرها من العناوين الأخرى.
أصبحنا لا نجني من وراء إقامة مجالس العزاء الحسيني إحياء مبادئ الإمام الحسين عليه السلام، ولا تجذير مفاهيم نهضته، بل أضحى المراد والهدف من تلك المجالس البكاء، والعويل، واللّطم، والنحيب؛ بمعنى أصبح البكاء هو الموضوع، والعويل هي القضية، والنحيب هو الهدف. بهذه الانحرافات في التصوّر والاخلالات في السلوك أستـُبدِل الهدف بالوسيلة، فاحتلت النتيجة مكان المقدّمات.
شهدت القرون الماضية نادبين على الإمام الحسين عليه السلام أكثر من ثائرين معه، وتفوّق شعراء الرثاء على شعراء الثورة، وانتصر خطباء العزاء على المفكرين والباحثين، وفاز المتفنّنون في ابتكارات تهييج العواطف وإثارة الأحزان على المستنبطين لحلول في الاقتصاد والاجتماع والسياسة من روح نهضة عاشوراء؛ ربّما لأنّ تأبين الإمام الحسين عليه السلام والبكاء عليه أسهل بكثير من الاقتداء به في الثورة على الظلم، ورفض القهر والاستبداد..... ربّما لأنّ الجلوس في مجالس العزاء والبكاء على الرزايا والمصائب أيسر بكثير من الوقوف بوجه الظالمين ومواجهتهم؛ فمطالب مجالس العزاء دموع، ومطالب ملاحم الميادين دماء..... والفرق شاسع بين الدماء والدموع. نورد هذه المقولة بالرغم ممّا نشهده منذ السنوات الأخيرة من عودة مشرّفة من قِبَل المنتسبين لمدرسة أهل البيت عليهم السلام لإعادة إحياء المبادئ الأساسية للملحمة الحسينية؛ عودة تولّى تأطيرها ثلّة من العلماء الأعلام، إلاّ أنّ الطريق مازال طويل لاستكمال الواجب المطلوب.
من الانحرافات الخطيرة في مدرسة أهل البيت عليهم السلام هي ضبابية الرؤية، والابتعاد عن الأهداف والتنكـّب عن المبادئ الأساسية؛ تتجلّى هذه الضبابية، وهذا الابتعاد، وهذا التنكب في جميع المحطات السنوية التي يقع فيها إحياء أمر أهل البيت عليهم السلام أفراحا كانت وأتراحا، دعونا نكن صريحين:
- في مجالس الليالي الفاطمية لا يقع التركيز إلاّ على مسألة مظلومية السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام، ومسألة الحائط، والباب، والمسمار، وكسر الضلع، وإسقاط الجنين..... بينما لسيّدة نساء العالمين عليها السلام مقامات إلهية سامية، وفضائل تكوينية نفيسة، وشمائل معنوية رفيعة، ودرجات وجودية عالية..... من الأجدر الالتفات إليها والتركيز عليها – مع ذكر المظلومية والمصائب – لأنَها ركيزة أساسية في بناء الشخصية الإسلامية؛
- في أيام الغدير الأغرّ، وفي ذكرى ميلاد واستشهاد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام لا يقع التركيز كذلك إلاّ على مظلومية الإمام عليه السلام وعلى الجانب السياسي الاعتباري للإمامة، وأحقِيّة أمير المؤمنين عليه السلام بالخلافة من الأول والثاني والثالث..... بينما في التطرّق لكمالات سيّد الموحدين عليه السلام، ومقاماته العظيمة، وعلومه الشريفة، وسيرته الفذّة، ومآثره النفيسة ما فيه بناء متين للفرد وللمجتمع وللإنسانية جمعاء؛
- في ليالي محرّم الحرام، ومن على المنابر الحسينية الشريفة، لا نسمع إلا تركيزا على مظلومية الإمام الحسين عليه السلام وفجيعته، والطريقة الوحشية لاستشهاده، واستشهاد آله وأنصاره، فنقيم ليالٍ للاستعبار والبكاء وننسى أهداف النهضة الحسينية ومبادئ الملحمة الربانية فنكون بذلك أبعد ما يكون عن استثمار تلك المبادئ والأهداف لحلّ مشاكل العصر ورفع تحديات الزمان.
- قس على ذلك كلّ المناسبات الجليلة أفراحا كانت أو أتراحا، مواليد أو استشهادات..... مناسبات مهمّة جدا تُمثِل فرصا ذهبية للمنتسبين لمدرسة أهل البيت عليهم السلام خصوصا، ولجميع المسلمين عموما، للبناء الذاتي على مستوى الفرد والجماعة، وللتشبّع بالمبادئ الإسلامية الأصيلة وتركيزها في النفوس.
علينا أن نَعـِي جيدا أنّ إغفال الجوانب الأخرى لسيرة هؤلاء الأطهار عليهم السلام جريمة كبيرة ومظلمة جديدة تُضاف إلى مجموع المظالم المُسلّطة عليهم. من هذا المنطلق نحن مطالبون بالتخلِّي عن السطحية في طرح هذه المسائل وبالغوص في الأعماق للوصول إلى مقاماتهم عليهم السلام. إذا جمدنا على الطريقة الحالية في طرح المسائل، واختزلنا الحديث عن تلك الشخصيات العظيمة في مصائبهم ومظلومياتهم فقط، ولم نحاول أن نفهم ما وراء تلك الشخصيات ،وما الثمار الممكن جنيه من سيرتهم، وما قيمة المبادئ والقيم التي دعوا إليها نكون – فعلا – قد أضعنا على أنفسنا فرصا للاستفادة والإفادة، ومحطات للاستنارة والإنارة.
ليس ما نطرحه دعوة للتخلّي على البكاء ونسيان مصائب أهل البيت عليهم السلام (نعوذ بالله من ذلك)، بل هي دعوة لإكمال هذا الجانب المهمّ بالتطرّق للأهداف والمبادئ التي نادى بها هؤلاء الأطهار عليهم السلام.
لا ننادي بحذف البعد المرتبط بالمأساة..... البعد العاطفي والقلبي..... لكن لابد لذلك البعد أن يأخذ موقعه ضمن أبعاد أخرى لابد هي أيضا من إحيائها.
السؤال الثاني في هذا اللقاء المبارك: لكي تكون القضية الحسينية مقدمة لتهيئة الأرضية لظهور الإمام المهدي عجل الله فرجه، هل يكفي البعد المأساوي فقط، أم لابد أن تكون معه جميع الأبعاد الأخرى؟
نعيد طرح السؤال بصيغة أخرى: إذا لم تُحيَى القضية الحسينية بجميع أبعادها، هل تتهيأ الأرضية للظهور المقدس أم لا؟
كنت قد تطرقت في كتابي " الحضارة الإسلامية – من سقوط صرحها إلى أفول نجمها "() (الكتاب صادر منذ سنة 2005) إلى شروط بناء الحضارة، وكنت قد خلصت إلى أن حضارة أية أمة لا تبنى من فراغ، بل تتطلب عملية البناء شروطا أساسية وعناصر رئيسية، هذه العناصر هي:
- العقيدة الدينية؛
- القيادة؛
- الإنسان
لو طبقنا تلك الشروط على حالة ظهور الحجة عجل الله فرجه، يمكننا القول أنه لا يكون الظهور المقدس إلا بتوفر أركان ثلاثة:
- العقيدة الدينية: وهي الإسلام المحمدي الأصيل لذي يوجد عنده سلام الله عليه كما لم يوجد عن أحد في عصره؛
- القيادة الإلهية: وهي متشخصة ومتجسدة فيه عليه السلام؛
- الإنسان: وتتجسد في الأمة التي تتحمل وتحمل هذا المشروع الإلهي.
بالنسبة للركن الثالث، من المهم الرجوع إلى أنوار سورة الحديد المباركة وتحديدا إلى الآية 25 منها حيث يقول الحق تعالى: " لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط. وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب. إن الله قوي عزيز " (الحديد : 25)
ركزوا جيدا أعزائي، هل تقول الآية الشريفة ليقيم الرسل القسط بين الناس، أم ليقوم الناس بالقسط؟
علينا أن ننتبه أيها الأعزاء: من أسرار هذه الآية المباركة أنه لابد أن تصل البشرية إلى مستوى هي التي تقيم فيه القسط فيما بينها...... لابد أن تصل البشرية إلى مستوى رفيع من النضج والإيمان تكون فيه قادرة على تحمّل قسط وعدل الحجة عليه السلام..... إذن لابد أن تتوفر شروط في الأمة لتتحمّل قسط الإمام عليه السلام، وليقوم الناس بالقسط وليس ليقيم هو القسط بينهم.
السؤال الذي يفرض نفسه: كيف تتهيأ الأمة والبشرية لتتحمّل إقامة القسط المهدوي؟
جوابنا: من خلال القضية الحسينية.
لأننا نعتقد أنها قضية مقدسة ومحور حركة التاريخ وثمرة جهود جميع الأنبياء والأوصياء والأولياء.
ولكن أي بعد في القضية الحسينية؟
جوابنا: ليس البعد " العاطفي – المأساوي " فقط، بل جميع أبعادها.
هناك إذن علاقة وطيدة بين القضية الحسينية وبين الظهور المقدس للإمام المهدي عجل الله فرجه وبين جهوزية الناس وأبعاد القضية الحسينية.
لا أجانب الصواب حين أقول إن الذين يحصرون قضية الإمام الحسين عليه السلام في جانبها " العاطفي – المأساوي " فقط، ويغيبون – عن قصد أو عن غير قصد – الجوانب والأبعاد المشرقة الأخرى من القضية، أولئك يكونون سببا في تأخير الظهور المقدس للحجة عليه السلام.....
علينا أن ننتبه - أعزائي – لهذا الإشكال المعطل وهو " اختزال الملحمة الحسينية في الجانب العاطفي المأساوي "، وعلينا أن نعمل على إخراج الشعائر الحسينية من ضيق التصوّر وموروث السلوك إلى سعة الخلق وسلامة البناء، ولن يكون ذلك إلا بإرجاع الأبعاد المغيبة في أحيائنا لذكرى استشهاد سيد الشهداء سلام الله تعالى عليه.
السلام عليك يا سيدي ومولاي يا أبا عبد الله وعلى الأرواح التي حلت بفنائك، عليك مني سلام الله أبدا ما بقيت وبقي الليل والنهار ولا جعله الله آخر العهد مني لزيارتكم. السلام على الحسين، وعلى علي بن الحسين، وعلى أولاد الحسين وعلى أصحاب الحسين. السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.