الملحمة الحسينيّة تحت المجهر
التسامح في أدلة السنن
الدكتور محمد الصادق بوعلاق
أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمان الرحيم، الحمد لله رب العالمين. " الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا. قيما لينذر بأسا شديدا من لدنه ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا حسنا. ماكثين فيه أبدا. وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا. ما لهم به من علم ولا لآبائهم. كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا " (الكهف : 1 - 5) وأصلى وأسلم على سيد الأنبياء والمرسلين وقائد الغر المحجلين المبعوث رحمة للعالمين، وقدوة للسالكين، ونبراسا للصادقين، سيدنا ومولانا، وطبيب قلوبنا، ونور أبصار عيوننا، وشفيع ذنوبنا أبي القاسم محمد، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد.
السلام عليك يا سيدي ومولاي يا رسول الله، السلام عليك يا حبيب الله، السلام عليك يا نجيّ الله، السلام عليك يا صفيّ الله، السلام عليك وعلى سبطك أبي عبد الله الحسين. السلام على ابن خاتم الأنبياء، السلام على ابن سيد الأوصياء، السلام على ابن فاطمة الزهراء، السلام على ابن خديجة الكبرى، السلام على ابن سدرة المنتهى، السلام على ابن جنة المأوى، السلام على ابن زمزم والصفاء، السلام على المرمل بالدماء، السلام على المهتوك الخباء، السلام على خامس أصحاب الكساء، السلام على غريب الغرباء، السلام على شهيد الشهداء، السلام على قتيل الأدعياء، السلام على ساكن كربلاء، السلام على من بكته ملائكة السماء، السلام على من ذريته الأزكياء، سيدي يا أبا عبد الله عليك مني سلام الله أبدا ما بقيت وبقي الليل والنهار ولا جعله الله آخر العهد مني لزيارتكم. السلام على الحسين، وعلى علي بن الحسين، وعلى أولاد الحسين وعلى أصحاب الحسين. السلام عليكم إخوتي وأخواتي ورحمة الله تعالى وبركاته.
مازلنا تحت خيمة أبي عبد الله الحسين عليه السلام في إحياء ذكرى استشهاده، وما زلنا في سلسلة " الشعائر الحسينية تحت المجهر ".
وقفتنا هذه الليلة المباركة مع قاعدة فقهية وقع إقحامها عنوة في الشعائر الحسينية فأصبحت مدخلا كبيرا لانحرافات وتجاوزات عديدة، أقصد بذلك قاعدة " التسامح في أدلـّة السنن ".
إذن، نحاول هذه الليلة أن نقف وقفة مع قاعدة فقهية وقع إقحامها عنوة في الشعائر الحسينية فأصبحت مدخلا كبيرا لانحرافات وتجاوزات عديدة.
للولوج إلى الموضوع دعونا نعرّف قاعدة " التسامح في أدلـّة السنن " للذين لا يعرفونها ونذكّر بها الذين يعرفونها.
قاعدة " التسامح في أدلـّة السنن " قاعدة فقهيّة المراد منها أنّه إذا ورد خبر ضعيف غير جامع لتمام شرائط الحُجيّة ودلّ على ترتّـّب الثواب على فعل من الأفعال – ولم يكن لدينا دليل آخر سوى هذا الخبر – أمكننا تَرَتّـّب الثواب على ذلك الفعل إذا أُتِي به بقصد تحصيل ذلك الثواب أو بإرجاء احتمال المطلوبية.
إذن، إذا كان عندنا حديث ضعيف وغير جامع لتمام شرائط الحُجيّة ودل ذلك الحديث على ترتب الثواب على فعل من الأفعال، ولم يكن لدينا دليل آخر سوى ذلك الحديث، يقال أنه من الممكن أن يترتب ثواب على القيام بذلك الفعل، إذا أُتِي به بقصد تحصيل ذلك الثواب أو بإرجاء احتمال المطلوبية.
دعونا نبسّط تعريف هذه القاعدة الفقهية بلغة أخرى – كما يوضحها المرجع الكبير السيد السيستاني حفظه الله تعالى – حيث يقول في " شرح مسألة 32 من منهاج الصالحين " (1): " إذا ثبت لدى الفقيه أنّ فعل أمر ما مستحبّ قطعا، كما في بعض الأغسال مثلا أو بعض الأمور الواردة في الصلاة ومقدماتها (مستحبات الصلاة) فإنّه (الفقيه) يـُفتي يقول في رسالته العملية باستحباب فعله. وأمّا إذا لم يثبت استحباب ذلك الأمر، لضعف الرواية من حيث سندها، فإنّه لا يفتي بالاستحباب لأنّ الاستحباب حكم شرعي ولابدّ من مستند قطعي يقيني في المسألة لإطلاقه، وإلاّ عُدّ ذلك من التقوُّل على الحق تعالى، لا قدّر الله . لكن، هناك بعض الفقهاء من استند إلى روايات تسمّى بروايات (من بلغه) والتي تنصّ على أنّ من سمع برواية أو قرأ رواية (بلغته) تشير إلى أنّ فعل شيء ما يوجب شيء من الثواب، فإنّ الله تعالى يعطي ذلك الثواب على ذلك الفعل إذا صدر من الإنسان، حتى ولو كانت تلك الرواية لم تصدر عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم " (انتهى كلام السيد السيستاني حفظه الله).
خلاصة قوله – حفظه الله - إذا ثبت لدى الفقيه أن فعل أمر مستحب قطعا بالروايات فإن الفقيه يفتي بالاستحباب، أما إذا لم يثبت الاستحباب لضعف رواية من حيث سندها فإن الفقيه لا يفتي بالاستحباب لأن الاستحباب حكم شرعي ولابد للحكم الشرعي من مستند قطعي يقيني، لكن يقول هناك بعض الفقهاء يستند إلى روايات تسمى بروايات " من بلغه " (هي روايات تنص على أن من سمع برواية، أو قرأ رواية، أو بلغته رواية تشير إلى أن فعل شيء ما يوجب الثواب، فإن الله تعالى يعطي ذلك الثواب على ذلك الفعل حتى ولو كانت تلك الرواية لم تصدر عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله.
دعونا نورد فيما يلي بعض من روايات " من بلغه ":
- هشام بن سالم عن أبي عبد الله (جعفر الصادق) عليه السلام قال: " من بلغه عن النبي صلى الله عليه وآله شيء من الثواب فعمله كان أجر ذلك له، وإن كان رسول الله صلى الله عليه وآله لم يقله " (2)؛
- عن صفوان عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام قال: " من بلغه شيء من الثواب على شيء من الخير فعمل به كان له أجر ذلك، وإن كان رسول الله صلى الله عليه وآله لم يقله " (3)؛
- محمد بن مروان عن أبي عبد الله (جعفر الصادق) عليه السلام قال: " من بلغه عن النبي صلى الله عليه وآله من الثواب ففعل ذلك طلب قول النبي صلى الله عليه وآله كان له ذلك الثواب، وإن كان النبي صلى الله عليه وآله لم يقله " (4)؛
- محمد بن مروان قال: " سمعت أبا جعفر (محمد الباقر) عليه السلام يقول : " من بلغه ثواب من الله تعالى على عمل ففعله التماس ذلك الثواب أوتيه وإن لم يكن الحديث كما بلغه " (5).
أظن أن روايات من بلغه أصبحت واضحة في أذهاننا، هي تتلخص: إذا بلغ إنسان شيء من الثواب على عما ما وقام به ينال ذلك الثواب وإن كان لم يصدر ذلك الحديث عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله.
استفاد إذن بعض الفقهاء من هذه الروايات أنّ العمل الذي نصّت عليه الروايات الضعيفة يمكن أن يتحوّل إلى شيء مستحبّ ببركة تلك الروايات التي تسمّى بروايات (من بلغه)، ويسمّون تلك القاعدة الفقهية ﺑ " قاعدة التسامح في أدلّة السنن ".
لإن ثبتت هذه القاعدة الفقهية عند بعض الفقهاء، فإنّها لم تثبت عند المشهور منهم وخاصة المعاصرين لنا؛ وحجتهم في ذلك أنّه كما لا يجوز أن ننسب إلى الشرع حكم بالوجوب أو حكم بالحرمة من دون دليل، كذلك لا يجوز تثبيت الحكم الشرعي من دون دليل؛ فهم لم يفهموا من روايات (من بلغه) ما فهم الفقهاء القدامى من ثبوت قاعدة التسامح في أدلّة السنن، بل فهموا أنّ روايات (من بلغه) لا تثبت الاستحباب للفعل في الروايات الضعيفة، وإنّما تقول أنّ الله تعالى يعطي الثواب على من عمل بما ورد في الروايات الضعيفة تفضلا منه ورحمة – فهو أكرم الأكرمين – حتى وإن كانت تلك الروايات في الواقع وفي علم الله أنّها لم تصدر. يكون العمل إذن بتلك الروايات بنيّة " رجاء المطلوبية "، أي أنّ المرء يأتي بالعمل راجيا أن يكون ذلك العمل ثابتا في الواقع. والفرق كبير بين إتيان العمل بنيـّة " رجاء المطلوبية " والإتيان به على أساس أنه حكم شرعي حتى وإن كان في دائرة الاستحباب.
نحن نعتقد كل الاعتقاد أن الله سبحانه وتعالى كريم، وهاب وجواد..... يهب – من خزائن جوده - لمن يشاء، ما يشاء، بلا حساب: " لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون " (الأنبياء : 23)، لا ريب ولا إشكال في ذلك؛ لكن فرق كبير بين أن تأتي بالعمل وهو في دائرة الحكم الشرعي – حتى ولو كان استحبابا - وأن تأتي به بنيـّة " رجاء المطلوبية ".
تجدر الإشارة – وهذه إشارة مهمة نرجو من الإخوة والأخوات الانتباه لها - إلى أنّ هذه القاعدة الفقهية – بقطع النظر عن اختلافات الفقهاء حولها – لا تخصّ إلاّ الفروع العملية (نسطر هنا على لا تخصّ إلاّ الفروع العملية..... قاعدة " التسامح في أدلة السنن " بقطع النظر على اختلافات الفقهاء هل ننال الأجر كمستحب أو برجاء المطلوبية..... لا تخص إلا الفروع العملية)، ولا تجري في الفروع ولا الأصول العقائدية أو الفكرية (لا دخل لها ولا مجال لها في الفروع ولا الأصول العقائدية أو الفكرية)، كما أنّها لا تجري في تمام الأعمال الفردية والفكرية، بل تختصّ بدائرة السنن، والمقصود بالسنن الأعمال الحسنة، وليس السنن كلّها أيضا بل الحسن المقبول منها الذي لا يزال البحث قائما حول استحبابه.
إذن دارة فعل قاعدة " التسامح في أدلة السنن " هي الفروع العملية فقط، وأخص من الفروع العملية السنن في الأعمال الحسنة..... لا تخص إلا الأعمال الحسنة.
الإشكال الذي يُطرح حول هذه القاعدة الفقهية هو في إمكانية تجاوزها المجال الفقهي لتمتدّ إلى المجال الفكري العقدي.
ليس لنا مشكلة مع قاعدة " التسامح في أدلة السنن " ولكن المشكلة في إقحامها في دائرة خارج دائرة الفروع العملية، وخارج دائرة الأعمال الحسنة.
السؤال الذي يُطرح بشدة في هذا الموضع:
- هل من الممكن أن تتجاوز هذه القاعدة الفقهية المجال الفقهي لتمتد إلى المجال العقدي والفكري ؟
نقولها بعد بحث وتدقيق: لم يصدر عن أي فقيه ملتزم بضوابط مدرسة أهل البيت عليهم السلام – عبر التاريخ – استنتاج إمكانية تعميم هذه القاعدة الفقهية لتشمل جميع المجالات، لكن المؤسف أنّ بعض أرباب المقاتل وبعض خطباء المنابر أقحموا هذه القاعدة الفقهية في موضوع الملحمة العاشورائية التي تـُعدُّ من أهمّ المعالم الثقافية لمدرسة أهل البيت عليهم السلام.
ليس الإشكال إذن في قاعدة " التسامح في أدلة السنن " لكن الإشكال في فِعل بعض خطباء المنابر وبعض أرباب المقاتل.
أقحـِمت مقولة " التسامح في أدلّة السنن " قصرا وأدْخِلت عنوة في ثقافة مدرسة أهل البيت عليهم السلام مع أنّها غير منسجمة مع مباني القرآن الكريم، ولا مباني مبادئ مدرسة أهل البيت عليهم السلام، بل ربّما هي على النقيض منها تماما. المصيبة تكمن في أنّ هذه المقولة أصبحت مدخلا كبيرا لانحرافات وتجاوزات عديدة في مجالات كثيرة...... حينما أقحـِمت عنوة في مجال غير مجالها، وفي مجال غير الفروع العملية، وغير الأعمال الحسنة، أصبحت هذه المقولة مدخلا كبيرا لانحرافات وتجاوزات عديدة في مجالات كثيرة ومنها الشعائر الحسينية.
إنّ التسامح في نقل أحداث، ووقائع، وروايات ضعيفة السند حول الملحمة الحسينية يُعدّ – برأيي – جريمة كبيرة في حق الحقيقة، وفي حق الإسلام، وفي حق الملحمة الحسينية وفي حق مدرسة أهل البيت عليهم السلام.
ونحن نتساءل:
- كيف يجوز أن ننسب خبرا إلى المعصوم دون تثبت؟ .....
- كيف يجوز أن ننسب فعلا إلى المعصوم دون تدقيق؟ .....
- كيف يجوز الاطمئنان إلى أنّ الطريق لتلك الأخبار معتبرة؟ ......
- أليس معرفة الأئمة عليهم السلام – والإمام الحسين عليه السلام أحدهم – من أصول مذهب مدرسة أهل البيت عليهم السلام؟ ....
- ألا يُعتبر تقوّل ما لم يقله الإمام جريمة؟ ......
- ألم يقل الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: " من كذب عليّ متعمّدا فليتبوّأ مقعده من النار " (6)؟.....
- ألم يقل الإمام الصادق عليه السلام: " الكذب على الله وعلى رسوله وعلى الأوصياء من الكبائر " (7)؟ .....
- ألا يـُعتبر عدم التثبت في نقل الروايات فاجعة وجريمة؟ ......
- ألا يـُعتبر التسامح والتساهل في نقل أخبار ووقائع تخصّ المعصوم عليه السلام تشويها لسيرته؟ ....
- كيف يقول الفقهاء الأجلاء في الفروع الفقهية بالاحتياط وحين يتعلّق الأمر بموضوع يخصّ الإمام الحسين عليه السلام يمضي المؤرخون والخطباء في نهج التسامح والتساهل؟ ......
إذن ليس لنا مشكلة مع قاعدة " التسامح في أدلـّة السنن "، لكن المشكلة في إقحامها قصرا في غير الفروع العملية وخاصة في مجال أحداث الملحمة الحسينية.
شكـّل استعمال هذه القاعدة في غير محلّها، وإقحامها قصرا في مجال أحداث الملحمة العاشورائيّة مدخلا خطيرا ولجت من خلاله تجاوزات كثيرة وانحرافات عديدة..... كثير من الانحرافات، أكانت على المنبر أو في المواكب، تخص الملحمة الحسينية ولجت ودخلت إلى ثقافة عاشوراء من باب قاعدة " التسامح في أدلة السنن ".
نختم الكلام حول هذا المدخل الخطير للتطاول على الملحمة الحسينية بقولة بليغة للعلاّمة المامقاني، رحمة الله تعالى عليه، حيث يقول في كتابه " مقياس الهداية في علم الدراية ": " .... لا يسوغ نسبة الخبر إلى المعصوم عليه السلام من دون طريق معتبر، وورود الإذن بالمسامحة في أدلّة السنن عن النبي المختار صلى الله عليه وآله والأئمّة الأطهار ممنوع؛ والأخبار التي استـُدِل بها قاصرة عن إفادة المطلوب، وإن وافقه في الاستدلال به الأكثر، إلاّ أنّهم – عند التأمّل والتحقيق – اشتبهوا في فهم معناها، كما أوضحنا في محلّه " (8).
نسأل الله العلي العظيم أن يفتح مغاليق قلوبنا، وأن ينور بصائرنا وأبصارنا، ويهدينا إلى مراضيه ويجنبنا معاصيه....
اللهمّ أرزقنا شفاعة الحسين يوم الورود، وثبت لنا قدم صدق مع الحسين وأصحاب الحسين الذين بذلوا مهجهم دون الحسين عليه السلام. اللهم كما صدقوا اجعلنا من الصادقين، وكما أخلصوا اجعلنا من المخلصين، وكما جاهدوا اجعلنا من المجاهدين. السلام عليك يا سيدي ومولاي يا أبا عبد الله وعلى الأرواح التي حلت بفنائك، عليك مني سلام الله أبدا ما بقيت وبقي الليل والنهار ولا جعله الله آخر العهد مني لزيارتكم. السلام على الحسين، وعلى علي بن الحسين، وعلى أولاد الحسين وعلى أصحاب الحسين. السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
(1) : راجع كذلك : شرح مسألة 32 من منهاج الصالحين للمرجع آية الله العظمى السيّد السيستاني، دام ظلّه الشريف، بتصرّف
(2) : راجع : المحاسن ص25، ح2؛ وسائل الشيعة ج1، ص 60
(3) : راجع : المحاسن ص25، ح1؛ثواب الأعمال ص160 ح 1؛ وسائل الشيعة ج1، ص 59
(4) : راجع : وسائل الشيعة ج1، ص 60
(5) : راجع : وسائل الشيعة ج1، ص 60
(6) : المحجّة البيضاء ج 5، ص 247
(7) : جامع السعادات ج 2، ص 97
(8) : راجع " مقياس الهداية في علم الدراية "، العلاّمة المامقاني، ج 1، ص 196