الملحمة الحسينيّة تحت المجهر
صناعة الأساطير في الملحمة الحسينيّة (1)
الدكتور محمد الصادق بوعلاق
أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمان الرحيم، الحمد لله رب العالمين. " الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله لقد جاءت رسل ربنا بالحق " (الأعراف : 43) وأصلى وأسلم على سيد الأنبياء والمرسلين وقائد الغر المحجلين المبعوث رحمة للعالمين، وقدوة للسالكين، ونبراسا للصادقين، سيدنا ومولانا، وطبيب قلوبنا، ونور أبصار عيوننا، وشفيع ذنوبنا أبي القاسم محمد، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد.
السلام عليك يا سيدي ومولاي يا رسول الله، السلام عليك يا حبيب الله، السلام عليك يا نجيّ الله، السلام عليك يا صفيّ الله، السلام عليك وعلى سبطك أبي عبد الله الحسين. السلام على ابن خاتم الأنبياء، السلام على ابن سيد الأوصياء، السلام على ابن فاطمة الزهراء، السلام على ابن خديجة الكبرى، السلام على أخ الحسن المجتبى، السلام على المرمل بالدماء، السلام على المهتوك الخباء، السلام على غريب الغرباء، السلام على شهيد الشهداء، السلام على الجيوب المضرجات، السلام على الشفاه الذابلات، السلام على النفوس المصطلمات، السلام على الأرواح المختلسات، السلام على الأجساد العاريات، السلام على الجسوم الشاحبات، السلام على الدماء السائلات؛ سيدي يا أبا عبد الله عليك مني سلام الله أبدا ما بقيت وبقي الليل والنهار ولا جعله الله آخر العهد مني لزيارتكم. السلام على الحسين، وعلى علي بن الحسين، وعلى أولاد الحسين وعلى أصحاب الحسين. السلام عليكم إخوتي وأخواتي ورحمة الله تعالى وبركاته.
مازلنا تحت خيمة أبي عبد الله الحسين عليه السلام..... مازلنا نحيي ذكرى استشهاده سلام الله تعالى عليه..... وما زلنا في سلسلة " الشعائر الحسينية تحت المجهر ".
نسعى في هذه الليلة المباركة – ولليلة أخرى إن شاء الله تعالى - إلى تسليط بعض الأضواء على سلوك آخر مشين، وداء عضال ألمّ بالشعائر الحسينية مشكّلا خطرا على مصداقية ما يُطرح خلال فعالياتها، أقصد بذلك صناعة الأساطير وولوجها إلى الثقافة العاشورائية.
حتى يكون بحثنا ذا منهج علمي سليم، نحاول طرحه في شكل إجابة عن الأسئلة التالية:
- ما هي موقعية الأسطورة في التاريخ البشري؟
- هل كان للعرب تراثا أسطوريا يعكس رؤاهم وتصوراتهم ومواقفهم من الله والكون والحياة؟
- ما هي الدوافع التي ساعدت على نفاذ الأسطورة وتسلـّل الخرافة إلى وقائع ملحمة الحسينية..... ملحمة وُثـِّقت تاريخيا بطريقة معتبرة لم يعرفها أيّ حدث تاريخي غيرها؟
- ما هي نتائج ولوج الأسطورة إلى فعاليات الشعائر الحسينية؟
ثم يمكنني إضافة سؤال آخر: كيف يمكننا أن نفرق بين الكرامة التي يعطيها الله تعالى لأوليائه – والإمام الحسين عليه السلام وأصحابه من خاصة خلاصة أوليائه – وبين الأساطير التي ينسجها الناس من خيالهم ويقحمونها كأحداث ووقائع حصلت؟..... لأنه ليس كل ما يطرق مسامعنا من أحداث غريبة وجب وضعه في خانة الأساطير التي هي من نسج الخيال.
للإجابة عن السؤال الأول نقول:
شكـّلت الأسطورة القراءة الأولى للتاريخ الإنساني منذ كان العقل البشري في مرحلة طفولته الأولى. اختلفت تعريفات العلماء للأسطورة إلاّ أنّهم أجمعوا أنّها كانت وسيلة الإنسان الأولى في المعرفة وتفسير ما غمض من الظواهر، واستجابة لحسّ طلب الكمال.
صنـّف العلماء العصور المختلفة التي مرّت بها الأمم إلى:
- العصر الأسطوري؛
- ، العصر الديني؛
- العصر العلمي.
ترك كلّ عصر من هذه العصور بصمته المتميّزة على مسار البشرية، إلا أنّ العصر الأسطوري يبقى مهد البشرية وطفولتها.
تعدّدت الآراء حول كيفية ولادة ونشأة الأسطورة ..... آراء العلماء عديدة حول حول كيفية ولادة الأسطورة ونشأتها:
- منهم من ربطها بالطقوس مثل " جيمس فريزر " (1941 – 1854- James George Frazer ميلادي) في كتابه " الغصن الذهبي "؛
- منهم من ربطها بالعادات القبلية مثل عالم الأنثروبولوجيا " مالينوفسكي (1942 – 1884- Bronislaw Malinowski ميلادي)؛
- منهم من رأى أنّها تدخل في منطقة اللامعقول واللامنطق – مثل " ليفي برول " (1939 – 1857- Lucien Lévy-Bruhl ميلادي)؛
- منهم من رأى أنّها تخفي بين طيّاتها نوعا من المنطق والفلسفة الإنسانية – مثل " شلنج " (1854 – 1775- Fredrich Wilhelm Josef von Schelling ميلادي)؛
- منهم من ربطها بالأحلام ورأى أنّها وليدة المشاعر المكبوتة التي يحتفظ بها الإنسان في منطقة اللاشعور مثل " فرويد" ( 1939 – 1856- Sigmun Freud ميلادي)؛
- منهم من أرجعها إلى اللاشعور الجمعي أي اللاشعور الخاص بالمجموعة – مثل " يونغ " (1961 – 1875- Jung Carl Gustav ميلادي)؛
- منهم من عدّها لغة رمزية ينفتح بها عالم مليء بالمعارف – مثل " إريك فروم " ( 1980 – 1900- Erich Fromm ميلادي)؛
- منهم من رأى أنّها مرتبطة ارتباطا وثيقا بالمعتقدات الدينية – مثل " ميرسيا إلياد " ( 1941 – 1854- Mircea Eliade ميلادي)؛
- غير هذه الآراء آراء كثيرة وكثيرة جدا.
ما يمكن استخلاصه – وقوله بإجمال واقتضاب – أنّ تاريخ صناعة الأساطير ضارب في القِدم ويعود إلى زمن سحيق في وجود الإنسان، بل يمتدّ إلى ما قبل تدوين التاريخ الإنساني (ما قبل الكتابة)، ولا يزال يسجل حضوره حتى يومنا هذا عبر أجيال متلاحقة وأمم متعاقبة.
هذا بالنسبة للسؤال الأول حول موقعية الأسطورة في التاريخ البشري؛ بالنسبة للسؤال الثاني: هل كان للعرب تراثا أسطوريا يعكس رؤاهم وتصوراتهم ومواقفهم من الله والكون والحياة؟
للإجابة عن هذا السؤال نعود إلى القرآن الكريم. يمكننا القول أن مصطلح " أساطير الأوّلين " ورد في القرآن الكريم، مرتبطا بالتصوّرات الإعتقادية والدينية والمعرفية للعرب قبل البعثة النبوية المباركة في تسعة مواضع، وما يلفت الانتباه أن كل تلك الآيات الكريمات- التي ورد فيها مصطلح " أساطير الأوّلين " جاءت في سور مكيّة حيث نقرأ قوله تعالى:
- " حتى إذا جاءوك يجادلونك يقول الذين كفروا إن هذا إلاّ أساطير الأوّلين " (الأنعام : 25)؛
- " وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا إن هذا إلا أساطير الأولين " (الأنفال : 31)؛
- " وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم قالوا أساطير الأولين " (النحل : 24)؛
- " قالوا أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمبعوثون. لقد وعدنا نحن وآباؤنا هذا من قبل إن هذا إلا أساطير الأولين " (المؤمنون : 82 – 83)؛
- " وقالوا أساطير الأوّلين اكتتبها فهي تُمْلى عليه بكرة وأصيلا " (الفرقان : 5)؛
- " وقال الذين كفروا أئذا كنا ترابا وآباؤنا أئنا لمخرجون. لقد وعدنا هذا نحن وآباؤنا من قبل إن هذا إلا أساطير الأولين " (النمل : 67 – 68)؛
- " والذي قال لوالديه أف لكما أتعدانني أن أخرج وقد خلت القرون من قبلي وهما يستغيثان الله ويلك آمن إن وعد الله حق فيقول ما هذا إلا أساطير الأولين " (الأحقاف : 17)؛
- " إذا تُتلى عليه آياتنا قال أساطير الأوّلين " (القلم : 5)؛
- " ويل يومئذ للمكذبين. الذين يكذبون بيوم الدين. وما يكذب به إلا كل معتد أثيم. إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين " (المطففين : 10 – 13).
اكتفى جل المفسّرين بنعت كلمة " أساطير الأوّلين " ﺑ " الأباطيل والأكاذيب من زخرف القول ".
أعزائي، ليس من قـَبيل الصدفة أن يكون معظم الحديث القرآني عن " أساطير الأوّلين " في السور المكيّة، أي في مرحلة تركيز العقيدة السليمة في نفوس المؤمنين على أنقاض المعتقدات الأسطورية والقناعات الوثنية التي كانت سائدة في الجزيرة العربية عند ظهور الإسلام..... كلنا يعلم أن الفترة المكية هي فترة تركيز الإيمان في قلوب المؤمنين، حتى أن الصحابة كانوا يقولون: "كان رسول الله – صلى الله عليه وآله -يفرغنا ثم يملينا "...... كان عليه وآله الصلاة والسلام يفرغهم من رواسب الجاهلية ويملأهم العقيدة السليمة والصحيحة.
إنّ في ذلك دلالة واضحة على أنّ العرب، شأنهم شأن سائر الشعوب، قد مرّوا بالمرحلة الأسطورية، وأنّ لهم تراثا أسطوريا يعكس رؤيتهم، وتصوّرهم، وموقفهم من الكون، والعالم، والحياة، والوجود منذ القِدم، على عكس ما أنكر بعض المستشرقين وهو إنكار خبيث ينطوي على اتهام مبطون للعقل العربي بالعجز والعقم، وللمُخيّلة العربية بالقصور وعدم الخصوبة؛ ذلك أنّ الأسطورة تمثـّل – فيما تمثّـّله – رمزا لخصوبة المُخيـّلة ودلالة على حركية العقل.
عرف العرب، في العصور السحيقة والمتأخرة، الأساطير بكلّ أنواعها: الكونيّة (أساطير الخلق والتكوين)، الطقوسية (الدينية)، التعليمية، الرمزية، الحضارية، البطولية ونظائرها؛ لكن هذه الأساطير انكفأت، ونقص بريقها، وتضاءل مفعولها، وفقدت وظائفها الدينية والمعرفية، بُعيْد الإسلام باعتبارها تراثا وثنيا قاومه الإسلام وقاطعه معرفيا ودينيا وثقافيا.
نعم، جاء الإسلام العظيم ليُحدث قطيعة كلية مع الخرافات والأساطير.
على الرغم من أنّ هذه القطيعة الدينية والثقافية والتدوينية فعلت فعلها الهائل في اندثار الأساطير العربية وسلبها وظائفها، إلاّ أنّ مادتها بقيت عالقة بالذاكرة الجمعية، ومستقرّة في العقلية الأسطورية للعامة، لم تتبدّد نهائيا بل تحلّلت وتفكـّكت وتحوّلت إلى " عناصر أسطورية أوليـّة " استطاعت أن تتسلـّل وتتسرّب – في كثير منها – إلى الثقافة العربية الإسلامية بشقيها الشفهي والكتابي ليُعاد إنتاجها بطرق وأساليب أخرى وفي ظروف ومواضع مستحدثة وجديدة..... علينا أن ننتبه أيها الأعزاء، على الرغم من أن الإسلام العظيم أحدث قطيعة كلية مع الأساطير، وهذه القطيعة ساهمت في اندثار الأساطير العربية وسلبها وظيفتها، إلا أن مادة هذه الأساطير بقيت عالقة بالذاكرة الجمعية، بقيت مستقرة في العقلية الأسطورية لعامة الناس..... بالرغم من هذه الحرب عليها، لم تتبدد نهائيا، لكن تفككت وتحللت وتحولت إلى عناصر أسطورية أولية، ثم استطاعت – فيما بعد – أن تتسلل وتتسرب في كثير منها إلى الثقافة العربية الإسلامية بشقيها الشفهي والكتابي فيُعاد إنتاجها بطرق وأساليب أخرى.
بل الأكثر من ذلك: لقد بلغت سلاسة التسلـّل أن شقـّت الأساطير طريقها نحو التسجيل والتدوين، بشكل غير مباشر وكذلك بشكل مباشر، على نحو ما نشهده واضحا وجليا في مصادر التفسير وقصص الأنبياء، وكتب المغازي والفتوح، والتراجم، والسِيَر التاريخية والشعبية، وكتب الأخبار والأنساب، وكتب الأدب، ومعاجم اللغة، وكتب الأمثال وغيرها.
نعم أيها الأعزاء، لا يجد القارئ عناء حين يدرس مثلا كتب التفسير والسِيَر، أو يقرأ مثلا مصنفات الأنساب والتراجم..... لا يجد عناء في ملاحظة أنها مليئة بالأساطير البعيدة عن حقائق الأشياء ووقائع الأزمنة.
لم تقتصر صناعة الأساطير على ثقافة معيّنة دون أخرى، بل هيمنت على جلّ الثقافات الإنسانية، ولم تكن الثقافة العاشورائية استثناءا لأنـّها ثقافة شعبية واسعة، شكـّلت إطارا خصبا للأسطورة ومسرحا فسيحا للخرافة جال الخيال بطلاقة في أرجاءه.
ذكرنا في لقاء سابق – من هذه السلسلة " الشعائر الحسينية تحت المجهر " - أنّ التطاول على الملحمة الحسينية في مدرسة أهل البيت عليهم السلام وقع أوّلا عندما أُستـُبدلت عاشوراء الثورة والأحزان معا بعاشوراء الأحزان فقط، وثانيا عندما دخلت الأساطير والخرافات على الثانية.
تمثـّل التطاول الأوّل في اختزال الملحمة الحسينية – بأهدافها الإلهية ومبادئها الربانية – في مجالس لإقامة العزاء اقتصرت على تهييج العواطف..... على جلالة قدر مجالس العزاء الحسينية، وعلى الرغم من إيماننا بأنها ضرورية ولا استغناء عنها، إلا أننا نرى أن البكاء وتهييج العواطف وحده غير كاف لبلوغ الأهداف العظيمة للنهضة الحسينية (هذا ما كنا قد بيناه في لقاء سابق من هذه السلسلة)؛ أمّا التطاول الثاني فتمثـّل في نفوذ الخرافة والأسطورة إلى مضمون المجالس نفسها خدمة للأهداف المصطنعة. يمثـّل اختزال الثورة والرثاء بالرثاء فقط، واستبدال الرثاء بالأسطورة والخرافة تطاولا مضاعفا وانحرافا كبيرا.
ما هي الدوافع التي ساعدت على نفاذ الأسطورة وتسلـّل الخرافة إلى وقائع ملحمة وُثـِّقت تاريخيا بطريقة معتبرة لم يعرفها أيّ حدث تاريخي غيرها؟ ..... ثم، ما هي نتائج هذا التطاول؟ ......
في الواقع، عوامل عديدة شكّلت دوافع ساعدت على تسلـّل الأساطير ونفاذ الخرافات إلى النصوص العاشورائية، أحاول هذه الليلة أن أذكر أربعة عوامل أراها الأهمّ :
- اختزال الملحمة العاشورائيّة في الجانب المأساوي، واعتبار البكاء وتهييج العواطف (للإبكاء) الغاية القصوى لفلسفة عاشوراء، والهدف الأوحد للنهضة الحسينية.
ساعد الفهم القاصر للروايات العديدة المُظهرة لفضل البكاء والإبكاء على مصاب الإمام الحسين عليه السلام وعظيم الثواب عليه على تثبيت هذا الهدف الخاطئ وتأطير عاشوراء بغاية دخيلة أضاعت الغاية الأصيلة. لابدّ في هذا الموضع من التنبيه لمسألة مهمّة تخصّ الروايات الشريفة الواردة في فضل البكاء، والتباكي والإبكاء على مصاب سيد الشهداء عليه السلام، وهي استحالة إدراك مقصود هذه الروايات دون حسن فهمها فهْمًا لا يتعارض ومقصد المعصوم عليه السلام في الإدلاء بها؛ فلو كان البكاء في حدّ ذاته هدفا لكان التظاهر به ضربا من الرياء – والرياء من الكبائر – لكن التأكيد على التباكي وإظهار الجزع وكلّ مظاهر الحزن يدلّل على أنّ الهدف ليس البكاء في حدّ ذاته بل أمور أخرى تتجاوز مجرّد ذرف الدموع، وذلك ما كنا تطرقنا إليه في لقاء سابق من هذه السلسلة " الشعائر الحسينية تحت المجهر ".
- إذا كانت الملحمة الحسينية قد سُجنت في إطار ضيّق لا يتمثّل إلاّ في البكاء والتباكي، وإذا عُدّت عملية إبكاء الآخرين – في أذهان الخطباء والقائمين على المجالس الحسينية – غاية ربانية عظمى، فإن نتيجة ذلك تمثلت في جرّ بعضهم – بداعي إبكاء العوام – إلى إقحام أساطير مصطنعة وخرافات مستحدثة للوصول إلى الهدف المنشود، ليسقط بذلك بعض الخطباء وبعض القائمين على المجالس في فخّ المبدأ الميكافيلي القبيح " الغاية تبرّر الوسيلة "، فتختلط الأمور وتصبح الوسيلة غاية وتحتجب الغاية بين أرجل الوسيلة. ساهمت هذه العقلية المنحرفة في تسلـّل الأساطير والخرافات إلى النصوص العاشورائية والثقافة الكربلائية، ولم يجد القائمون على المجالس الحسينية وصـُنـّاع الأساطير تبريرا لهذا التطاول المشين إلاّ التسويق لمقولة غريبة ودخيلة على ثقافة مدرسة أهل البيت عليهم السلام: ما دام الهدف مقدّسا ونبيلا وهو الوصول بالناس إلى مستوى البكاء والجزع على مصاب الإمام الحسين عليه السلام، فلا تهمّ الوسيلة لبلوغ ذلك، حتى لو اقتضت الضرورة إلى اختلاق الأساطير (كما يزعمون)، والتعسّف في تفسير وتأويل الروايات الشريفة..... فمن أجل الهدف العظيم يجوز فعل ما لا يجوز فعله في المواطن الأخرى !!.... برأيهم، كلّ المعاصي على هذا الدرب قابلة للغفران من أجل إدراك الغاية العظمى وهي إبكاء الناس !!..... هذا للأسف أمر واقع لكنه غريب وغير شرعي؛
- ما دام البكاء والإبكاء أصبح هو الغاية العظمى في فلسفة عاشوراء، وما دامت كلّ الوسائل أضحت مباحة، وكلّ السبل صارت جائزة في سبيل إدراك هذه الغاية، فلماذا لا نتساهل في نقل أي رواية تطرق الأسماع – دون التثبّت في صحّتها وفي طرقها – المهمّ أنها تؤدّي إلى بلوغ المطلوب. شكـّل هذا التصوّر الخاطئ ومعه الاتكال على قاعدة " التسامح في أدلّة السنن "، واقحام هذه القاعدة قصرا وعنوة في مجال غير مجالها (كما رأيناه في لقاء سابق)..... شكل ذلك التصور الخاطئ مدخلا جديدا ودافعا آخرا ساعد على نفاذ الأساطير إلى قلب النصوص العاشورائية؛
- شكـّلت أحداث ووقائع الملحمة الحسينية استثناءا لم يشهد التاريخ الإنساني شبيها له ولا نظيرا...... فأصحاب الإمام الحسين عليه السلام خير الأصحاب...... وأنصاره خير الأنصار...... كانت ملحمة عظيمة وفريدة ساهم فيها السيّد والمولى..... الشاب والكهل والشيخ..... المرأة والرجل..... شريف النسب ومجهوله..... وفي المقابل كان جنود يزيد شرّ الجنود..... ألأم من على الأرض نسبا..... أقبحهم فعلا..... شرارهم عملا..... وأعظمهم وزرا. يقول السيّد هادي مدرّسي في كتابه " عاشوراء ": " كانت عاشوراء حدثا من أحداث التاريخ الكبار..... فقد تجلّت فيها بطولات المؤمنين، كما برزت فيها جاهلية النفاق، في أبشع مظاهرها. وبمقدار ما كان عروج أهل البيت عليهم السلام بقيادة الإمام الحسين عظيما، كان هبوط العدو في الحضيض عميقا....." ().
كانت لأحداث الملحمة الحسينية إذن بطولتان في ذروة البطولات التي عرفتها الإنسانية: بطولة إيجابية..... بل قمّة في الإيجابية، وأخرى سلبية..... بل قمّة في السلبية.
كان الإمام الحسين عليه السلام وأصحابه في ذروة العزّة، والمجد، والشجاعة، والمظلومية والإيباء، وفي المقابل كان يزيد وجبهته في قمّة الدناءة، والنذالة، والجبن، والظلم والجحود. سجّل الإمام الحسين عليه السلام – في التاريخ – أعلى درجات الإيباء، والعزّة، والشجاعة، والوفاء والمظلومية؛ وسجّل جيش العدوّ – عبر التاريخ – أعلى درجات النفاق، والوحشية، والدناءة بخرقه كلّ المحرمات وتعدّيه على كلّ الأعراف، وارتكابه مجازر تخجل الأقلام من ذكر بشاعتها وتأبى الآذان سماع غطرستها...... كلّ شيء يوم العاشر من محرّم كان في القمّة وبلغ الذروة: ذروة الشجاعة والجبن..... ذروة العزّة والذلّة..... ذروة المظلومية والظلم..... ذروة الخوف من الحقّ تعالى والتطاول على حدود الله وانتهاك حرماته..... ذروة الإيباء والنذالة..... وهذا ما جعل لأحداث عاشوراء قابلية لكلّ أنواع المبالغة والتهويل في المخيّلة الفردية والجماعية، وما هيّأ الذهنيات لتقبّل كلّ أنواع الإفراط. نتيجة لهذا الاتساع تسرّبت الأساطير والخرافات إلى النصوص العاشورائية دون أدنى مقاومة.
وجب في هذا الموضع التنبيه إلى عدم الخلط بين العقيدة والتاريخ، فعقيدتنا في الإمام الحسين عليه السلام أنّه إمام معصوم، قريب من الله، قمـّة في المجد والعزّة، له من الولاية التكوينية ما يخوّل له خرق جميع العادات، كما أنّ عقيدتنا في يزيد بن معاوية أنّه قمّة في الجبن والدناءة، وذروة في البطش والظلم، وله من الجرأة على انتهاك كلّ الحرمات؛ لكن لا ينبغي أن تتحوّل هذه العقيدة إلى ذريعة لإقحام المبالغات بين حقائق التاريخ ()، ومدخل لولوج أحداث من نسج الخيال.
من عوامل تسلل الأساطير إلى النصوص العاشورائية يمكننا كذلك ذكر أن بعض الأساليب الشفهية في عرض السيرة الحسينية المتبَعة من قـِبـَل بعض قرّاء العزاء ساهمت مساهمة كبيرة في تسلّل العديد من الأساطير إلى النصوص العاشورائية.
أعزائي، إنّ المبالغات الشعرية، والأساليب المجازية، والمشاهد الفنية، والصور التخيلية التي يعرضها بعض قرّاء العزاء كواقائع وحوادث، إضافة إلى قدرة تأثيرهم على النفوس وتحريكهم للمشاعر، يُوحي كلّ ذلك للمستمع – والمتلقـّي عموما – أنّها معلومات تاريخية قادمة من صميم الواقع ومن قلب الأحداث. تودّي هذه الأساليب مع الزمن دورا شبيها بإنتاج نصوص تراثية جديدة يتمّ التعامل معها، من قِبَل كثير من المتلقـّين، كنصوص أصليّة. مع مرور الزمن تصبح تلك " النصوص المُستحدَثـَة " من المتواترات، ثم تجد الطريق أمامها مفتوحا لتـُدرَج في بعض المقاتل وكتب السـِيـَر التي تتسامح في نقل المرويات دون تحقيق ولا تدقيق.
أسئلة أخرى جوهرية ومُلحّة تطرح نفسها في هذا المجال من قبيل:
- ما هو موقف الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله من الأساطير؟
- هل لدينا أمثلة محسوسة على أساطير في المقاتل وفي بعض النصوص العاشورائية؟
- هل لدينا تاريخ معين لتسلل الأساطير إلى المقاتل وإلى بعض النصوص العاشورائية؟
- هل تحتاج الملحمة الحسينية إلى الأسطورة حتى تستمرّ في خلودها وانتشارها في المجتمعات وعبر الأزمنة والعصور؟
- هل تـُقدّم الأسطورة للفكر العاشورائي خدمة أم أنّ الضرر الناتج عنها أكثر من نفعها لهذا الفكر ؟
الإجابة عن هذه الأسئلة، التي أرى أنها مهمة، يكون في لقائنا القادم إن شاء الله تعالى، إلى ذلك الحين أستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه......
ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم وجد علينا إنك أنت الجواد الرحيم.... اللهمّ أرزقنا شفاعة الحسين يوم الورود، وثبت لنا قدم صدق مع الحسين وأصحاب الحسين الذين بذلوا مهجهم دون الحسين عليه السلام. اللهم كما صدقوا اجعلنا من الصادقين، وكما أخلصوا اجعلنا من المخلصين، وكما جاهدوا اجعلنا من المجاهدين. السلام عليك يا سيدي ومولاي يا أبا عبد الله وعلى الأرواح التي حلت بفنائك، عليك مني سلام الله أبدا ما بقيت وبقي الليل والنهار ولا جعله الله آخر العهد مني لزيارتكم. السلام على الحسين، وعلى علي بن الحسين، وعلى أولاد الحسين وعلى أصحاب الحسين. السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.