الملحمة الحسينيّة تحت المجهر
صناعة الأساطير في الملحمة الحسينيّة (2)
الدكتور محمد الصادق بوعلاق
أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمان الرحيم، الحمد لله رب العالمين. " الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله لقد جاءت رسل ربنا بالحق " (الأعراف : 43) وأصلى وأسلم على سيد الأنبياء والمرسلين وقائد الغر المحجلين المبعوث رحمة للعالمين، وقدوة للسالكين، ونبراسا للصادقين، سيدنا ومولانا، وطبيب قلوبنا، ونور أبصار عيوننا، وشفيع ذنوبنا أبي القاسم محمد، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد.
السلام عليك يا سيدي ومولاي يا رسول الله، السلام عليك يا حبيب الله، السلام عليك يا نجيّ الله، السلام عليك يا صفيّ الله، السلام عليك وعلى سبطك أبي عبد الله الحسين السلام على ابن مكة ومنى، السلام على ابن زمزم والصفاء، السلام على خامس أصحاب الكساء، السلام على سيد الشهداء، السلام على أسير الأعداء، السلام على صريع كربلاء، السلام على المذبوح من القفى إلى القفى، السلام على مسلوب العمامة والرداء، السلام على من بات على الرمضاء ثلاثا حتى تصلي عليه ملائكة السماء؛ سيدي يا أبا عبد الله عليك مني سلام الله أبدا ما بقيت وبقي الليل والنهار ولا جعله الله آخر العهد مني لزيارتكم. السلام على الحسين، وعلى علي بن الحسين، وعلى أولاد الحسين وعلى أصحاب الحسين. السلام عليكم إخوتي وأخواتي ورحمة الله تعالى وبركاته.
مازلنا تحت خيمة أبي عبد الله الحسين عليه السلام إحياء لذكرى استشهاده ..... وما زلنا في سلسلة " الشعائر الحسينية تحت المجهر ".
كان مدار الكلام في اللقاء الفارط حول صناعة الأساطير وولوجها إلى الثقافة العاشورائية.
رأينا كثيرا من الأشياء منها :
- الأسطورة شكـّلت القراءة الأولى للتاريخ الإنساني منذ كان العقل البشري في مرحلة طفولته الأولى. تاريخ صناعة الأساطير ضارب في القِدم ويعود إلى زمن سحيق في وجود الإنسان، بل يمتدّ إلى ما قبل تدوين التاريخ الإنساني (ما قبل الكتابة)، ولا يزال يسجل حضوره حتى يومنا هذا عبر أجيال متلاحقة وأمم متعاقبة.
- العرب، شأنهم شأن سائر الشعوب، قد مرّوا بالمرحلة الأسطورية، وأنّ لهم تراثا أسطوريا يعكس رؤيتهم، وتصوّرهم، وموقفهم من الكون، والعالم، والحياة، والوجود منذ القِدم؛
- قاوم الإسلام الأساطير وقاطعها معرفيا ودينيا وثقافيا..... نعم جاء الإسلام العظيم ليُحدث قطيعة كلية مع الخرافات والأساطير؛
- على الرغم من أنّ هذه القطيعة الدينية والثقافية والتدوينية – التي أحدثها الإسلام - فعلت فعلها الهائل في اندثار الأساطير العربية وسلبها وظائفها، إلاّ أنّ مادتها بقيت لم تتبدّد نهائيا بل تحلّلت وتفكـّكت وتحوّلت إلى " عناصر أسطورية أوليـّة " استطاعت أن تتسلـّل وتتسرّب – في كثير منها – إلى الثقافة العربية الإسلامية بشقيها ليُعاد إنتاجها بطرق وأساليب أخرى وفي ظروف ومواضع مستحدثة وجديدة. فشقـّت الأساطير طريقها نحو التسجيل والتدوين، على نحو ما نشهده واضحا وجليا مثلا في مصادر التفسير وقصص الأنبياء، وكتب المغازي والفتوح، والتراجم، والسِيَر التاريخية وغيرها.
- لم تكن الثقافة العاشورائية استثناءا لأنـّها ثقافة شعبية واسعة، شكـّلت إطارا خصبا للأسطورة ومسرحا فسيحا للخرافة جال الخيال بطلاقة في أرجاءه.
ثم تطرقنا كذلك إلى الدوافع التي ساعدت على نفاذ الأسطورة وتسلـّل الخرافة إلى وقائع الملحمة الحسينية، وبيّنا أربع دوافع إلا أننا قلنا أن تلك أمّ الدوافع تمثل في اختزال الملحمة العاشورائيّة في الجانب المأساوي فقط، واعتبار البكاء وتهييج العواطف (للإبكاء) الغاية القصوى لفلسفة عاشوراء، والهدف الأوحد للنهضة الحسينية. فتح هذا الاعتقاد الخاطئ الباب على مصراعيه لتبرير كل التجاوزات من أجل إبكاء الناس، ومن بين هذه التجاوزات إقحام الأساطير في الشعائر الحسينية خصوصا وفي النصوص العاشورائية والثقافة الكربلائية عموما.
لو تتذكرون، أنهينا لقاءنا الفارط بطرح عدة أسئلة نسعى، نحاول في هذا اللقاء المبارك، إلى الإجابة عنها.
للإجابة عن السؤال الأول (موقف الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله من الأساطير)، دعونا نقول أن رسول الله صلى الله عليه وآله تصدّى إلى الأساطير والخرافات التي كانت تقيـّد العقل وتكبّّله، وتعيقه عن النموّ والتقدّم، كما دعا إلى تطهيره (العقل) من أدران الأوهام ونفوذ الخرافات. لم يكتف صلى الله عليه وآله بإبطال المعتقدات الخرافية التي كانت تـُلحـِق الضرر به، وبعقيدته ومجتمعه، بل تصدّى إلى كلّ أسطورة أو خرافة كيفما كان لونها وأيّا كانت غايتها، حتى لو كانت تخدم غرضه، وتساعد على تحقيق أهدافه.
سأضرب للإخوة والأخوات مثالا أو مثالين على عجالة.
تـُجمِع كتب السيرة أنّ وفاة إبراهيم ابن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله تزامن مع كسوف للشمس، فذهب عشّاق الأسطورة، والمولعون بالخرافة في ذلك المجتمع – على عادتهم – إلى ربط تلك الظاهرة الفلكية بموت إبراهيم واعتبروها دليلا على عظمة المصاب، فتحدّثوا بأنّ الشمس كـُسفت لموت ابن رسول الله، ماذا فعل رسول الله صلى الله عليه وآله، هذا شيء يخدم غرضه، لكن صلى الله عليه وآله صعد المنبر وقال: " أيها الناس إنّ الشمس والقمر آيتان من آيات الله، يجريان بأمره، ومطيعان له، لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا انكسفا، أو أحدهما صلـّوا "، ثم نزل من المنبر فصلى بالناس صلاة الكسوف وهي ما تسمّى بصلاة الآيات (1).
هذه واقعة متواترة، أجمعت عليها كتب السيرة والحديث لجميع الفرق الإسلامية، لا نجد حدثا أبلغ منها لشجب واستنكار صناعة الأساطير وإسقاطها على أحداث التاريخ مهما كانت الدوافع لذلك..... ما أعظم الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله ، وما أنقى سريرته: إنّ فكرة كسوف الشمس لموت ابنه، وإن كان من شأنها أن تقوّي من موقعه في قلوب الناس وتخدم أهدافه، إلاّ انّه صلى الله عليه وآله رفض أن يحصل على مزيد من النفوذ والمكانة في قلوب الناس من هذا الطريق.
لقد كان رفضه صلى الله عليه وآله لصناعة الأساطير والخرافات رفضا مبدئيا صاحبه منذ نعومة أظفاره. نتطرق لقصة أخرى كمثال ثان: تقول مرضعته حليمة السعدية رضوان الله تعالى عليها: لمّا تمّ له (أي رسول الله صلى الله عليه وآله) ثلاث سنين قال لي يوما: " يا أمّاه ما لِيَ لا أرى إخوتي نهارا ؟ " قلت له: يا بنيّ إنهما يرعيان غنيمات، قال: " فما لي لا أخْرُج معهما ؟ "، قلت له: تحبُّ ذلك ؟ قال: نعم. لمّا أصبح دهنته وكحّته وعلـّقت في عنقه خيطا فيه جزع يمانية (من التمائم الباطلة كانت تعلّق على الشخص في أيام الجاهلية لدفع الآفات عنه)..... ماذا فعل صلى الله عليه وآله وقد كان له من العمر الشريف ثلاثة سنين، تقول حليمة السعدية: فنزعها وقال لي: " مَهْلا يا أمّاه فإنّ معي من يحفظني " (2)..... اللهم صل على محمد وعلى آل محمد....
أعزائي، تُعتبر صناعة الأساطير والخرافات فعل غريب عن المنهج المحمّدي الأصيل، يرفضه العقل ويأباه الشرع وتتبرّأ منه السنّة النبوية المطهّرة.
هذا جواب للسؤال الأول الذي طرحناه في اللقاء الفارط، بالنسبة لسؤال ثان طرحناه سابقا:
كمثال على نفاذ الأسطورة إلى النصوص العاشورائية نذكر المبالغة في ذكر أعداد قتلى جيش عمر بن سعد على يد الإمام الحسين عليه السلام ، حيث أحصى الفاضل الدربندي خمسين ألف قتيل، بل – وفي بعض المواضع من كتابه - مائة ألف أو يزيدون (3)، بينما تحدث ابن عصفور البحراني عن رقم ثلاثمائة وثلاثين ألف قتيل (4)، أمّا من قـُتـِل على يد أبي الفضل العباس فقد بلغ خمساً وعشرين ألف قتيل غير المجروحين بيده (5)، وكذلك قتل سائر المستشهدين بين يدي الإمام عليه السلام من العترة الهاشمية خمسا وعشرين ألفا (6). حتى يتخلصوا من بعض الإشكاليات وقع هؤلاء المبالغون في مبالغتين إضافيتين :
- الأولى : عـُدّ جيش ابن زياد (460) ألفاً لم يبق منهم بعد انقضاء المعركة إلاّ ثمانون ألفا حسب ابن عصفور البحراني (7)، وكذلك رقم (500) ألف في بعض الروايات (8)، وأعجب من ذلك الرقم (1600000) (9)..... حتى أعطي للإخوة والأخوات فكرة على المعارك في الإسلام: أكبر معركة في الإسلام كانت معركة صفين.... كان جيش الإمام علي عليه السلام تعداده 90 ألف مقاتل، بينما كان جيش معاوية تعداده 85 ألف مقاتل، أي المجموع كان 175 ألف مقاتل ضجت بهم الصحراء.... لكثرة أعداد المقاتلين ولضيق المكان عليهم دامت المعركة 11 يوما، كان في كل يوم ينزل عدد محدد من المقاتلين من المعسكرين....
- الثانية : لمّا كانت شهادة الإمام الحسين عليه السلام عصر يوم العاشر من محرّم، ولمّا كان طول نهار ذلك اليوم لا يسع أعداد القتلى، وتبريرا لما نقلوه، أوقعوا أنفسهم في مبالغة أخرى تمثلت في تمديد الله في يوم العاشر وإطالته ليصير إثنين وسبعين ساعة (10). حجّتهم في ذلك أنّ الطف كان بحسب المصائب طوفان العالم فلا بدّ أن يظهر فيه خوارق العادات وأصول أنواعها ومعظم أصنافها (11)
يعلـّق الشهيد مرتضى مطهري، رضوان الله تعالى عليه، على هذه المبالغات في كتابه " الملحمة الحسينية " فيقول: " وقد قمت شخصيا بإحصاء مقدار الوقت اللازم لقتل هذا العدد، فلو أنّ الإمام لم يكن يعمل أي شيء سوى الضرب بالسيف وأنّ سيفه كان يحصد في كلّ ثانية أحد الأشخاص، فإنّ قتل هذا العدد الكبير كان سيحتاج إلى ثلاث وثمانين ساعة وعشرين دقيقة " (12)؛ كما يعلّق عميد المنبر الحسيني الدكتور الشيخ الوائلي، رضوان الله تعالى عليه، في كتابه " تجاربي مع المنبر " بأنّ ذبح عشرة آلاف دجاجة من قِبَل ذابح ماهر تستغرق حوالي خمسين ساعة، إذا افترضنا أنّ ذبح كلّ دجاجة يحتاج إلى ربع دقيقة " (13).
أعزائي، بعد دراسة تحقيقية وعلمية قمت بها، قادنا التحقيق الموضوعي والدراسة العلمية إلى أن الأساطير الغريبة والمبالغات لم تكن حاضرة في المقاتل التأسيسية ولا في كتب القرون الأولى. الحمد لله اطلعنا على عدد كبير من المقاتل..... المقاتل الأولى لم تكن تحتوي على مبالغات، ولم تكن تحتوي على أساطير غريبة.
كما قادنا التحقيق والتدقيق إلى أنّ بداية تسلـّل الأساطير الغريبة إلى النصوص العاشورائية كان منذ القرن العاشر للهجرة. ربـّما كان كتاب " روضة الشهداء " لكمال الدين حسين بن علي الواعظ الكاشفي (متوفى 910 هجري) من أوائل المصنفات التي اشتملت على الأساطير الغريبة وأسست لها، علما و أنّ المحققين المعاصرين لا يعتبرون " روضة الشهداء " كتابا تاريخيا بل مصنّفا أدبيّا اشتمل على حكايات تاريخية، أعان على تأليفه وانتشاره بعض الظروف الاجتماعية والثقافية التي كانت مسيطرة على المؤلّف (14)؛ ثم تلا " روضة الشهداء " كتاب "المنتخب في جمع المراتب والخطب " لفخر الدين الطريحي (متوفى 1087 هجري) والذي يُعتبر مجموعة روايات مثيرة للأحزان، دافعة للبكاء (15)، لكنها خالية من البحث والتدقيق. لا أريد أن أستعرض كل المصنفات، لكن دعوني أقول أن الطريحي، في منتخبه، كان أوّل من ذكر الأعداد الكبيرة لقتلى جيش بن زياد على يد الإمام الحسين عليه السلام وأنصاره؛ ثم تلاهما كتاب " تظلّم الزهراء من إهراق الدماء " لرضى بن نبي القزويني ( متوفى 1134 للهجرة)، ثم " محرق القلوب " للنراقي (متوفى 1211 هجري)، وصولا إلى كتاب " إكسير العبادات في أسرار الشهادات " للفاضل الدربندي.
سطرت في كتابي " الملحمة الحسينية في الذاكرة الجماعية " جداول تفصيلية تلخّص أهمّ الأساطير الغريبة الواردة التي احتوتها بطون المقاتل المتأخّرة زمنيا (مع ذكر الكتاب والكاتب والزمن) وتبين أن كلها بعد القرن العاشر للهجرة، دعوني أسرد إجمالا – رؤوس أقلام - بعض من هذه الأساطير الغريبة، أذكر ذكرا لا حصرا:
- قصّة عرس القاسم رضوان الله عليه يوم العاشر؛
- الإسراف في ذكر أعداد جيش عمر بن سعد حيث وصل إلى 460 ألف رجل، قتل منهم الإمام الحسين عليه السلام 330 ألف، وأبو الفضل العباس 25 ألف وبقية الأنصار 25 ألف، ولم يبقى منهم سوى 80 ألف؛
- تمديد الله في اليوم العاشر وإطالته ليصير أثنين وسبعين ساعة؛
- حضور السيّدة ليلى – أمّ علي الأكبر عليه السلام – في كربلاء وخروجها من الخيمة حافية الأقدام ومكشوفة الرأس عند شهادة ابنها؛
- حضور زعفر الزاهد سلطان الجنّ في كربلاء واستعداده لنصرة الإمام الحسين عليه السلام ورفض الإمام ذلك؛
- قصّة جواد الإمام الحسين عليه السلام الذي قصد الفرات ووثب وثبة فإذا هو في وسط الفرات ثم غاص ولم يعرف له إلى الآن خبر وأنه يظهر على يد القائم من آل محمد صلى الله عليه وآله؛
- قصّة شفاء البنت اليهودية بواسطة دماء الإمام الحسين عليه السلام على جناح الطير؛
- امتناع الجواد ذي الجناح عن المسير بالإمام عليه السلام إلّا أن يعده بالركوب عليه يوم القيامة عند الشفاعة للأمّة العاصية؛
وغيرها من القصص والأساطير تجدونها موثقة في الكتاب.
حتى نكون من المنصفين والموضوعيين، نشير إلى أنّه يمكن تقسيم هذه الأساطير المضافة إلى وقائع الملحمة الحسينية إلى عدة أقسام منها (ليس كل ما نسمعه من غريب نضعه في خانة الأسطورة.... حتى لا يساء الفهم):
- ما يصحّ الحكم عليها قطعا بأنّها مكذوبة ومختلَقة، وهي قصص قاصرة عن أن يألفها إنسان أو يـُدخلها في دائرة الاحتمالات البعيدة؛
- ما لا يصحّ الحكم عليها تلقائيا بأنّها مكذوبة ومفتعلة، بل هي مستبعدة لا تستند إلى دليل، أو أنّ دليلها ضعيف ومردود، وهذا النوع من الأساطير نضعه في خانة الإمكان ويحتاج إلى المزيد من التحقيق العلمي والتقصّي الموضوعي؛
- ما يمكن إثباته كرامة حُضي بها الإمام الحسين عليه السلام أو أحد من أصحابه، على أن لا تكون مافية لحكم شرعي.
قبل أن أختم، دعوني أستسمح الإخوة والأخوات في دقيقتين لأعطيهم مثلا فكرة حول ما قيل حول حضور السيّدة ليلى – أمّ علي الأكبر عليه السلام – في كربلاء.... دعوني أقرأ لكم ما قيل في بعض المصادر المعتبرة.حول حضور السيدة ليلة، رضوان الله تعالى عليها، في كربلاء، والقصة كما تعلمون تقرَأ في بعض المقاتل:
- الشيخ حسين النوري، رحمة الله تعالى عليه، في كتابه " اللؤلؤ والمرجان " يقول: ما تناوله الخطباء بأن الإمام حينما توجه علي الأكبر إلى ساحة القتال، توجه الإمام إلى السيدة ليلى وقال: " قومي واذهبي إلى خلاء وادعي لولدك، فإني سمعت من جدي أنه قال دعاء الأم في حق ولدها يُستجاب له.... "، يقول تمامه كذب؛
- نقرأ في " منتهى الآمال " للشيخ عباس القمي، رحمة الله تعالى عليه، صاحب " مفاتيح الجنان "، المجلد رقم 1، صفحة 294، :" ويبقى هنا سؤال وهو هل كانت أمه – أي أم علي الأكبر عليه السلام – حاضرة في كربلاء أو لا؟..... الظاهر عدم حضورها هناك، ولم أجد في الكتب المعتبرة شيئا، وأما ما أشتهر من أن الحسين عليه السلام جاء إلى أم علي الأكبر بعد ذهابه إلى الميدان وقال لها " قومي واذهبي إلى خلاء وادعي لولدك، فإني سمعت من جدي رسول الله صلى الله عليه وآله يقول دعاء الأم في حق ولدها يُستجاب له.... " فإنه كذب محض من أوله إلى آخره كما قاله شيخنا (ويقصد الشيخ حسين النوري)"؛ - الكلام للشيخ عباس القمي، رحمة الله تعالى عليه؛
- نفس الكاتب الشيخ عباس القمي، رحمة الله تعالى عليه، في كتابه " نفس المهموم " ص 286 يقول ما نصه: " وأما أمه هل كانت في كربلاء أو لا؟ لم أضفر بشيء من ذلك والله العالم ".
المصادر كثيرة، دعوني أضيف مصدرين فقط:
- المرجع الكبير السيد علي السيستاني، حفظه الله، في كتاب " الاستفتاءات "، ص 536، يُسأل سؤال: " ما هو رأيكم في حديث زواج القاسم وحضور ليلى في كربلاء، هل هو ثابت أم لا؟... وإذا لم يكن ثابتا فما هي الطريقة التي يمكن أن تُطرح فيها هذه المصيبة دون أن تؤدي إلى الكذب "، الجواب – يجيب حفظه الله – يقول: " غير ثابت، ولا يجوز إسناد ما لم يثبت إليهم عليهم السلام ولا مصحح له ".
أعزائي، أنا لا أريد أن أشكك فيما تعودنا على سماعه، لكن أريدكم أن تحققوا وتدققوا في كل ما تستمعون إليه.
- المرجع الكبير السيد علي الخامنائي، حفظه الله، مصرع علي الأكبر مسموع بصوته ولم يذكر فيع حضور السيدة ليلى رضوان الله تعالى عليها في كربلاء.
هذا أعزائي مثال..... أخذت حضور السيّدة ليلى، رضوان الله تعالى عليها، في كربلاء يوم العاشر من محرم كمثال، وإلا فإن الأمثلة كثيرة
دعونا نختم بسؤال جوهري ومُلحّ يطرح نفسه في هذا المجال:
- هل تحتاج الملحمة العاشورائيّة إلى الأسطورة حتى تستمرّ في خلودها وانتشارها في المجتمعات وعبر الأزمنة والعصور؟ .....
- هل تـُقدّم الأسطورة للفكر العاشورائي خدمة أم أنّ الضرر الناتج عنها أكثر من نفعها لهذا الفكر؟
إذا انطلقنا من التعريف القائل بأنّ الأسطورة حدث تاريخي يُصار إلى تضخيمه لتأبيده (16)، وجب علينا وضع كلمة " تضخيم " تحت مجهر التحليل، لأنّ هذه الكلمة (تضخيم) توحي بإعطاء صورة غير دقيقة للحدث، بل صورة خاطئة وغير صحيحة، وهذا أمر مـُشين لحركة ربانية أظهرتها القدرة الإلهية لتكون نبراسا للبشرية ومنارة يستنير بها كلّ باحث عن الحرية في وجه الاستبداد، وكلّ طالب للعدالة في وجه الظلم، وكلّ مناد بالإصلاح في وجه الفساد.
وإذا أخذنا بعين الاعتبار تعريف آخر للأسطورة الذي يقول بأنها شحنة روحية وجودية تخالف العقل (17)، فإن ذلك أيضا أمر مُهين للملحمة الحسينية التي لم تنفصل عن العقلانية ولم تبتعد عن الواقعية، بل كانت استجابة صادقة وشجاعة لتحديات واقعها، رفضت الذلّ والاستكانة ورفعت شعار المقاومة والتغيير والإصلاح بكلّ واقعية وعقلانية. فالملحمة الحسينية حركة ربانية بكلّ تأكيد، بطولية بلا جدال، عقلانية بامتياز، واقعية بكلّ وضوح، نموذجية بلا نقاش....
لم تقدّم الأسطورة المصطنعة أي خدمة للفكر العاشورائي، بل أساءت إليه: أبعدت الناس عنه، جعلته محلاّ للاستهزاء، وجرّدته من عنفوانه ونقاءه؛ ذلك أنّ عاشوراء الإمام الحسين عليه السلام هي أكبر المعالم الثقافية الشيعية، كما أنّ جلّ العامّة من المدارس الأخرى لا يعرفون مدرسة أهل البيت عليهم السلام إلاّ عبر الثقافة العاشورائية ولا يُقيِّمون فكر مدرسة أهل البيت عليهم السلام إلاّ في ضوئها. فكلّ باحث من خارج دائرة مدرسة أهل البيت عليهم السلام إذا أراد تقويم الثقافة الشيعية فإنّ نظره سيرتكز أوّلا على ما يحدث في المراسم العاشورائية، ولنا أن نتصوّر الانطباعات التي تحصل لكلّ من يُصدَم بكمّ هائل من الخرافات والأساطير الزائفة ومجموعة كبيرة من الممارسات التي يرفضها العقل السليم وتنهى عنها الشريعة الغرّاء!!
إذن لم تقدم الأساطير شيئا إلى الفكر العاشورائي، بل بالعكس يكون ضررها أكثر من نفعها.
أسأل الله أن أكون قد وفِقت في تقريب مسألة الأسطورة وتسللها إلى الفكر العاشورائي.
ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم وجد علينا إنك أنت الجواد الرحيم....
اللهمّ أرزقنا شفاعة الحسين يوم الورود، وثبت لنا قدم صدق مع الحسين وأصحاب الحسين الذين بذلوا مهجهم دون الحسين عليه السلام. اللهم كما صدقوا اجعلنا من الصادقين، وكما أخلصوا اجعلنا من المخلصين، وكما جاهدوا اجعلنا من المجاهدين. السلام عليك يا سيدي ومولاي يا أبا عبد الله وعلى الأرواح التي حلت بفنائك، عليك مني سلام الله أبدا ما بقيت وبقي الليل والنهار ولا جعله الله آخر العهد مني لزيارتكم. السلام على الحسين، وعلى علي بن الحسين، وعلى أولاد الحسين وعلى أصحاب الحسين. السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته
(1) : بحار الأنوار، ج 91، ص 155
(2) : بحار الأنوار، ج 15، ص 392
(3) : " أسرار الشهادة "، الفاضل الدربندي، ص 418
(4) : " أسرار الشهادة "، الفاضل الدربندي، ص 346
(5) : " أسرار الشهادة "، الفاضل الدربندي، ص 346
(6) : " أسرار الشهادة "، الفاضل الدربندي، ص 346
(7) : " أسرار الشهادة "، الفاضل الدربندي، ص 417 - 418
(8) : " أسرار الشهادة "، الفاضل الدربندي، ص 417 - 418
(9) : " أسرار الشهادة "، الفاضل الدربندي، ص 417 - 418
(10) : " أسرار الشهادة "، الفاضل الدربندي، ص 417 - 418
(11) : " أسرار الشهادة "، الفاضل الدربندي، ص 417 - 418
(12) :" الملحمة الحسينية "، الشهيد مرتضى مطهري، تحقيق ومراجعة عبد الكريم الزهيري، ج 1، ص 30 - 31، المطبعة : شريعت، الطبعة الأولى 2009
(13) : " تجاربي مع المنبر "، أحمد الوائلي، ص 106، دار الزهراء - بيروت
(14) : انظر كذلك : " دراسة حول المقاتل والمصنفات العاشورائية منذ بدايتها إلى عصرنا الحاضر "، الأستاذ " محسن رنجبر " – أستاذ مساعد في مؤسسة الإمام الخميني قدس سره للتعليم والبحوث، قم المقدسة
(15) : راجع المصدر السابق
(16) : راجع مقال " آفاق – موقعية الأساطير وتأثيرها في المعتقدات الدينية http://aafaq center.com
(17) : راجع المصدر السابق