الكون حي ناطق
الدكتور محمد الصادق بوعلاق
أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمان الرحيم، الحمد لله رب العالمين. " الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا. قيما لينذر بأسا شديدا من لدنه ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا حسنا. ماكثين فيه أبدا. وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا. ما لهم به من علم ولا لآبائهم. كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا " (الكهف : 1 - 5) وأصلى وأسلم على سيد الأنبياء والمرسلين وقائد الغر المحجلين المبعوث رحمة للعالمين، وقدوة للسالكين، ونبراسا للصادقين، سيدنا ومولانا، وطبيب قلوبنا، ونور أبصار عيوننا، وشفيع ذنوبنا أبي القاسم محمد، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد.
السلام عليك يا سيدي ومولاي يا رسول الله، السلام عليك يا حبيب الله، السلام عليك يا نجيّ الله، السلام عليك يا صفيّ الله، السلام عليك وعلى آل بيتك الطيبين الطاهرين.
أريد أن أبحر مع الإخوة والأخوات هذه الليلة في رحلة عرفانية معرفية تساعدنا على الحضور مع الله سبحانه وتعالى.....
عنوان البحث الذي أريد أن أطرحه هذه الليلة : " الكون حي ناطق "
ليس المراد بالكون – فيما أقصد - الكواكب والشموس والمجرات فقط (ليس المقصود منه ما نسميه بالفرنسية cosmos - univers) بل المراد منه كل الوجود.... كل ما خلق الباري جل ثناؤه من عوالم علوية وسفلية
إذن : " الوجود حي ناطق "
ليس المراد بالنطق الكلام..... علينا أن نفرق بين النطق والكلام والقول.... النطق غير الكلام وغير القول، والكلام غير القول وغير النطق....
سنة 2004 صدر لي كتاب بعنوان : " مصباح الأنوار – لمعرفة كنه النطق والكلام، ومكنون القول واللغة والحوار، وحقيقة النفس وتخليصها من الأوهام "
حقيقة الخوض في كنه النطق يتطلب منا ليالي ذات عدد، لكن نجلي – في هذه المقدمة – بعض من هذا المفهوم بما يستلزم بحثنا هذه الليلة....
أعزائي، ليس المراد بالنطق استعمال اللسان لإحداث الأصوات والتلفظ بالعبارات، بل النطق كما يعرفه أبو حامد الغزالي في كتابه المعارف العقلية: " تمكّن النفس الإنسانية من العبارة عن الصورة المجردة المتقررة في علمه، المنفردة في عقله، المتبرئة من الأشكال، المعراة عن الأجسام والمثال "
يعكس النطق مطلق التفكير، وقدرة النفس على تصور صور مجردة متبرئة عن الشكل معراة عن المثل، ويعكس تمكين الذهن في التفكير في تلك الصورة...
إذا كان النطق كذلك، فإن الكلام – في حق الإنسان – هو إعطاء تلك الصورة المجردة عبارات منظومة ومسميات مفهومة، دون لفظ عبارة ولا إحداث إشارة ولا تقطيع صوت....
مادام المعنى الروحاني مركوز في الذهن، مستور في غياهب الفكر سمي نطقا، فإذا خرج من تجريده وانتظم في تشكيله وتم في تركيبه وتعبيره سمي كلاما، وإذا تحركت بألفاظه الشفاه، ولفظت عباراته الألسن سمي قولا....
دعونا نعيد شرح هذا المطلب بعبارات أخرى:
المعنى الروحاني المجرد إذا اتصل بالنفس، وانتقش في غياهب العقل، وانطبع في مرآة القلب يكون نطقا. والنطق إذا خرج من تجريده وتم في تركيبه، واكتمل في تشكيله، وأعطي عبارات منظومة، ومسميات مفهومة يكون كلاما. والكلام إذا جرى على اللسان، ولفظته الشفاه، وتحركت به الأفواه، وأحدثت عباراته الأصوات يكون قولا.
أسأل الله أن أكون قد توفقت في بيان هذا المطلب ولو بصيغة إجمالية، لنعد إلى موضوعنا الرئيس
أعزائي ......
ما خلق الله سبحانه وتعالى شيئا في الكون إلا حيا ناطقا، جمادا كان أو نباتا أو حيوانا أو غير ذلك، من عمار العوالم العلوية والسفلية. كل ما في الوجود حي ناطق حي مدرك.... علامة حياته ونطقه وإدراكه تسبيحه وخشوعه وسجوده.
لنأخذ بعض الشواهد القرآنية:
- يقول سبحانه وتعالى في محكم تنزيله من جملة ما يقول: " تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن. وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم. إنه كان حليما غفورا " (1).... هل يسبح لله تعالى من لم يكن حيا ولا عاقلا ولا عالما بمسبحه؟....
- " لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله. وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون " (2) .... هل يخشع ويتصدع من خشية الله من يجهل عظمة الباري ولا يعلم قدره وقدرته، والله يصف العلماء بالخشوع حيث يقول: " إنما يخشى الله من عباده العلماء " (3) ؟ ....
- " إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان. إنه كان ظلوما جهولا " (4) .... هل يأبى حمل الأمانة ويشفق منها من لا يعلم قدرها ولا يعرف مصير من لم يحافظ عليها؟ ....
- " ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس " (5) هل يسجد لله تعالى من لم يبلغه أمره ولم يسمع قوله تعالى بالكلام اللائق بجلاله؟ ....
لقد سرى سر الحياة الإلهية في الوجود، وشمل كل موجود، منة من الوهاب الودود، ودليلا على الكرم والجود. فما ثمة موجود إلا وهو حي، لأن وجوده عين حياته، وحياته بحياة الحق تعالى. وما ثمة حي إلا وهو ناطق، لأن نطقه غاية حياته، ونطقه بفيض الباري سبحانه. وهذه الحياة في كل الموجودات ذاتية لأنها عن تجل إلهي، أوجد الله سبحانه الموجودات لعبادته ومعرفته، ودوام تجليه عليها أعطاها حياة ذاتية دائمة.
لولا أن الباري تجلى عليها في مجلى العلم الوهبي ما كانت عالمة ولا ناطقة ولا مسبحة ولا مثنية على الله موجدها؛ إلا أن الله تعالى أخذ بأبصار عموم عباده عن إدراك هده الحياة المبثوثة وهذا النطق الساري في جميع الموجودات. فمن الموجودات ما ظهرت علامات حياتها للأبصار وتجلت خصائصها للعيان، ومنها ما أخذ الله عنها الأبصار وغيب عنها الأفهام في الدنيا، إلا عن بعض خواصه من خلقه. فما بطنت علامات حياته واحتجبت عن الإدراك، واستترت عن الحواس سمي جمادا ونباتا وغير ذلك .... وما ظهرت علامات حياته وبانت للإدراك وتجلت للحواس سمي حيوانا. والكل قد عمته الحياة فنطق بالثناء على خالقه نطق معرفة وإدراك، من حيث سمعنا ومن حيث لم نسمع. فما بقي جماد ولا نبات ولا حيوان ولا ملك ولا رطب ولا يابس، بل ولا معنى ولا صورة ولا خاطرة ولا مخيلة ولا فعل .... لم يبق شيء إلا سبح للباري جل وعلا وأثنى عليه، تسبيح وثناء بلسان المقال والحال .... تسبيح معرفة وإدراك، وثناء خضوع وإطلاع.
لقد أخذ الله عز وجل بأسماع عامة الناس عن تسبيح الجماد والنبات والحيوان، كما أخذ أيضا بأبصارهم عن إدراك حياة الجماد والنبات، إلا لمن خرق له العادة، كالرسول الأكرم عليه وآله الصلاة والسلام ومن حضر من أصحابه حين أسمعهم تسبيح الحصى وحنين الجذع. فقد صح أن الحصى سبح في كفه الشريفة، كما صح حنين الجذع إليه. وخرق العادة ليس في التسبيح والحنين و القول، بل في تعلق أسماع البشر بذلك؛ فكل ما خلق الله تعالى لم يزل مسبحا، ممجدا، مثنيا، عابدا، تسبيحا وعبادة تليق بعظمته تعالى.
ثم إنه قد ثبت في القرآن الكريم حديث نبي الله سليمان عليه السلام مع الهدهد وكلامه مع النمل، وكذلك تسبيح الرياح لنبي الله داود عليه السلام. كما ثبت أيضا خطاب الإمام علي ابن أبي طالب عليه السلام للثعبان على منبر الكوفة وحديثه معه بلسان الفصحاء، وخطابه للذئب وكلامه للجمجمة بالنهروان وقد نخرت عظامها وبليت. وأثر عن الرسول الأمجد صلى الله عليه وآله وسلم قوله في شأن جبل أحد: " هذا جبل يحبنا ونحبه " كما أثر عنه أيضا قوله: " إني لأعرف حجرا بمكة كان يسلم علي قبل أن أبعث "، وكذلك: " يشهد للمؤذن مدى صوته من رطب ويابس "، وأيضا: " وما من دابة إلا وهي مصيخة يوم الجمعة شفقا من الساعة " .
إذا علمت هذا فاعلم أيضا أن أعضاء جسد الإنسان كالآلة للنفس الناطقة. كل الأعضاء جنود مجندة وضعهم الباري تحت إمرة الإنسان لإخراج ما أضمرت ذاته، وبيان ما بينت حقيقته، وكشف ما تعلقت به نيته وإرادته. وللنفس الناطقة في هذه الدنيا حكم وإمارة على جميع الأعضاء والجوارح من عين وأذن ولسان ويد ورجل وبطن وفرج وقلب .... والإنسان مكلف بحسن تدبير شؤون مملكته، ومسؤول عن إقامة العدل بين رعيته، لأن الحق تعالى أعطاه القيومية على كل عضو، ورسم له الحدود وخط له الخطوط
لكل عضو من الأعضاء البدنية حياة ذاتية خاصة، وهذه الحياة صفة نفسية لذلك العضو، بها قبل تجليات ربه عليه، وبها علم ونطق وعبد، وبها يسبح ربه دائما دون فتور ولا لغوب، وبعين تلك الحياة الذاتية، التي أخذ الحق بأبصار وبصائر عامة الخلق عنها، تشهد الأسماع والأبصار والجلود حين يحضرها الرب الودود لإقامة العدل يوم الخلود. يقول الحق سبحانه: " ويوم يحشر أعداء الله إلى النار فهم يوزعون. حتى إذا ما جاءوها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون. وقالوا لجلودهم لما شهدتم علينا. قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء وهو خلقكم أول مرة وإليه ترجعون " (6) وقال أيضا: " اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون " (7) .
سبحان ربي، ما أغرب ما في الإنسان؛ تتمرد ذاته وتتجنى حقيقته، وتسبح أعضاءه وتطيع جوارحه. ما من بشر يروم مخالفة الحق إلا وتتأذى أعضاءه وتستنفر وتتوسل بلسان الحال والمقال أن لا يستعملهم في معصية الديان، وأن لا يجعلهم سببا في هلاكه، لأنهم إذا أشهدهم الحق تعالى شهدوا، وإذا أنطقهم تكلموا. فمن حق الجسد والجوارح على النفس أن لا تحركهم إلا في طاعة الله تعالى، وأن لا توظفهم إلا في خدمة الحق.
أعزائي، عبادة الموجودات، سوى الثقلين، لله تعالى دائمة مستديمة بدوام تجلي الباري عليها، وتسبيحها، عندي، تسبيح مقال وحال.
أما تسبيح المقال فهو تعظيمها لبارئها عز وجل وتنزيهها له بلسان فصيح ولفظ صريح وبلغات ولكنات مختلفة باختلاف حقائقها وأجناسها؛ يقول الله تعالى: " وورث سليمان داوود وقال يا أيها الناس علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شيء. إن هذا لهو الفضل المبين. وحشر لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير فهم يوزعون حتى إذا أتوا على واد النمل قالت نملة يا أيها النمل أدخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون. فتبسم ضاحكا من قولها وقال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين" (8) .... للطير منطق، وللنمل قول .... وأثر عن الرسول الأكرم عليه وآله الصلاة والسلام أنه تكلم مع الذئب والجمل، وخاطب الطير والجبل، والكلب والشجر .... بلسان فصيح، تصريح لا تلميح.
لنأخذ مثالا على ذلك ذكرا لا حصرا. حدث الشيخ أبو عبد الله بن حامد الفقيه في كتابه "دلائل النبوة" بحديث طويل السند ويعود إلى غنيم ابن أوس قال : "كنا جلوسا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ أقبل بعير يعدو، حتى وقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم. فرغا.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :"أيها البعير أسكن، فإن تك صادقا فلك صدقك، وإن تك كاذبا فعليك كذبك، مع أن الله تعالى قد أمن عائذنا، ولا يخاف لائذنا ",
قلن:ا يا رسول الله.. ما يقول البعير ؟
قال :" هذا بعير هم أهله بنحره، فهرب منهم فاستغاث بنبيكم "
فبينما نحن كذلك، إذ أقبل أصحابه يتعادون، فلما نظر إليهم البعير، عاد إلى هامة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فقالوا : يا رسول الله هذا بعيرنا هرب منا منذ ثلاثة أيام، فلم نلقه إلا بين يديك.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يشكو مر الشكاية "
فقالوا: يا رسول الله ما يقول ؟
قال: " يقول إنه ربي في إبلكم جوارا، وكنتم تحملون عليه في الصيف موضع الكلأ، فإذا كان الشتاء رحلتم إلى موضع الدفء ".
فقالوا: كان ذلك يا رسول الله.
فقال: " ما جزاء العبد الصالح من مواليه ؟ ".
قالوا: يا رسول الله فإنا لا نبيعه ولا ننحره.
قال: " فقد استغاث فلم تغيثون، وأنا أولى بالرحمة منكم، لأن الله نزع الرحمة من قلوب المنافقين، وأسكنها في قلوب المؤمنين ".
فاشتراه النبي صلى الله عليه وسلم بمائة درهم، ثم قال: " أيها البعير انطلق فأنت حر لوجه الله ".
فرغا على هامة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " آمين ".
ثم رغا الثانية
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " آمين ".
ثم رغا الثالثة
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " آمين ".
ثم رغا الرابعة، فبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فقلنا: يا رسول الله .. ما يقول هذا البعير ؟
قال: " يقول: جزاك الله أيها النبي عن الإسلام والقرآن خيرا. فقلت: آمين. فقال: سكن الله رعب أمتك يوم القيامة كما سكنت رعبي. قلت آمين. قال: حقن الله دماء أمتك من أعدائها كما حقنت دمي. قلت: آمين. قال: لا جعل الله بأسها بينها، فبكيت وقلت: هذه خصال سألت ربي فأعطانيها ومنعني واحدة، وأخبرني جبريل عن الله أن فناء أمتك بالسيف، فجرى القلم بما هو كائن ".
وأما تسبيح الحال فله من المظاهر ما لا يحصرها حد، ولا يتناهى له عدد، ولا يسعها إدراك لوسع أسماء الله الحسنى وصفاته العليا وأفعاله الحكيمة وتجلياته الجليلة. فتسبيح الموجودات لله تعالى من حيث إسمه الحي مثلا هو عين وجودها بحياتها، وتسبيحها له من حيث إسمه العليم هو دخولها تحت علمه، وتسبيحها له من حيث إسمه القدير هو دخولها تحت قدرته، .... وقس على ذلك باقي الأسماء والصفات والأفعال والتجليات.
وعباد الرحمان في شأن نطق وتسبيح الموجودات على ثلاثة أوجه : منهم من كشف لهم الحجاب فرأوا الأمور بالعينين وشهدوا النجدين، وأولئك أصحاب الكشف والشهود، وحدوا الله توحيد أهل الأسرار. ومنهم من رزق الإيمان فصدق وأقر بذلك لأن كله من عند الله، وأولئك أصحاب الإيمان، وحدوا الله توحيد أهل الإقرار. ومنهم من حجبت أبصارهم وبصائرهم عن المشاهدة وحرموا الإيمان، وأولئك أهل النظر وعبيد العقول، وحدوا الله توحيد أهل الأفكار الواقفون مع الإعتبار. يقول أهل الشهود سمعنا ورأينا، ويقول أهل الإيمان آمنا وصدقنا، ويقول أهل النظر ما سمعنا ولا رأينا ولا صدقنا حتى نحكم العقول ونمعن الرسوم، ونسترشد الإفهام لنستخلص ما يمكن أن يكون بالإمكان.
ما سر اختلاف نطق وعبادة الثقلين على نطق وعبادة ما سواهما من الموجودات ؟
اعلم أنه لما كانت صفات الباري جل ثناؤه حاملة لجانبي الجبروت والرحموت، وحاوية لشقي القهر واللطف، وفي ذلك كمال ما بعده كمال، كان تجليه تعالى لإيجاد الثقلين مختلفا عن تجليه لإيجاد سائر الموجودات الأخرى.
توجه تعالى على إيجاد سائر الموجودات بتجليه الأقدس عليها من حيث أسماء الجبروت والكبرياء، والعظمة والقهر، فخرجوا أذلاء تحت هذا القهر الرباني، مصطلمين بهذا الجلال الصمداني .... خشع أبصارهم، نواكس أذقانهم، مهطعي رؤوسهم .... ثم إنه سبحانه أشهدهم كشفا ودون حجاب كيف أن نواصيهم جميعا بيديه، وبواطن سرائرهم بين إصبعيه، وعرفهم أنهم في قبضة الأخذ محصورين، ولأزمة أمورهم غير مالكين، ولخفايا الأقدار غير متصرفين؛ فعبدوا ربهم عبادة فطرية ذاتية، وما فتروا عن تسبيحه تعالى، ولا سئموا من تقديسه، ولا استحسروا من عبادته، وما شغلهم عن تمجيده الشهوات، ولا قطعهم عن تعظيمه سهو الغفلات.
أما الثقلين فقد توجه على إيجادهم بتجليه الأقدس عليهم من ناحية أسماء اللطف والرحمة، والحنان والرأفة، فخرجوا ولم يروا صفة قهر، ولا جناب عزة، ولا جهة كبرياء. خرجوا وفي نفوسهم طمعا للكبرياء، وحبا للخلود وللظهور، وجرأة على معصية الأمور؛ وفي طبائعهم ميل للشهوات، وتوجه نحو النزوات، ومكان لسهو الغفلات.
ألم تر أن الله تعالى حين استوى الاستواء الأقدس وتوجه إلى السماء وإلى الأرض بالخطاب قال في شأنهما : " ثم استوي إلى السماء وهي دخان. فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها. قالتا أتينا طائعين. فقضاهن سبع سماوات في يومين وأوحى في كل سماء أمرها " (9). علمت السماء والأرض أنها إن لم تجب الداعي اختيارا أجبرت على الإتيان اضطرارا، فيؤتى بها كما جيء بجهنم، لذلك لبتا وأجابتا وقالتا: " أتينا طائعين ". لكن حين تكلم سبحانه في شأن الثقلين قال: " وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون " (10). ما جبل الثقلين على طاعة الأمر الرباني دون معصية مثل بقية المخلوقات، لذلك نبه الله تعالى على أن الغاية من خلق الثقلين هي العبادة. فقال: " إلا ليعبدون "، وفي قراءة أخرى لابن عباس " إلا ليعرفون "، أي ليعرفوا مقامي وليكونوا أذلاء بين يدي. فمن تنبه إلى هذه الحقيقة كان من الكثير الذي يسجد لله تعالى، ومن لم يتنبه كان ممن حقت عليه كلمة العذاب، يقول سبحانه وتعالى: " ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس " (11).
ما سوى الثقلين في محل كشف مستمر وإطلاع دائم للغيوب الإلهية المستورة. أما الإنس والجن، في هذه الدنيا, فمحجوبين عن إدراك الغيب الإلهي وعن مشاهدة ما أستتر عن الإحساس. محجوبون بعدة حجب. لا يطلع أحد من الإنس والجن على ذلك الغيب إلا بكرامة يكرمها به الله تعالى، أو منة يمنها عليه.
المؤمن بإيمانه، والمحسن بإحسانه, والموقن بيقينه .... يستطيع كل منهم أن يتخطى جل أو بعض الحجب، ولا يكون ذلك إلا بالمجاهدة والرياضة – والرياضة رياضتان: رياضة أدب ورياضة طلب -. إذا فعل الإنسان ذلك ، ونجح فيه، وتخلص من أسر العوالق، ترك الله قالبه واصطفى منه قلبه، ونوره بالإيمان، فوسع ذلك القلب جلال الحق، وخرقت له العادات، وعاين جميع الممكنات ليس في حال وجودها فقط، بل وكذلك في عدمها وفي حال ثبوتها؛ ورفع الله عبده فوق كل الموجودات، وقربه إليه ونفى عنه المسافات، وجعله خليفة على كل المخلوقات، وأطلعه على كل الغيوب وأعطاه المنن والكرامات. أما سمعته سبحانه حين يقول في حديثه القدسي ما معناه: " ما وسعني أرضي ولا سمائي ولكن وسعني قلب عبدي المؤمن ".
إذن أعزائي، كل ما في الوجود حي ناطق، مسبح لله، مدرك لعظمته ولجلاله.
اللهم نسألك بحق محمد وآل بيت محمد أن تنور بالصلاة على محمد وآل محمد قلوبنا، وتصح بها أبداننا، وتدفع بها عنا كل بلاء.... اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما.... اللهم اجعلنا ممن يعلمون فيعملون، وممن يعملون فيخلصون، وممن يخلصون فيقبلون، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وصلى الله على محمد وأل بيته الطاهرين.
(1) : الإسراء : 44
(2) : الحشر : 21
(3) : فاطر : 28
(4) : الأحزاب : 72
(5) : الحج : 18
(6) : فصلت : 18 - 21
(7) : يس : 65
(8) : النمل : 16 - 19
(9) : فصلت : 11 - 12
(10) : الداريات
(11) : الحج : 18