العلم والتعلّم
الدكتور محمد الصادق بوعلاق
أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمان الرحيم، الحمد لله رب العالمين. " الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله لقد جاءت رسل ربنا بالحق " (الأعراف : 43) وأصلى وأسلم على سيد الأنبياء والمرسلين وقائد الغر المحجلين المبعوث رحمة للعالمين، وقدوة للسالكين، ونبراسا للصادقين، سيدنا ومولانا، وطبيب قلوبنا، ونور أبصار عيوننا، وشفيع ذنوبنا أبي القاسم محمد، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد.
سيكون مدار كلامنا، إن شاء الله تعالى في هذا اللقاء المبارك حول العلم والتعلم.
كيف نعرِّف العلم ؟.... ما هي أنواعه ؟.... ما هي وسائله ؟.... ما هي مصاديقه ؟....
أسئلة جوهريـّة تبدو في ظاهرها سهلة الإجابة إلا أنها تشكـِّل – في نظري – تحديا معرفيـّا كبيرا داخل منظومة المعارف الدينيـّة.
الخوض في العلم والمعلوم، والحديث عن النظر والإدراك، والكلام في الفكر والوجـْد، والتحقيق في العقل والكشـْف والكسْب والوهْب وغيرها من المفاهيم الجليلة – ذات الصلة بالموضوع – مباحث شريفة، ومطالب جليلة ذيلها طويل، قاعها عميق وجواهرها نفيسة؛ أقف على بعض منها – في هذا اللقاء المبارك بقدر ما يسمح به الوقت - وبقدر الاستعداد مع قـِلـّة الباع وقـِصر الاطـّلاع.
منهج البحث الذي سنسلكه – إن شاء الله تعالى - منهج قرآني - عـِرْفاني خالص بعيد عن الفلسفة والتفلسف، والمنطق والتمنطق وغيرها من فروع المعارف النظريـّة الأخرى، منهجنا ينطلق من القرآن الكريم، يستنطق آياته الشريفة، يستأنس بطرح العرفاء الأجلاء، يـُجـَلـِّي المفاهيم، يؤصـِّلها ويكشف مصاديقها ثم يعود إلى القرآن الكريم للتثبـّت واستخلاص الخلاصات.
سؤالنا الأول – أعزائي – كيف نعرف العلم؟
كيف نـُعرِّف العلم ؟....
يمكن أن نـُعرِّفه بأنه نعت وصِفـة، بل أشرف نعت يمكن أن يناله الإنسان، وأجلّ صِفـة بها نجاته.
بكلمات موجزة نلتقط التعريف من الشيخ الأكبر محي الدين بن عربي، قدس سره، حيث يقول في " الفتوحات المكيّـة " (ج 1، ص 91 – 92)، ما يلي: " .... فإن قيل لك فما هو العلم، فقل درْك المـُدْرَك على ما هو عليه في نفسه إذا كان درْكه غير ممتنع، وأما ما امتنع دركه فالعلم به هو لا درْكه .... "(1).
بالرغم من هذا التعريف يبقى مفهوم العلم مُحاطا بهالة من الغموض لأنه حالة وجدانيّة، محسوسة باطنيّة لا ظاهريّة، من قِبَل الجوع والعطش، والشبع والريّ. فنحن مثلا لا ندرك الجوع بصيغة محسوسة ظاهريـّة، وكذلك لا ندرك العطش بصيغة محسوسة ظاهريـّة، بل ندرك أثر الجوع وأثر العطش.... ندرك أن الأكل أثر الجوع، والشرب أثر العطش، كما ندرك أيضا أن الشبع أثر رفع الجوع، والريّ أثر رفع العطش. خلاصة المقال في تعريف العلم تتمثل في الحقيقة المهمـّة التالية: بما أن " العليم " من أشرف الأسماء الإلهيـّة، ومن أجلّ الصفات الربانيـّة، وجب علينا وضـْع العلم في مقام أفضل الكمالات وأعظم الفضائل، ببركته ينتظم نظام الوجود، وبجلاله يتميـّز الغيـْب عن الشهود (2).
أشار القرآن الكريم في آيتين جليلتين إلى نوعين من العلم يمكن تحصيلهما بطريقتين مختلفتين من التعلـّم :
- النوع الأوّل أشارت إليه آية جليلة من سورة النحل حيث يقول الحق تعالى: " وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ۙ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ " (النحل : 78)؛
- النوع الثاني أشارت إليه آية شريفة من سورة الكهف تصف سـِنـْخـِيـّة علم الرجل الصالح (سيدنا الخضر عليه السلام) الذي التقى به نبيّ الله موسى عليه السلام حيث يقول الحق تعالى: " فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا " (الكهف : 65).
السنخ الأول من العلم يمكن إدراك أثره بالصيغة التالية: يخرج الطفل من بطن أمّه جاهلا لا يعلم شيئا، فيهيّء له الحق سبحانه وتعالى وسائلا لكسب العلم، وأدوات لتحصيله. هذه الأدوات الأساسيّة – كما وردت في الآية المباركة – تتمثل في السمع، والأبصار والأفئدة. عبـّر ساداتنا العلماء عن هذا النحو من العلم بالكسـْبي (نسبة إلى الكسـْب)، الاكتسابي (نسبة إلى الاكتساب)، الحصولي (نسبة إلى التحصيل) أو الرسومي (نسبة إلى الرسوم) وغير ذلك من الاصطلاحات.
إذن سمعت أيها العزيز، وإذا سمعتي أيتها العزيزة بالعلم الكسْبي، أو العلم الاكتسابي، أو العلم الحصولي، أو العلم الرسومي، وغير ذلك من المصطلحات فهو هذا السنخ الأول من العلم.
لا يهمـّنا الاصطلاح بل كلّ ما يعنينا أنه سـِنـْخ من التعليم يحتاج الكسب والنظر وبذل الجهد، بمعنى أنه على كلّ من يريد تعلـّم هذا النوع من العلم أن يذهب إلى الدرس يجلس.... يستمع.... يبصر.... يطالع.... يـُعـْمـِل الفكر.... ويبذل الجهد....
النوع الثاني من العلم عبـّر عنه الخطاب القرآني الجليل ﺒ " علـّمناه من لدنـّا علما "، وأشار إليه الجمهور ﺒ " العلم اللدنـِّي "، وهو نحو من العلم لا يحتاج إلى كسـْب، ولا نظر، ولا بذل جهد بل يكون من لدن الحق تعالى دون مقدّمات ولا سعي إنساني، كما لا يتوقف على زمان ولا على مكان ولا على معلـّم. عبـّر ساداتنا العلماء على هذا النوع من العلم بالوهْبي، الرباني، الإرثي الباطني وغيره من المصطلحات التي تحوم حول مفهوم أن هذا النوع من العلم هـِبة ربانيـّة وعطاء رحموتي يمتن به الله تعالى على من يشاء من عباده.
خلاصة المقال في أنواع العلم هو ما تتبناه نظرية المعرفة حيث ترى أن العلم الكسـْبي – الحصولي يكون بالتعليم الإنساني على التدريج، مع نصب قوي، وجهد جهيد، وتعب شديد في مدة طويلة نسبيـّا. أمـّا العلم الإرثي - الوهـْبي – كما تراه نظرية المعرفة - فيكون تحصيله بالتعليم الرباني المباشر، بالتدريج تارة وبغير التدريج تارة أخرى، لكن مع رَوْحٍ ويـُسـْرٍ وراحة في مدة يسيرة قصيرة نسبيّا.
يمكن لكلّ نوع من العلم أن يحصل بدون الآخر، بمعنى أنه من الممكن أن يجتمع العلمان في شخص واحد فيـجمع بينهما، كما يمكن أن يتفرقا فيـُحظى بأحدهما. ترى نظريـّة المعرفة أن العلم الإرثي - الوهـْبي ينفع وإن لم يكن معه علم كسـْبي – حصولي، أمـّا الأخير فلا ينفع إن لم يكن معه العلم الإرثي - الوهـْبي..... هذا الاعتقاد السائد حاليا في نظرية المعرفة والمتعارف عليه في الأوساط الدينيّة ..... واقعا – أيها الأعزاء والعزيزات – هذا الاعتقاد السائد يستحق تدقيقا وتحقيقا وتمحيصا.
في هذا الموضع، أريد أن ألفت الأنظار إلى بعض الأخطاء الشائعة عند عامّة الناس، بل حتى عند السواد الأعظم من العلماء الأجلاء.....
ركزوا معي أيها الأعزاء، وأيتها العزيزات، أريد أن الفت النظر إلى ثلاثة أخطاء شائعة في نظري (سطروا على ، في نظري) :
- الخطأ الشائع الأول – في نظري – أنه خلافا لما يعتقده العامّة وأكثر المنشغلين بالعلوم أن ما يتحصـّل عليه المريد من علوم ربانيّة نتيجة الرياضة، والمجاهدة، والتطهير والتقوى. هذا بالنسبة إلي لا يندرج في باب العلوم الوهبيـّة، بل أراه مندرج في باب العلوم الكسبيـّة . لماذا :
لأن المريد صحيح لم يكتسبها عن فكر ونظر بل اكتسب العلوم عن مجاهدة للنفس وترويض للجوارح. إذا كانت مجاهدته للنفس وترويضه للجوارح في سبيل أن ينال هذا العلم من الله مباشرة، فهو بالنسبة إلي ليس علما وهبيا بل هو علم كسبي,
جعل الحق سبحانه وتعالى المجاهدة والتقوى طريقا للحصول على العلوم الكسبيـّة كما جعل الفكر والنظر مسلكا للحصول على نفس النوع من العلوم. أمّا العلم الوهْبي فهو ما لا يخطر بالبال، وما لا حظـّ لأيّ جهد من الاكتساب فيه، بل هو مـِنـّة ربانيـّة وهـِبة إلهيـّة يمتن بها الحق تعالى على من يشاء من عباده. يؤازرني في هذا الطرح الشيخ الأكبر محي الدين بن عربي، قدس سره، حيث يقول في " الفتوحات المكيـّة ": "..... فإن أكثر الناس يتخيـّلون أن العلوم الحاصلة عن التقوى علوم وهب، وليست كذلك، وإنما هي علوم مكتسبة بالتقوى، فإن التقوى جعلها الله طريقا إلى حصول هذا العلم كما جعل الفكر الصحيح سببا لحصول العلم لكن بترتيب المقدمات، كما جعل البصر سببا لحصول العلم بالمبصرات، والعلم الوهْبي لا يحصل عن سبب بل من لدنه سبحانه، فاعلم ذلك حتى لا تختلط عليك حقائق الأسماء الإلهيّة " (3)؛
- الخطأ الشائع الثاني – في نظري – يقع فيه حتى بعض أهل التحقيق.... يرى السواد الأعظم أن العلم الاكتسابي يحصل مع الواسطة والعلم الوهـْبي يحصل بلا واسطة. أرى أن الأمر على خلاف ذلك، فحتى العلم اللدنـّي - الوهـْبي إمـّا يكون بلا واسطة، وإمـّا يكون بتوسـّط واسطة. العلم الوهـْبي بلا واسطة لا يكون إلا في حق " الصادر الأول " ..... لا يكون إلا في حق الحقيقة المحمدية التي تأخذ العلم مباشرة من الله عز وجلّ دون حجاب ولا وسيط.
الحقيقة المحمدية أصل الوجود وعينه، وأكمل ما فيه وأعلاه حقا وتحقيقا، هي بداية المبدعات، ممدة المنفعلات، مزودة المولدات، ومرجع أشرف الموجودات..... مهبط أنوار الجبروت، ومحل أسرار الملكوت..... مجمع حقائق اللاهوت، ومنبع رقائق الناسوت..... مدار رحى الموجودات وقطب فلك المخلوقات...... لا يجوز حتى لكبير الملائكة الأمين جبرائيل عليه السلام أن يكون واسطة بينها وبين تلقي العلم الرباني. واقعا لا يجب أن يكون قد وُجـِد لا ملك مقرب، ولا رسول مرسل، ولا موجود قبل الصادر الأول – أو الحقيقة المحمدية - وإلا فلا معنى أن يكون بين الله تعالى وبين الصادر الأول واسطة. إذا وُجدت هذه الواسطة انهار مفهوم " الصادر الأول "، فما فـُرِض صادر أول لا يبقى صادرا أولا بل تصبح الواسطة هي الصادر الأول.
أمّا العلم اللدنـّي الوهْبي مع الواسطة فيشمل كلّ مخلوق سوى " الصادر الأول ". الآية المباركة من سورة الكهف عندما قالت " وعلـّمناه من لدنا علما " يعني علم رباني بتوسـّط واسطة، ولا يمكن أن يكون بلا واسطة. من هو الواسطة ؟
- الخطأ الشائع الثالث – في نظري – يكمن في تقسيم جلّ المحققين العلم إلى قسمين : وهـْبي وكسـْبي؛ العلم عندي، وحسب اعتقادي، على ثلاثة ضروب : ذاتي، وهـْبي وكسـْبي.
- العلم الذاتي: هو علم الحق جلّ ثناؤه. علمه سبحانه كإرادته، وإرادته صفة من صفاته، وصفاته عين ذاته، وذاته أعلى من التنزيه، وصفاته أجلّ من التفصيل وأعز من التفسير.
كان الله ولا شيء معه، وهو الآن على ما هو عليه كان، واحد لنفسه من حيث نفسه، عالم بالعالم من علمه بنفسه، مظهر في الكون ما هو عليه في نفسه، منفرد بكبريائه وعظمته، متوحد بتعاليه وصمديته.
فالله سبحانه وتعالى لا يعقل ثم يعلم، بل يعلم وعلمه قاعدة الأفعال، بل سبحانه علمه هويـّة ذاته، فكما لا تفنى ذاته لا يتناهى علمه..... علمه تعالى بنفسه، وعلمه بخلقه علم واحد غير منقسم ولا متعدد، ولكنه يعلم نفسه بما هو له ويعلم خلقه بما هم عليه (4). هذا العلم الذاتي لا يتغيـّر ولا يتبدّل، ولا يُحدّ ولا يُعدّ، ولا يـُحاط به كما قال سبحانه : " وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ " (البقرة : 255). الله عز وجلّ عليم وعالم وعلام (5):
- عليم [ على وزن فعيل ]....عليم بنسبة العلم إليه مطلقا؛
- عالم [ على وزن فاعل ].... عالم بنسبة معلوميـّة الأشياء إليه؛
- علام[ على وزن فعال ].... علام بنسبة العلم ومعلوميـّة الأشياء له معا.
هذا زبدة القول وخلاصته إجمالا في العلم الذاتي.
- العلم الوهْبي: هو نور إلهيّ يقذفه الله سبحانه وتعالى في قلب المتعلـّم (حتى دون رياضة ودون مجاهدة)، يختصّ به سبحانه وتعالى من يشاء من عباده من ملكٍ، ورسول، ونبيّ، وإمام، ووليّ ومؤمن [ليس بالضرورة أن يكون المختص بهذا النور معصوما أو وليا... ولله في خلقه شؤون]. هذا السـِّنخ من العلم محلـّه القلب؛ والقلب قوة وراء طور العقل، فلا نـَصـِيب للفكر، ولا حظ للنظر في العلم الوهـْبي..... العلم الوهبي خارج إطار العقل، متعال عن الفكر والنظر..... كذلك لا مدخل للاكتساب فيه. هو علم نفث روح القدس في الروْع (6) يخصّ الأنبياء والأوصياء والكـُمـّلِ من الأولياء – وكذلك من شاء سبحانه وتعالى من عباده - يـُوهـَب لهم وهبا على قاعدة " كُلًّا نُمِدُّ هَٰؤُلَاءِ وَهَٰؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ ۚ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا " (الإسراء : 20).... سبحان الله، عطاء الله غير محظور..... عطاء الله يهبه الله لمن يشاء من عباده.
هذا السنخ من العلم يمكن أن يوهب بدون توسّط واسطة، ويكون ذلك أساسا للصادر الأول: أصل الوجود وروح كلّ موجود، كما يمكن أن يُوهـَب بتوسّط واسطة مدار رحى الموجودات، ومنبع أنوار الإفاضات، أقصد بذلك الصادر الأول، أو بعبارة أخرى الحقيقة المحمدية. أضيف أيضا أن لكلّ مخلوق من مخلوقاته تعالى – مهما كانت درجة قربه أو بعده من الله تعالى – نصيب من المنن الربانيّة، والعطايا الإلهيّة والكرامات الرحمانيّة.
نعم أيها الأعزاء والعزيزات، هذا زبدة فهمي من تدبّر الآيات القرآنيّة الكريمة..... هذ عصارة بحثي في الأحاديث النبويّة الشريفة..... هذه ثمرة دراستي لآثار العرفاء الأجلاء..... زبدة وعصارة وثمرة ذلك أن لكلّ إنسان – بل لكلّ مخلوق – طريقان إلى الله عز وجل (أقصد بذلك التوجه إلى الله تعالى): طريق مستقيم – لا عـِوَج فيه ولا أمـْتا – يوصِل مباشرة إلى حضرة المن والكرم والجود، دون توسـّط أي واسطة، حتى الصادر الأول؛ وطريق ثانٍ بتوسّط واسطة واحدة أو بوسائط عديدة. فالله سبحانه وتعالى " رب الناس "، " إله الناس "، " ملك الناس" .... لم يقطع ارتباطه بأي مخلوق من مخلوقاته، وهذا من دواعي فخر الإنسان واعتزازه أنه بالإمكان الارتباط بالله عز وجلّ مباشرة دون وسيط.
- العلم الكسْبي: هو نوع من العلم – حسب نظري - يحصل إمـّا نظرا بالتعلـّم والتفكـّر على قاعدة " وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ۙ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ " (النحل : 78)، وإمّا ذوقا بالمجاهدة والتقوى على قاعدة " وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ ۗ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ " (البقرة : 282). وهنا يتجلى الفرق بين الطرح الذي نطرحه وما هو مألوف عند المنشغلين بالعلم، كما أسلفنا القول.
" العلم الكسْبي – العقلي " هو ما يحصل للإنسان عقب تفكـّر، وإمعان عقل، ونظر ودليل. هذه المرتبة من العلم يجب أن تقود الإنسان إلى حقيقة واحدة هي أن لهذا الكوْن إله واحد [كما وضحنا ذلك – لو تتذكرون – في مناسبة سابقة حين تطرقنا إلى حدود العلم]، لكن أكثر الخائضين في هذه المرتبة من العلم محجوبون عن ذلك المقصد الأسنى.
" العلم " الكسـْبي – الذوْقي " لا يـُدرَك بعقل ولا بفكر ولا بدليل، بل لا سبيل إليه إلا بالذوْق والوجد والاتصاف به (أي الاتصاف بصفات الله سبحانه وتعالى)، ولا يعرفه إلا من ذاقه وتحقق به. فبالذوق تتميـّز الأشياء عند العارفين، والكلام على الأحوال لا يحتمل إليه، بل تكفي فيه الإشارة إلى المقصود.
هي (أي هذا " العلم " الكسـْبي – الذوْقي ") مرتبة من العلم راقية مضنونة على أهلها، لا تـُقال ولا تـُحكى، لأنه ليس في مقدور من ذاقها أن يبلـّغها، بتمامها وكمتلها، لمن لم يذقها، بل تكفي الإشارة والرمز، فالإشارة أشمل وأكمل من العبارة، ومن فكـّك الإشارة تجاوز العبارة، ومن تجاوز العبارة فـُتح له، ومن فـُتح نال على قدر استعداده وكل كأس بالذي فيه يرشح.
ذكرت آنفا مفهوما جليلا، وتوصلت إلى نتيجة مهمة جدا : العلم " اللدني – الوهبي " على ضربين : بعضه بتوسط واسطة، وبعضه دون توسط واسطة.
السؤال الذي يطرح نفسه : ما هو الدليل على ذلك ؟ ....
من واجبكم جميعا، أيها الأعزاء والعزيزات، أن تسألوني عن الدليل، لأننا أصحاب الدليل .....
نحن أصحاب الدليل ندور أينما دار، إن وجد دليل قبلنا، وإن لم يوجد دليل وضعنا المفهوم في دائرة الإمكان أو ضربنا به عرض الحائط.
بما أن منهجنا منهج " قرآني – عرفاني " علينا إذن أن نـُثبـِت من القرآن الكريم أن العلم " اللدني – الوهبي " على ضربين : بعضه بواسطة، وبعضه بلا واسطة.
من رحِم القرآن الكريم نستنطق الآيات المباركة لنتحسس الطريق نحو إثبات هذا المفهوم أو تفنيده.
تجرنا الإجابة عن السؤال إلى الإبحار في بحر عميق، وطرح مبحث جديد – ذو صلة بالموضوع – يتعلق ڊ " الخطاب الإلهي "..... متى فهمنا الخطاب الإلهي أدركنا أن العلم " اللدني – الوهبي " على ضربين : بعضه بتوسط واسطة، وبعضه بلا واسطة
ربما يكون ذلك في مناسبة أخرى، إن شاء الله تعالى، لكن قبل أن نفترق دعونا نلخص زبدة ما أشرنا وتوصلنا إليه في خصوص أقسام العلم.

ھذا، أعزائي زبدة ما رأیناه، .... اللھم علمنا ما ینفعنا وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما.... اللھم اجعلنا ممن یعلمون فیعملون، وممن یعملون فیخلصون، وممن یخلصون فیقبلون، والسلام علیكم ورحمة االله وبركاتھ، وصلى االله على محمد وأل بیتھ الطاھرین.
(1): هكذا يـُعرفّ الشيخ الأكبر محي الدين بن عربي، قدس سره، العلم حيث يقول في " الفتوحات المكيّـة " ج 1، ص 91 – 92، ما يلي: " .... فإن قيل لك فما هو العلم، فقل درْك المـُدْرَك على ما هو عليه في نفسه إذا كان درْكه غير ممتنع، وأما ما امتنع دركه فالعلم به هو لا درْكه .... "
(2): راجع كذلك: " جنود العقل والجهل "، لسماحة الإمام روح الله الخميني، قدس سره، ص 253، تعريب أحمد الفهري، العتبة العلويـّة المقدسة، مكتبة الروضة الحيدرية 2012 م
(3): " الفتوحات المكيـّة "، الشيخ الأكبر محي الدين بن عربي، قدس سره، حيث يقول في " الفتوحات المكيـّة " ج 1، ص 91 – 92، ما يلي: " .... فإن قيل لك فما هو العلم، فقل درْك المـُدْرَك على ما هو عليه في نفسه إذا كان درْكه غير ممتنع، وأما ما امتنع دركه فالعلم به هو لا درْكه .... "ج 1، ص 254، دار صادر - بيروت
(4): راجع كذلك: " الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل "، الشيخ عبد الكريم الجيلي، قدس سره، ج 1، ص 76، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع
(5): المصدر السابق ص 76 - 77
(6): " الفتوحات المكيـة "، الشيخ الأكبر محي الدين بن عربي، قدس سره، ج 1، ص 261، دار صادر - بيروت