الخطاب الإلهي
الدكتور محمد الصادق بوعلاق
أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمان الرحيم، الحمد لله رب العالمين. " الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا. قيما لينذر بأسا شديدا من لدنه ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا حسنا. ماكثين فيه أبدا. وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا. ما لهم به من علم ولا لآبائهم. كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا " (الكهف : 1 - 5) وأصلى وأسلم على سيد الأنبياء والمرسلين وقائد الغر المحجلين المبعوث رحمة للعالمين، وقدوة للسالكين، ونبراسا للصادقين، سيدنا ومولانا، وطبيب قلوبنا، ونور أبصار عيوننا، وشفيع ذنوبنا أبي القاسم محمد، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد.
السلام عليك يا سيدي ومولاي يا رسول الله، السلام عليك يا حبيب الله، السلام عليك يا نجيّ الله، السلام عليك يا صفيّ الله، السلام عليك وعلى آل بيتك الطيبين الطاهرين.
أعزائي، يقول الله سبحانه وتعالى في التوراة، التوراة الحقيقية، " يا ابن آدم من أصبح حريصا على الدنيا لم يزد من الله إلا بعدا وفي الآخرة إلا جهدا وألزم الله تعالى قلبه همّا لا ينقطع أبدا، وفقرا لا ينال غناه أبدا، وأملا لا ينال مناه أبدا. يا ابن آدم كل يوم ينقص من عمرك وأنت لا تدري، ويأتي كل يوم رزقك من عندي وأنت لا تحمده فلا بالقليل تقنع ولا بالكثير تشبع. يا ابن آدم ما من يوم جديد إلا ويأتيك من عندي رزق جديد، وما من ليلة إلا ويأتيني ملائكتي من عندك بعمل قبيح. تأكل رزقي وتعصيني، وأنت تدعوني فاستجب لك. خيري إليك نازل وشرك إلي صاعد فنعم المولى أنا وبئس العبد أنت. تسألني فأعطيك واستر إليك سوء بعد سوء وقبيحا بعد قبيح. أنا استحيي منك وأنت لا تستحيي مني وتنساني وتذكر غيري وتخاف الناس وتأمن غضبي".
ذكرت في محاضرة مرت من قبل بعنوان " العلم والتعلم " أن العلم على ثلاثة أقسام :

نتيجة مهمة جدا توصلنا إليها: العلم " اللدني – والوهبي " على ضربين : بعضه بتوسط واسطة، وبعضه دون توسط واسطة.
السؤال الذي طرح نفسه : ما هو الدليل على ذلك ؟ .... ما هو الدليل على أن : العلم " اللدني – والوهبي " بعضه بتوسط واسطة، وبعضه دون توسط واسطة ؟ .........
بما أن منهجنا منهج " قرآني – عرفاني " علينا إذن أن نـُثبـِت ذلك من القرآن الكريم.
إذن من رحِم القرآن الكريم نستنطق الآيات المباركة لنتحسس الطريق نحو إثبات هذا المفهوم أو تفنيده.
قلنا أن الإجابة عن السؤال تجرنا إلى الإبحار في بحر عميق، وطرح مبحث جديد – ذو صلة بالموضوع – يتعلق ڊ " الخطاب الإلهي ".
كما قلنا ربما يكون ذلك في مناسبة أخرى، إن شاء الله تعالى.......
وقد يسر الله تعالى أمرنا ليكون مدار كلامنا في هذه الليلة طرح مبحث جديد يتعلق ڊ " الخطاب الإلهي ". إذن حول " الخطاب الإلهي " سيكون مدار كلامنا في هذه الليلة المباركة إن شاء الله تعالى.
نحن أبناء الدليل، ننطلق دائما من القرآن الكريم. نتخذ القرآن الكريم منطلقا.... كل مفهوم يجب أن ننطلق به من القرآن الكريم، ثم نعود به إلى القرآن الكريم لنتثبت.
يقول الحق سبحانه وتعالى في سورة الشورى المباركة : " وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ ۚ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ " (الشورى : 51).
أوّل استنتاج نستنتجه من هذه الآية المباركة، وهذا الاستنتاج نقوله بجرأة : بخلاف ما أجمع عليه – أو يكاد يجمع عليه – أصحاب التفاسير من أن الخطاب الإلهي يقتصر على الرسل والأنبياء، نجد أن الآية المباركة صريحة في إظهار أن الخطاب الإلهي لا يخص طبقة الأنبياء والمرسلين فقط، بل يتعداهم ليشمل كل البشر دون استثناء.
أعزائي، ففي قوله تعالى : " وَمَا كَانَ لِبَشَر " ضرب من ضروب التعميم يدخل فيه خطاب السيدة مريم عليها السلام، وما كان لأم موسى عليه السلام، وما يقع للأوصياء والأولياء المحدثين من هذه الأمة وغيرهم من سائر البشر.
نعم، خطاب الحق تعالى أو كلامه يمكن أن يـُوجـّه لمن شاء من عباده في حالة اليقظة أو المنام على ثلاثة وجوه: إمـّا وحيا، أو من وراء حجاب أو بواسطة رسول؛
نعيدها مرة أخرى : خطاب الحق تعالى أو كلامه يمكن أن يـُوجـّه لمن شاء من عباده في حالة اليقظة أو المنام على ثلاثة وجوه: إمـّا وحيا، أو من وراء حجاب أو بواسطة رسول.
حدد الله سبحانه وتعالى المخاطـَب (بفتح الطاء) في الآية المباركة بقوله " بشرا " كما حدد أيضا آليات الخطاب معه. فالإنسان في بشريته لا يسمع خطاب الحق تعالى إلا بهذه الضروب التي ذكرت في الآية الكريمة أو بإحداها. أما إذا ارتقى البشر عن مرتبة البشريـّة، وشرع في معراجه نحو خير البريـّة، كلـّمه مولاه وخاطبه بضروب أخرى من ضروب الكلام تتماشى ورفعة المقام؛ فلكلّ مقام مقال، ولكلّ مقال كيفيـّة خطاب، وآلية كلام.....
نعم أيها العزاء، إذا ارتقى (السالك الولي) وعرج وما غوى، وثبت وما ارتوى، كلـّمه الحق تعالى بما كلـّم به الأرواح المجردة عن المادة، كل حسب علو مقامه، وكل حسب رفعة درجته. ذلك أن لله تعالى كلام من سنخ آخر موجـّه لمخلوقاته المتجردة من الصبغة البشريـّة، الحيوانيـّة، الماديـّة الحسيـّة كطبقة الأرواح مثلا.
الوحي
القسم الأول من أقسام كلام الله تعالى للبشر هو الوحي الذي ليس من وراء حجاب، ولا عن طريق رسول؛ بل هو تكليم إلهي مباشر من غير واسطة بين الحق عز وجل وبين البشر المخاطـَب..... هو إلقاء علم لدني بلا واسطة على خلاف القسم الثاني " أو من وراء حجاب " أي وحي مع واسطة هو الحجاب، غير أن هذه الواسطة لا توحي كما في القسم الثالث الذي هو وحي مع واسطة لأن إرسال الرسول فيه إيحاء ذلك الرسول.
السؤال الذي يطرح نفسه : ما هو الوحي؟..... كيف نعرف الوحي؟......
الوحي هو الخطاب الإلهي السريع الأثر في نفس السامع، محلـّه القلب إلقاء وإفهاما وهداية وإلهاما. يكون فيه عين الفهم عين الإفهام عين المفهوم منه، وما ثمة طريقة للبشر أسرع من ذلك.
وحيه – سبحانه وتعالى - كلامه، وكلامه أمره، وأمره أجل من أن يخالف، وسلطانه أقوى من أن يقاوم، بل هو أقوى سلطانا في نفس الموحي إليه من طبعه الذي هو عين نفسه :
- المولود الرضيع حين يتلقى فطريا ثدي أمه للرضاعة هداية من الحق، ذلك أثر من آثار وحيه تعالى.
- النحل حين تتخذ من الجبال ومن الشجر بيوتا، وحين تذلل لها سبل السير ذهابا وإيابا، وإلهاما وإفهاما من الحق تعالى، ذلك أثر من آثار وحيه لها؛ يقول عز وجل: " وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًاۚ " (النحل : 68 – 69)
- أم موسى – على نبينا وآله - وعليه وعليها السلام حين ألقت رضيعها في اليم انصياعا للأمر الرباني، مع أن ظاهر الأمر يوحي بهلاك الرضيع، ذلك أثر من آثار وحي الحق؛ يقول تعالى: " وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ ۖ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي ۖ إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ " (القصص : 7)
حين تخاف على رضيعها تلقيه في اليم؟....
عجيب، كأن اليم سبيل نجاة ووسيلة حفاظ. إن عدم ترددها، وعدم مخالفتها، وضعف سلطان الأحكام البشرية عليها، دليل على أن سلطان الوحي قوي في نفس الموحى إليه، بل أقوى من الطبع.
- السماء والأرض حين تأتيان طائعتان إذعانا للأمر الإلهي ولخطابه لها مباشرة دون واسطة، ذلك أثر من آثار وحيه وخطابه، يقول جل ثناؤه: " ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ " (فصلت : 11).
الأمثلة من القرآن عديدة، نكتفي بهذه....
والوحي على وجهين:
الوجه الأول هو بمثابة إلقاء الحق تعالى في قلب الموحى إليه حديثا برفع الوسائط لتحصيل علم ما. فمن المكلّمين (بفتح اللام) من تناجيه الحقيقة الذاتية في نفسه، فيسمع خطابا بكـُليـّته لا بأذن ولا بكيفية، لا بحد لمأخذه ولا بجارحة، لا من جهة ولا من مصدر خارجي عنه.
والخطاب الإلهي المسمى وحيا يجب أن يكون حاملا للعلم، لأن الوحي ضرب من ضروب كلام الحق تعالى، وكلامه إفاضة مكنونات علمه على من يشاء ويرتضي من عباده. إن كان إلقاء العلم في القلب عن طريق آخر غير الكلام والخطاب، فهو إلهام وليس بوحي.
نعم، علينا أن نفرق بين الإلقاء والإلهام، الإلقاء أعم من الإلهام .... فمن الناس من يجد في قلبه علما من العلوم الشرعية الشريفة أو الغيبية اللطيفة أو غيرها، دون خطاب ولا كلام، فذلك العلم صحيح، لكنه ليس عن طريق الوحي، لأن المنة الربانية والهبة الإلهية لم تكن عن طريق خطاب ولا كلام.
أما الوجه الثاني من وجهي الوحي فيكون إلهاما بخطاب كذلك، لكن بعلامة أيضا. علامة يعلم الموحى إليه بها أن الذي خاطبه وكلمه هو ربه ومليكه. وعادة ما تكون العلامة أو الكرامة من طلب الموحى إليه حتى لا يلتبس عليه الأمر، فيكرمه الحق تعالى بكرامة تكون دليلا له إذا رجع إلى محسوسه على سلامة علومه وصحة مقامه مع المولى عز وجل.
إذا ألقي على قلبك خطابا وزعمت أنه وحي من الحق تعالى، فرده إلى الميزان.... عد إلى نفسك وأنظر هل بها تلكؤ أو مماطلة، تردد أو مخالفة، فإن وجدت لذلك أثرا بتدبير أو تفكر، بتسويف أو تعقلن، فاعلم أنك لست صاحب وحي؛ وإن حكم عليك وأصمك، وحال بين فكرك وتدبيرك، وبين عقلك وانصياعك، وعلا فوق طبعك، وحرك فيك همتك، وأمضى فيك حكمه، فذلك وحي.
من وراء حجاب
إذا كان الوحي محله القلب (إلقاء وقذف علم في القلب)، فإن خطاب الحق تعالى للبشر من وراء حجاب محلـّه السمع. هو خطاب يلقيه الحق تعالى على سمع المخاطـَب (بفتح الطاء) من غير أن يـُبصر السامع من يكلمه، ومن غير أن يكون الكلام للحجاب، فيدرك أنه كلام المعبود، ويفهم منه المراد والمقصود. وهذا الوجه من الكلام يكون عند تجلي الحق لعبد من عباده الكرام.
من وِسـْع الحق تعالى عدم تجليه لعبد في حالة مرتين، ولا بنفس الحالة لعبدين؛ فلا تكرار في مظاهر التجليات الربانية برغم الكثرة، لأن كل شيء له وجه خاص يختلف به عن مثيله. فخطاباته وتجلياته تعالى في جدة دائمة وأولية مستمرة لتجدد الخلق على الدوام. فكلّ نـَفـَس إلهي يحمل في طياته جديدا، ولا مجال للإعادة، ولا مكان للتكرار.
يصحب الحجاب الكلام عند التجلي حيث كان ويبتدئ الوحي من وراء الحجاب،
في هذا الموضع، علينا – أعزائي - أن ننتبه أنه ليس المقصود من وراء معنى خلف، وإنما هو خارج عن الشيء المحيط به (1) قال تعالى: " وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ " (البروج : 20)؛ ويمكن أن يكون الحجاب صورة روحانية أو جسمانية أو غير ذلك، يتكلم الحق تعالى من وراءها فتكون تلك الصورة حجابا عنه ودليلا عليه. فتخاطب العبد تلك الصورة الإلهية (تخاطبك شجرة أو جدار أو سقف أو غير ذلك...) وهي عين الحجاب، فيفهم من ذلك الخطاب ويعي علم ما يدل عليه، مدرك أن ذلك حجاب.
كان الحجاب صورة النار التي لاحت لنبي الله موسى عليه السلام من الشجرة المباركة التي كلمه الله تعالى من وراءها من جانب الطور الأيمن في البقعة المباركة، حيث قال تعالى: " فَلَمَّا قَضَىٰ مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَىٰ إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ " (القصص : 29 – 30)
من لطف الحق تعالى بخلقه أن جعل المناجاة كلاما لا مشاهدة فيها، تكون دائما مصحوبة بالحجب. وللحق تعالى حجب نورانية وأخرى ظلمانية، والكلّ خصـّها بالمنع والاستتار. فهي لطيفة مانعة خفية، يقول الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: " إن لله سبعين حجابا من نور وظلمة، لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه ما أدركه بصره من خلقه ".
والإنسان في بشريته لا يرى لهذه الحجب عينا، ولا يعاين لها أثرا، لأنها بدورها محجوبة عنا بحجب، فنحن بعيدون عنه سبحانه وتعالى لا بالحجب فحسب بل بالحجب وبحجب الحجب كذلك، وهو القريب الأقرب إلينا من حبل الوريد؛ فنورانيـّة ظهور الظاهر حجاب، وظلمانيـّة استتار الباطن حجاب، وغاية القرب حجاب، وغاية البعد حجاب..... وذلك ما قسم الظهور، وحيـّر العقول، وأذهب النوم عن الجفون؛ يقول الحق تعالى: " فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَٰكِنْ لَا تُبْصِرُونَ " (الواقعة : 83 – 85)
أو يرسل رسولا
الوجه الثالث من كلام الحق تعالى لعباده هو عن طريق رسول مرسل؛ يمكن أن يكون الرسول من جنس البشر أو من غير جنس البشر.
يكلـّم الله تعالى عباده البشر بواسطة بشر كالأنبياء والمرسلين، والأوصياء المنتجبين عليهم السلام أجمعين. يقول تعالى : " وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ " (التوبة : 6)
الكلام منسوب إلى الله تعالى والتبليغ مكلـّف به الرسول الأمين صلى الله عليه وآله وسلم، وما سمعت الصحابة كلام الله إلا من فم الرسول الأكرم عليه وآله الصلاة والسلام.
والرسول صلى الله عليه وآله وسلم في بشريـّته كان إذا أتاه الوحي يفنى عن عالم الحس، ويغيب عن الأغيار، ويرغو ويسجى إلى أن يسري عنه وقد وعى. وما كان ذلك بالأمر الهيـّن، بل كان عظيم الوزن شديد الوطأة عليه.
إذا كان الرسول الأمجد صلى الله عليه وآله يـُلقي الوحي على مسامع الناس، فذلك كلام الله لنا من وراء حجاب، والرسول عليه وآله السلام صورة ذلك الحجاب وترجمان لكلام الله .... أشرف صورة حجاب جاد بها المعبود في هذا الوجود. فهو صلى الله عليه وآله وسلم الترجمان والحجاب والدليل؛ كما ورد في دعاء الصباح لأمير المؤمنين عليه السلام: " .... صل اللهم على الدليل إليك في الليل الأليل، والماسك من أسبابك بحبل الشرف الأطول، والناصع الحسب في ذروة الكاهل الأعبل, والثابت القدم على زحاليفها في الزمن الأول .... ".
الحديث الشريف أو السنة المطهرة (نقصد بالحديث الشريف ما صدر عن الرسول الأكرم الأمين صلى الله عليه وآله لفظا ومعنى، وليس ما وصلنا عن فهم الراوي) مثلها مثل القرآن الكريم بنص من الديـّان، لأن الهوى ما عرف طريقا إلى الرسول الأمين صلى الله عليه وآله ، بل كلّ ما ينطق به عن الحق سبحانه، يقول تعالى: " وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ " (النجم : 3-4) فالقرآن الكريم كلام الله تعالى، وما كلّ كلامه تعالى قرآنا؛ والأحاديث النبويـّة الشريفة (الصادرة عن الرسول الأكرم الأمين صلى الله عليه وآله لفظا ومعنى) كلام الحق تعالى، وأحكام السنـّة النبوية المطهـّرة أحكام الله تعالى.
يمكن أيضا أن يكون الرسول ملكا مرسلا إلى الرسول المأمور بالتبليغ؛ يعني رسول لذلك الرسول البشر (يعني سيدنا جبرائيل عليه السلام رسول الرسول) . فالملك عليه السلام في هذه الحالة ترجمان الحق تعالى في قلب العبد المكلـَّم (بفتح اللام) بواسطة الرسول الملك. يقول الحق تعالى: " قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَىٰ قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ " (البقرة : 97)
اتضح إذن أن خطاب الحق تعالى (أو كلامه) لمن يشاء من عباده في حالة اليقظة أو المنام على ثلاثة وجوه

" وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ ۚ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ " (الشورى : 51).
في قول الحق تعالى : " فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ ۚ " فـَتـْح لباب معرفي كبير عند من أراد أن يكون من أولي الألباب. جعلت الآية الكريمة في إرسال الرسول إيحاء ذلك الرسول.
" يوحي ": أي الرسول من الله تعالى إلى البشر (رسول كان، أو وصي أو ولي).
- السؤال الذي يطرح نفسه : هذا الوحي، هو وحي الله تعالى أم وحي ذلك الرسول ؟..... بعبارة أخرى : ماذا نفهم من قوله تعالى " يوحي " ؟..... من يوحي، الله أم الرسول ؟.....
لا يستقيم المعنى إذا قلنا يوحي الله بإذن الله؛ مـَن الفاعل الله أم الرسول ؟.....
- سؤال آخر مهم: ماذا يوحي الرسول إلى البشر (رسول كان، أو وصي أو ولي)، هل يوحي الألفاظ والمعاني، أم المعاني دون الألفاظ ؟.....
- الآية المباركة تقول: " وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ " (الشعراء : 192 – 194)
أمين الوحي جبرائيل عليه السلام نزل بالوحي على قلب الرسول الأمين صلى الله عليه وآله، ماذا أخذ جبرائيل عليه السلام من الله تعالى، هل أخذ اللفظ والمعنى معا، أم أخذ المعنى وأوحى – إلى الرسول صلى الله عليه وآله – المعنى واللفظ، بإذن الله تعالى ......
والرسول الأكرم صلى الله عليه وآله بدوره، ماذا أخذ من جبرائيل عليه السلام، هل أخذ اللفظ والمعنى معا، أم المعنى فقط وكان اللفظ من عنده بإذن الله تعالى؟......
هذه أسئلة – في آخر هذه الكلمة - أتعمد طرحها لكي أثير دفائن عقول الإخوة والأخوات.....
هذه أسئلة مشروعة، لا مانع من طرحها، إن كان طرحها تفقها وليس تعنـّتا.... هذه بحوث جليلة وشريفة في علم القرآن الكريم لا مانع من الخوض فيها، لأنها قادرة على أن تحملنا إلى آفاق معرفيـّة أرحب..... بل تمثل هذه الأسئلة، وهذه البحوث القرآنية تحديا كبيرا ومهمـّا علينا رفعه.
لعله تتاح لنا فرص أخرى لكي نجلي شيء من جواهر ما تستره هذه الأسئلة المهمة .... حتى ذلك الحين أستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
(1) راجع كذلك: " الميزان في تفسير القرآن "، للعلامة السيد محمد حسين الطباطبائي، قدس سره، ج 18،ص 253، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، لبنان - بيروت