الأسفار المعنوية – السفر الأول
أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمان الرحيم، الحمد لله رب العالمين. " الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله لقد جاءت رسل ربنا بالحق " (الأعراف : 43). اللهم صل وسلم وبارك على صاحب لواء الحمد المعقود، وقطب دائرة الوجود، وخلاصة كل موجود، ومحل السمع والشهود، وأكمل عابد دل على المعبود، وواسطة تجلي النور الأزلي الممدود، حبيبك وصفيك ونجيك والد كل مولود، وعلى أهل بيته أصحاب الكرم والجود، الأمناء على خزائن الوحي وعرش الشهود، وعلى كل من سار على نهجه القويم دون انقلاب على الأعقاب ولا تنكر للعهد المعهود.
أعزائي، مـُذ تجلى الباري جل ثناؤه على النفوس وأخرجها من العدم إلى الوجود، لم تزل مسافرة ومتنقلة من موطن إلى موطن، ومن منشأ إلى منشأ، ليس لها حطّ إلا في الجنة أو في النار، وكلّ جنة ونار بحسب أهلها. فالإنسان كما يقول الشيخ الأكبر محي الدين بن عربي قدس الله سره الشريف : " مسافر مع الأنـْفاس منذ خلقه الله دنيا وآخرة، لا يصحّ له أن يكون مـُقـِيما أبدا، ولو أقام زائدا على نـَفـَسٍ واحد لتعطل فـِعـْل الإله في حقه " (1).
المواطن التي تسافر إليها النفوس وإن تعددت فهي ستة :
- أولها موطن " ألست بربكم "، أو سمه إن شئت موطن الميثاق أو عالم الذر أو يوم الاستنطاق .... وقد انفصلنا عنه؛
- الثاني موطن الدنيا التي نحن فيها، وهي محل التكليف ودار الابتلاء والعمل بلا جزاء؛
- الثالث موطن البرزخ الذي تصير إليه النفوس بعد الموت الأصغر والأكبر؛
- الرابع موطن الحشر بأرض المحشر؛
- الخامس موطن الجنة أو النار، وهي دار الجزاء بعد الابتلاء؛
- السادس موطن الكثيب خارج الجنة، وهو مقام الزيادة بعد المن والعطاء.
للنفس إذن كينونة وجودية وطور نوراني سابق على البدن، وهذه الأسبقية ليست تناسخا كما أشتهر عند بعضهم، ولا رجعة كما عرف عند آخرين، ولا تعدد ولا استجاب قدم.
لقد كانت النفس في موطنها الأول في أحسن تقويم قبل أن ترد أسفل سافلين في حشوة الطين والماء المهين : " لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم. ثم رددناه أسفل سافلين " (التين : 4 – 5). أسكنها الحق تعالى – في ذلك الموطن - العندية الإلهية، وأوردها أرجاء الأنوار السنية، ونعمها بحضرة إطلاقية أين المعارف العينية والمواقف الشهودية. حضرة تجلت فيها الأسرار وتبددت الحجب للأغيار .... حضرة أوقف الحق تعالى فيها كل النفوس الآدمية وأشهدها على أنفسها فشهدت وأقرت له تعالى بالربوبية، وإليها الإشارة في قوله سبحانه وتعالى من سورة الأعراف : " وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم. قالوا بلى. شهدنا. أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين. أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم. أفتهلكنا بما فعل المبطلون " (الأعراف : 172 – 173).
ما معنى " وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم " معناه : وقفت أنا، ووقفت أنت وأبوك، وجدك، وجد جدك، وابنك وحفيدك..... كل البشرية أوقفها الله تعالى وأخذ عليها الميثاق، فشهدنا لله سبحانه وتعالى بالربوبية، وفي ذلك يتجلى قول الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم : " الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف "، وحول هذا الموضوع أحاديث عديدة مستفيضة رواها العامة والخاصة.
من هذا المنظار يكون الموت بمعنى الفناء شيء لا وجود ولا حقيقة له في العقيدة والثقافة الإسلامية..... الموت بمعنى الفناء، الموت بمعنى الاندثار، الموت بمعنى التلاشي ..... شيء ليس له أي وجود في في العقيدة والثقافة الإسلامية الأصيلة، بل الموت رمز ووسيلة للانتقال من نشأة إلى نشأة أخرى، ومن موطن إلى موطن آخر.
النفس الإنسانية إذن قبل وصولها إلى هذه النشأة الدنيوية المتمثلة بعالم الملك والشهادة، قطعت مواطن، وطوت مراحل سابقة على هذا العالم المادي. غادرت عالمها وموطنها الأصلي وتنزّلت عبر العوالم لتحطّ الرحال في هذه النشأة الدنيوية؛ وهي في سيرها الدؤوب وأسفارها المتواصلة ستمرّ – بعد هذه النشأة الدنيوية - بمواطن ونشآت أخرى بعد مغادرتها لهذه النشأة الدنيوية.
كلّ ما في الوجود بدأ من الله سبحانه وتعالى وهو راجع إلى الله مرة أخرى، هذه حقيقة وسنـّة إلهيـّة أشار إليها القرآن الكريم وأكـّد عليها في آيات عديدة منها قوله سبحانه وتعالى : " إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ " (البقرة : 156). يعني أن كلّ شيء بدأ من الله عز وجلّ وأنه سوف يرجع إليه مرة أخرى بنفس الكيفية على قاعدة قوله تعالى : " كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ " (الأعراف : 29).
هذه السنة الإلهيـّة الجليلة لا تجري على الإنسان فقط دون غيره من المخلوقات، بل هي سنة إلهية جليلة جارية على كلّ ما خلق الله سبحانه وتعالى..... الكلّ راجع إليه..... الكلّ عائد إليه..... الكلّ محشور إليه..... يؤكد صريح القرآن الكريم أنه لا يوجد مخلوق إلا وهو محشور إلى الله عز وجلّ..... يقول الحق تعالى: " وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ ۚ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ " (الأنعام :" 38)..... محل الشاهد " ثم إلى ربهم يحشرون ".
الطير والدواب، والأسماك والزواحف، والملائكة والشياطين، والإنس والجن .... وعدد مخلوقاته تعالى .... كلـّها أمم أحصاها الكتاب إحصاء دقيقا، والكلّ سائر إليه تعالى.... الكلّ كادح إلى الله تعالى..... الكلّ محشور إلى الله تعالى. نجد هذا المعنى الجليل كذلك في أواخر سورة مريم عليها السلام حيث نقرأ: " إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَٰنِ عَبْدًا . لقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا . وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا " (مريم : 93 – 95). عـُمـّار السماوات والأرض يأتون الله سبحانه وتعالى – عند انتهاء سيرهم – عبيدا ويدخلون إلى حضرته فرادى.
خط سير هذا السفر المقدس ترجمته آية جليلة يقول فيها الحق تعالى : " يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ " (السجدة : 5).
من حيث الابتداء يكون السفر نزولا من السماء إلى الأرض: " يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ " (السجدة: 5)، ومن حيث الانتهاء يكون السفر صعودا وعروجا من الأرض إليه عز وجلّ : " ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ " (السجدة :5). هذا ما أطلق عليه العرفاء الأجلاء " قوسيْ النزول والصعود " (2).
هما قوسان لأن نقطة البدء هي نفسها نقطة العود، وكل من البدء والعود على شاكلة نصف دائرة، أو قوس، لكي يصطف القوسان فيشكلان دائرة
رحلتان تختزلان مسيرة كلّ مخلوق وتحددان مصيره:
- الرحلة الأولى يـُطلـِق عليها العرفاء الأجلاء " قوس النزول " وتمثـّل نزولا من العوالم العلويـّة ابتداء من العالم " الربوبي " ومرورا بعالم " العقل " ثم عالم " المثال "، وانتهاء بعالم " المادّة ". لم يكن الإنسان في هذه الرحلة الأولى – أي في قوس النزول - من عالم الغيب إلى المـُلك مـُكلـّفا لذلك خلت (الرحلة) من المراتب التكاملية (3)، وخلت من الأجر والثواب ومن العقاب؛
- الرحلة الثانية يـُطلـِق عليها العرفاء الأجلاء " قوس الصعود "، هي رحلة اختيارية تمثـّل رجوع الإنسان من عالم المادة إلى تلك العوالم (4).
عندما انتهى بالإنسان المطاف إلى عالم الدنيا، أو عالم المادة، أو عالم الخروج من القوة إلى الفعل، لابد من عودة ورجوع إلى حيث مبدئه الأول الذي انطلق منه، وموطنه اّلأصلي الذي جيء به منه. لا يكون ذلك إلا عبر قوس الصعود، ورحلة العودة عبر هذا القوس هي رحلة معنويـّة لا ماديـّة تهدف إلى الترقـِّي في درجات سلـّم الوجود.... هي رحلة معنوية، نورانية، روحانية تهدف إلى الترقي في درجات سلم الوجود، بمعنى يترقى السالك في المقامات الوجودية التفاضلية وفي درجات الكمال ليصل إلى ذلك الصفاء، والنقاء، والطهر الأول..... ليصل إلى فطرته السليمة : " ما من مولود إلا ويولد على الفطرة " كما أثر عن الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم.
في قبال البداية والانطلاق من عالم الغيب إلى عالم الشهادة – عبر قوس النزول – يوجد إذن عـَوْد ونهاية، ورحلة عبر قوس الصعود. لم يكن الإنسان عبر قوس النزول مريدا ولا مختارا ولا مـُكلـّفا، لذلك خلت تلك الرحلة من المراتب التكامليـّة ولا يترتـّب عليها ثواب ولا عقاب؛ أمـّا بالنسبة لرحلة الصعود فتمتاز بالإرادة والتكليف والاختيار لذلك يترتب عنها الثواب والعقاب.
السفر صعودا وعروجا إلى الموطن الأصلي هو سفر معنوي لا مادي..... سفر في درجات التفاضل وسلـّم الوجود، يمثل مفترق طرق إمـّا إلى الثواب والجنة أو إلى العقاب والنار، ويكون فيه الإنسان مسؤولا مسؤوليـّة عظمى على حركاته، وأقواله، ونيـّاته واعتقاداته......
تمرّ رحلة العودة الاختياريـّة بأربعة أسفار معنويـّة..... هذا السفر المعنوي الكبير عبر قوس الصعود يمر بأربعة أسفار معنوية هي (5):
- السفر الأول: من الخلق إلى الحق؛
- السفر الثاني: من الحق إلى الحق بالحق؛
- السفر الثالث: من الحق إلى الخلق بالحق؛
- السفر الرابع: من الخلق إلى الخلق بالحق؛
كل هذه المقدمة لأنني أريد أن أبحر مع الإخوة والأخوات الأعزاء في رحلة معرفية، عرفانية، نورانية لتسليط بعض الأضواء على تلك الأسفار الأربعة، مع قلـّة الباع وقصور الإطـّلاع، مـُتـّبعا سبيل العارفين ولست منهم، ومرتكزا على ثمار ما جـَنـَوْه من رحلات سيرهم وسلوكهم العملي نحو الحق تعالى، لعلّ يد القـُدْرة تـُيـَسـّر لنا الولوج إلى تلك الحضرة النورانية المقدسة، وتفتح علينا فتح العارفين لنتذوق مذاق أهل الود والصفاء وأصحاب الإخلاص والنقاء.... هذه الرحلة – التي أريد أن أبحر مع الإخوة والأخوات فيها - ممكن أن تأخذ منا بعض الليالي – ثلاث أو أربع مناسبات – حسب قابلية الإخوة والأخوات، وحسب ما تجود به علينا عناية الحق سبحانه وتعالى.
نتطرق هذه الليلة إلى السفر المعنوي الأول.
السفر الأول المعنوي :
هو هجرة وخروج من ظلمة بيت الذات، ومنزل الدنيا، وكهف الأنانيـّة ومستنقع الشهوات إلى نورانيـّة عالم الحق تجسيدا لقول الله تعالى: " وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا " (النساء : 100).
يبدأ السالك في هذا السفر الأول رحلة هجرته من عالم الكثرة إلى عالم الوحدة..... من عالم المادة والطبيعة إلى الله سبحانه وتعالى..... من الآثار إلى المؤثر..... من العلـّة إلى المعلول..... من الخلق إلى الحق، يكون مقصده الواحد بالوحدة الحقيقيـّة (6) هجيره وذكره : لا إله إلا الله..... لا معبود إلا الله..... لا محبوب إلا الله..... لا مطلبوب إلا الله..... ليس هناك من محبوب عنده ولا مطلوب عنده ولا معبود عنده سوى الباري جل ثناؤه.
تـُفضي هذه الوحدة الحقـّة الحقيقيـّة بالسالك إلى الوجود الحقـّاني وهو الوجود الذي لا موضع للأنانيـّة ولا للإنية فيه، بل كلـّه لله تعالى، حيث لا يرى حيثما توجـّه إلا الله " فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ " (البقرة : 115) ولا يرى السالك هناك شيئا في كلّ شيء سوى الله تعالى : " ما رأيت شيئا إلا ورأيت الله قبله وبعده ومعه " كما ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام.
في بداية الرحلة تكون الوحدة محتجبة بالكثرة، إلا أنه في نهاية السفر تحتجب الكثرة بالوحدة. هنا وجب التنبيه على أنه لا يتبادر للأذهان أن الاحتجاب هو الإعدام، لا ليس الأمر كذلك..... الاحتجاب ليس معناه الإعدام؛ بمعنى أن المراد من الاحتجاب هو عدم الالتفات إلى الكثرة والانشغال التام بالوحدة. فعدم الالتفات إلى الشيء لا يعني إعدامه خارجيا (7). يؤدي الانشغال التام بالوحدة إلى غياب السالك عن الأغيار (يغيب عن كل ما غير الله) وفناؤه في الواحد القهار، فلا يرى (السالك) غير محبوبه ومقصوده ومراده ومطلوبه.
هذا الفناء هو بمثابة استهلاك الأغيار في الوحدة، ويكون على مراتب ثلاثة (8):
- الفناء عن التعلـّقات النفسيـّة، أو فناء أفعال السالك في فعل الحق تعالى، أو الفناء الأفعالي المـُعبـَّر عنه كذلك بالمحو؛
- الفناء عن التعلـّقات القلبيـّة، أو فناء صفات السالك في صفات الحق تعالى، أو الفناء الصفاتي المـُعبـَّر عنه كذلك بالطمس؛
- الفناء عن الذات (وهو قمة الفناء)، أو فناء وجود السالك في وجود الحق تعالى المـُعبـَّر عنه كذلك بالمحق.
هي الحال التي يستغرق فيها السالك ويفنى عن نفسه، وعن قلبه بل وعن ذاته وعن كل ما سوى الحق سبحانه وتعالى، فلا يشاهد غيره لاستهلاكه فيه بالكلية.
محو، وطمس ومحق....تلك الفناءات الثلاثة التي بفضلها يكون السالك قد خرج كليـّا من منزل الذات، وهجر الأنانيـّة، وفارق الغيريـّة ليبلغ كمال الانقطاع إلى الله تعالى.
إذن بفضل تلك الفناءات الثلاث يكون السالك قد خرج كليا من منزل ذاته، وقد هجر إنيته وأنانيته وفارق الغيرية ليبلغ كمال الانقطاع إلى الله سبحانه وتعالى، كما يصرح الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام في مناجاته الشعبانيـّة : " إلهي هب لي كمال الانقطاع إليك ". لم يطلب عليه السلام الانقطاع، لم يطلب مجرد الانقطاع، لأنه يمكن أن يكون مجرد الانقطاع انقطاعا نسبيا، أو ظرفيا، أو حاليا أو غير ذلك؛ بل طلب عليه السلام كماله وفي ذلك كمال ما بعده كمال.
في نهاية السفر الأول تتجلـّى للسالك الفاني وحدانيـّة الواحد سبحانه وتعالى بكلّ مظاهرها، وتظهر بعدما كانت مبطونة ومحتجبة عن الأبصار نتيجة الحجب، فتحصل (للسالك) اليقظة من نومة الغفلة والاستفاقة من رقدة الجهالة، والإبصار بعد العمى، والتذكـّر بعد النسيان، " فيرجع آخر العبد إلى أوله فيكون كما كان قبل أ يكون " (والقولة للجنيد رحمة الله تعالى عليه)
في هذا السفر الأول يتخلـّص السالك من ظلمة ليل أليل حالك ظلامه " وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ " (الليل : 1) إلى أنوار نهار مضيء ساطع ضياؤه " وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ " (الليل : 2)، فيكون بذلك قد عاد إلى موطنه الأصلي )هنا تُفتح آفاق واسعة لفهم الحديث النبوي الجليل " حب الوطن من الإيمان " (وحصل له الموت الاختياري الذي أشار إليه الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله في قوله: " إذا مات أحدكم فقد قامت قيامته يرى ماله من خير وشر ".
الموت كما قلنا ليس فناء..... الموت يمكن أن يكون قتل النفس، متى قتلت النفس مزقت الحجب، ماتت تلك الشهوات، وأدرك السالك المرحلة الأولى من هذا السفر قامت قيامته يرى ماله من خير وشر.
وكذلك ما أشار إليه الإمام علي ابن أبي طالب عليه السلام في قوله : " الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا " .
هذا أعزائي خلاصة السفر المعنوي الأول. إن شاء الله في محطات لاحقة سوف نتمم السفر المعنوي الثاني والثالث والرابع.
نسأل الله تعالى أن يفتح علينا فتح العارفين......
اللهم ساعدنا على التخلص من الأنا والإنية ليصير وجودنا حقانيا. اللهم يسر لنا السفر إليك لنحط الرحال في حرمك وساحة قدسك. اللهم جهزنا لدخول محفل أنسك وطهرنا من كل رجس ودنس، واجعلنا خالصين مخلصين، صادقين صديقين، شاكرين شكورين، تائبين توابين، طاهرين متطهرين إنك تحب التوابين وتحب المتطهرين، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين، والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
(1) : راجع كذلك " الفتوحات المكية "، الشيخ الأكبر محي الدين بن عربي، ج 1، ص 401، " فصل بل وصل في حكم الآذان، دار الجيل – بيروت
(2) : النكتة في تسمية هذا السفر بقوسي النزول والصعود يشرحها السيد كمال كما يلي : هنالك عملية بدء وعملية عود، والبدء هو النزول، والعود هو الرجوع، ولكي يصبح تصوير البدء من نقطة والعود إليها ممكنا مثـّل لكلّ منها نصف دائرة، وكلّ نصف هو على شاكلة القوس لكي يصطف القوسان فيكوّنا دائرة، ويكون العود – صعودا – إلى المبدأ الصدوري والنزولي متعقـّلا، وهذا بخلاف ما لو عـُبـّر عن النزول بخطـّ والصعود بخطـّ فإنه لا يمكن تعقـّل العود " الصعود " والوصول إلى نفس نقطة المبدأ والنزول، لأن كلّ خطـّين إما أن يكونا متعاكسين أو متوازيين أو متقاطعين، وفي كلّ الأحوال سوف يستحيل الالتقاء والعود إلى نفس نقطة المبدأ " راجع " من الخلق إلى الحق – رحلات السالك في أسفاره الأربعة – من أبحاث السيد كمال الحيدري "، بقلم طلال الحسن، ص 50، مؤسسة التاريخ العربي، الطبعة الأولى سنة 2005، بيروت - لبنان
(3) : راجع كذلك المصدر السابق، ص 198
(4) : راجع كذلك المصدر السابق، ص 198
(5) : لتفصيل القول في هذه الأسفار راجع كتاب " من الخلق إلى الحق – رحلات السالك في أسفاره الأربعة " من أبحاث السيد كمال الحيدري، بقلم : طلال الحسن، الطبعة الأولى 2005، مؤسسة التاريخ العربي، بيروت – لبنان، فمنه استقيت أمهات الأفكار
(6) : راجع كذلك " من الخلق إلى الحق – رحلات السالك في أسفاره الأربعة " من أبحاث السيد كمال الحيدري، بقلم : طلال الحسن، الطبعة الأولى 2005، مؤسسة التاريخ العربي، بيروت – لبنان
(7) : راجع كذلك " من الخلق إلى الحق – رحلات السالك في أسفاره الأربعة " من أبحاث السيد كمال الحيدري، بقلم : طلال الحسن، الطبعة الأولى 2005، مؤسسة التاريخ العربي، بيروت – لبنان
(8) : راجع كذلك المصدر السابق