تزكية النفس
أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمان الرحيم، الحمد لله رب العالمين. " الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله لقد جاءت رسل ربنا بالحق " (الأعراف : 43) وأصلى وأسلم على سيد الأنبياء والمرسلين وقائد الغر المحجلين المبعوث رحمة للعالمين، وقدوة للسالكين، ونبراسا للصادقين، سيدنا ومولانا، وطبيب قلوبنا، ونور أبصار عيوننا، وشفيع ذنوبنا أبي القاسم محمد، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد.
إخوتي الكرام، أخواتي الكريمات أوصي هذه النفس الخاطئة وإياكم بتقوى الله فإن خير ما يوصي به المؤمن أخاه المؤمن تقوى الله " يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد " (الحج : 1 – 2)..... " يا أيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوما لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئا. إن وعد الله حق. فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور. إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام. وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت. إن الله عليم خبير " (لقمان : 33 – 34)..... " ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا. وعرضوا على ربك صفا لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة. بل زعمتم ألن نجعل لكم موعدا. ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يا ويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها. ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا " (الكهف : 47 – 49).
الإنسان كائن عجيب وغريب .....
لكلّ مخلوق مقام معلوم، ومرتبة وجودية محدّدة ليس بإمكانه تجاوزها " وما منـّا إلا له مقام معلوم " (الصافات : 164)، مقام الملائكة الكرام مثلا مقام ملائكي، محال أن تتخطى الملائكة مقامها، ومقام الحيوان مقام حيواني، ومقام النبات مقام نباتي...... إلا الإنسان........ الإنسان هو الكائن الوحيد الذي أودع الله سبحانه وتعالى فيه إمكانية تخطي مقامه الوجودي، إيجابا أو سلبا.
إيجابا: على امتداد قوس الرقيّ والتكامل، بإمكان الإنسان الارتقاء إلى مرتبة " مقعد صدق عند مليك مقتدر " (القمر : 55)، المقام الذي يـُعدّ من أعلى مراتب الكمال والقرب من مقام الواحدية والأحدية..... هناك في العندية الإلهية يخاطبه الحق تعالى داعيا إياه إلى ضيافة ربانية على بساط الجود والمن والعطاء " يا أيتها النفس المطمئنة. ارجعي إلى ربك راضية مرضية. فادخلي في عبادي وادخلي جنتي " (الفجر ": 27-30).
حين توجه الله سبحانه وتعالى إلى إبليس اللعين لمّا عصى أمر السجود لآدم قال له عز وجل: " أستكبرت أم كنت من العالين " (ص : 75)، العالين هم طبقة من كبار الملائكة..... الملائكة المهيمة..... الملائكة التي هيمها الله في جلال الجمال، فهي مجذوبة عن الأغيار..... لكن حين توجه إلى المؤمنين قال لهم سبحانه وتعالى: " ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين " (آل عمران: 139)..... " الأعلون " صيغة تفضيل، وهي أعلى مقاما من " العالين ".
إذن الإنسان على امتداد قوس الرقيّ والتكامل، بإمكانه أن يرقى ويترقى إلى مقام أرقى من مقام الملائكة.
من جهة أخرى ربّما ينحدر (الإنسان) – والعياذ بالله – إلى أدنى مراتب الوجود، وإلى أقصى دركات الحضيض.... " أسفل سافلين " (التين : 5) ..... ينزل مستوى الإنسان حتى يصير أدنى من مرتبة الأنعام " أولئك كالأنعام بل هم أضل " (الأعراف : 179).
السؤال الذي يطرح نفسه:
ما السرّ في هذا الرقي وهذا الإنحدار ؟ .....
ما الذي يجعل الإنسان يتخطى مقامه الوجودي، فإما يرتقي ويرتفع إلى ذلك المقام الشريف، وإما – لا قدر الله - ينحدر ويسقط إلى ذلك المقام الوضيع ؟ ....
الجواب أعزائي :
تزكية النفس هي التي تجعل من مقام الإنسان إما فوق مقام الملائكة المقربين، بل ربما أشرف منه؛ أو أدنى من مقام الأنعام والشياطين، بل ربما أحطّ منه.
القرآن الكريم حافل بالآيات الشريفة التي تحث الإنسان على تزكية نفسه، ولعلّ من أهمها قوله تعالى في أوّل سورة الشمس : " والشمس وضحاها. والقمر إذا تلاها. والنهار إذا جلاها. والليل إذا يغشاها. والسماء وما بناها. والأرض وما طحاها. ونفس وما سواها. فألهمها فجورها وتقواها. قد أفلح من زكاها. وقد خاب من دساها " (الشمس : 1-9).
مقطع قرآني غزير المعاني، نستل منه بعض الملاحظات الثمينة التي تبرز الاهتمام الكبير للقرآن الكريم بتزكية النفس :
- لعلّه من المواضع القرآنية القليلة التي يقدّم الحق تعالى لجواب القسم بعدد كبير من الأقسام..... الله سبحانه وتعالى عظيم، ولا يقسم العظيم إلا بعظيم. قدّم العظيم لجواب قسمه، أي قوله تعالى " قد أفلح من زكاها. وقد خاب من دساها " ..... لكي يقول لنا فد أفلح من زكى نفسه وقد خاب من دساها قدّم الله سبحانه وتعالى لنا إحدى عشر (11) قسما : أقسم الحق تعالى ﺒ الشمس، وضحى الشمس، والقمر، والنهار، والليل، والسماء، وبناء السماء، والأرض، وطحي (دحو) الأرض، والنفس، وتسوية النفس ليقول سبحانه أن الذي ينجح في تزكية نفسه يـُعـَدّ من المفلحين، والذي يفشل في تزكية نفسه يـُعتبر من الفاشلين.
- أقسم سبحانه وتعالى ﺒ إحدى عشر (11) قسما فشملت أقسامه كل عالم المادة (عالم الملك والشهادة)، وكأني به سبحانه ينبه الإنسان أنّ كلّ ما خـُلـِق في هذا الوجود مـُسخر لأجله " وسخـّر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون " (الجاثية : 13)،كما جاء في الأثر ما معناه : " عبدي خلقتك من أجلي فلا تلعب وخلقت الدنيا من أجلك فلا تتعب ".
- وردت مفردات القسم : " الشمس " و " القمر " و "النهار " و " الليل " و " السماء " و " الأرض "، في المقطع القرآني المبارك كلّها مُعرّفة بالألف واللام غير أنّ مفردة " نفس " جاءت نكرة؛ حيث يقول تعالى : " ونفس وما سواها "، ولم يقل سبحانه " والنفس وما سواها ". لبيان الغاية من هذا التنكير، ذكر المفسرون عدّة وجوه، لعلّ ما ذهب إليه العلامة السيد محمد حسين الطباطبائي، رحمة الله تعالى عليه، في تفسيره الميزان يـُعـَد من أفضلهم، حيث يرى أن السبب من جعل الخطاب القرآني الشريف النفس نكرة هو بيان عظمتها وفخامتها.
إذن من زكى نفسه ارتقى، ومن دس نفسه – والعياذ بالله – انحدر وهوى.
من يتولى عملية تزكية النفوس ؟ ....
نعود إلى القرآن الكريم، فهو مدارنا، لنقرأ قول الله تعالى : " ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم " (البقرة : 129)، وكذلك : " لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين " (آل عمران : 163).
يتضح جليا أن الهدف من بعثة الأنبياء والمرسلين هو التعليم والتزكية. وردت التزكية قبل التعليم في مواضع قرآنية محددة، كما ورد التعليم قبل التزكية في موارد أخرى؛ لهذا التقديم والتأخير في الموارد بـُعد تفسيري، الخوض فيه يخرجنا عن محدودية لقائنا، ينبغي أن يـُبحث في محله.
استنادا إلى آيات الذكر الحكيم، يمكن إيجاز الهدف الأساسي من بعثة الأنبياء والمرسلين عليكم السلام في بـُعـْديـْن رئيسيين:
- تعليم معارف الدين؛
- تربية الإنسان وتزكيته.
مـُهمـّتان جليلتان بهما يقع صلاح النفوس، تمهيدا لصلاح البلاد والعباد.... لا يصلح أمر البلاد وأمر العباد إلا بصلاح نفوس الأفراد.
هذان الواجبان – أي التعليم والتزكية - يقعان في المرتبة الأولى على عاتق الأنبياء عليهم السلام، ومن بعدهم على عاتق الأوصياء المنتجبين، ومن بعدهم على عاتق العلماء العاملين.
العلماء العاملون، الحافظون للحدود، الجامعون للفضائل، الناهون النفوس عن زيغ الأهواء، المهتدون إلى صراط الاستقامة، والمحفوظون بالألطاف الربانية.... هم – دون غيرهم – يتولون أمر التزكية والتعليم بعد الأنبياء.
من خلال واقع المجتمع الإنساني في هذا العصر، وما تشهده مجتمعات البشرية من انحطاط في الأخلاق، وتدهور في القـِيـَم، (ولعلنا وصلنا إلى حد تدهورت فيه الأخلاق كما لم تتدهور من قبل) وانهيار للفضائل، وطغيان للرذائل، حيث أصبح الإنسان يعاني أزمات في الأخلاق، والمعنويات والمـُثـُل..... من خلال هذا الواقع المتردي، يمكن القول جزما أن حاجة الإنسان للتزكية والتربية أكثر بكثير من حاجته للتعليم.
" التزكية " مفهوم قرآني، وكلمة عربية استخدمها القرآن الكريم في مقابل " التدسية " حيث يقول الحق تعالى : " قد أفلح من زكاها. وقد خاب من دساها " (الشمس : 8 – 9).
لتقريب الصورة إلى الأذهان، نسوق مثالا كثير التداول عند المربين العارفين : مثال البستاني والشجرة.
لكي تنمو الشجرة نموا سليما متكاملا، وتثمر ثمارا جيدا، على البستاني أن يسقيها ويسمـّدها ويوفر لها الضوء والحرارة من ناحية، ومن ناحية أخرى عليه أن يقص أغصانها الزائدة ويقلـّمها. لعمل البستاني إذن وجهان : وجه إيجابي يتمثل في توفير الماء، والسماد، والضوء، وآخر سلبي يتمثل في تقليم الأغصان، وقص الزائد منها.
هناك وجه شبه كبير بين تزكية الشجرة وتزكية النفس الإنسانية. هذا المثال ينطبق على عملية تزكية نفس الإنسان.
لتزكية النفس الإنسانية كذلك بـُعـْدان أساسيان :
- بـُعـْد أوّل يتمثل في إزالة الرواسب، بتطهير النفس من العادات السيئة، والأخلاق البذيئة، والطبائع المذمومة، ومخالفة الأهواء، وهي العملية التي يـُطلق عليها " التخلية "؛
- بـُعـْد آخر يتمثل في إحداث أمور أخرى حيث يـُزرع فيها العادات الحسنة، والأخلاق الإلهية، وأسرار العبودية، وهي العملية التي يـُطلق عليها " التحلية ".
- إذن بعد " تخلية " : أزيل الرواسب، وأزيل العادات السيئة والأخلاق البذيئة؛
- بعد " التحلية " : أزرع فيها عادات حسنة وأخلاق إلهية.
كان الصحابة يقولون: " كان رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – يفرغنا ثم يملأنا "..... كان عليه وآله الصلاة والسلام يفرغهم من رواسب الجاهلية بعاداتها السيئة، وطبائعها المذمومة، وأخلاقها البذيئة..... وكان يملأهم عادات حسنة، وقيما نبيلة، وأخلاق ربانية، وشمائل محمدية.....

أيهما قبل الآخر التخلية أم التحلية؟
" التخلية قبل التحلية "، فمن كان يملك كأسا به أوساخ، وأراد أن يشرب ماءا صافيا في ذلك الكأس، وجب عليه أوّلا إزالة الأوساخ من الكأس (التخلية)، ثم ملأه (الكأس) بالماء الصافي والصالح للشراب (التحلية).
عمليتي " التخلية " و " التحلية " تمران عبر المجاهدة والرياضة.... حتى نزكي أنفسنا يجب أن نمر عبر المجاهدة والرياضة.
المجاهدة هي حمل النفس على المشاق البدنية، ومخالفة الهوى على كلّ حال؛ أمّا الرياضة فهي رياضتان: رياضة أدب، وهو الخروج عن طبع النفس، ورياضة طلب وهو صحة المراد به، وتهذيب الأخلاق النفسية.
لا تبدأ تزكية النفس إلا بتوبة نصوح مستوفية الشروط، وما شروطها إلا العلم بالمخالفات والندم على ما فات والنية على تجاوز المعوقات؛ ثم يمتطي السالك جوادي الرياضة والمجاهدة. وما الرياضة إلا تهذيب الأخلاق النفسية بتخليصها من الرعونة ومذموم الصفات وحملها على احتمال الأذى في العرض الخارج عن البدن، وما المجاهدة إلا حمل النفس على المشاق البدنية المؤثرة في المزاج وهنا وضعفا. علينا أن نضع في الحسبان أن المجاهدة، تماما كالرياضة، غير مقيدة بفترة زمنية ولا محصورة في حالة إيمانية، بل هي عمل يومي وجهد دؤوب متواصل لا يسعها عمر بأكمله وإن طال.
يتدرج السالك في رياضته ومجاهدته متجرعا المرارات، ومتحملا المكابدات، ومخالفا لحظوظ النفس في كل الحالات، ومتوخيا الأدب في كل المقامات، ساعيا إلى تخليص جوارحه من المخالفة، ونفسه من المألوف، وعقله من الخيال، وقلبه من الرعونة، وهمته من القيد، وعزيمته من التثبيط، إلى أن يفارق الأخلاق الطبيعية، ويخمد الصفات البشرية، ويجانب الدعاوي النفسانية، وحينها يتعلق بالعلوم الحقيقية، ويصفي قلبه من مراقبة البرية، وينازل الصفات الروحانية، ويعانق المقامات الربانية. فتكون بذلك التوبة مدخله..... الرياضة مسلكه..... المجاهدة منهجه..... التقوى حليته..... المراقبة مشغله..... المحاسبة ديدنه..... الحياء خلعته..... الزهد رايته..... الورع وشاحه..... الفقر زينته..... الصبر حلته..... الخوف ملزمه..... الرجاء منارته..... الإخلاص خلعته..... العزلة سبيله..... التوكل شأنه..... الرضى مطيته..... المحبة مطلبه..... القرب مطمعه ..... (1)
هذه بعض مقامات السالكين ودرجات المريدين، ومحطات تستوقف أصحاب المجاهدة في عروجهم إلى رب العرش العظيم. مقامات أفاضت بها كتب العارفين ومصنفات الواصلين تبيانا وتفصيلا.
ربما تكون لنا وقفات أخرى محاورها معرفة النفس، وتزكيتها عبر المجاهدة والرياضة..... إلى ذلك الحين نسأل الله أن يكون ممن نوى إلى الله توبة نصوحا، بشروطها الثلاث.
اللهم إنا نعوذ بك من قول بلا عمل، ونسألك أن تجعلنا ممن علم فعمل، وعمل فأخلص، وأخلص فتقبل منه..... ربنا تقبل منا إنك عليم بما في الصدور..... ربنا اجعلنا ممن اجتبيتهم، واصطفيتهم، وأرشدتهم إليك وهديتهم، وألهمتهم ذكرك وما نسيتهم، وجهزتهم لدخول محفل أنسك وما استثنيتهم.... اللهم اعف عنا وعافنا واهدنا إلى صراطك المستقيم، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآل بيته الطيبين الطاهرين والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
(1) : راجع كتابنا: " مصباح الأنوار – لمعرفة كنه النطق والكلام، ومكنون القول واللغة والحوار، وحقيقة النفس وتخليصها من الأوهام "، د. محمد الصادق بوعلاق، 2004 م، دار ومكتبة الهلال - بيروت