ٱللـَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلـُكَ يَا خَيْرَ مَحْبُوبٍ وَأَعْظـَمَ مَقـْصُودٍ، وَمَنـْبَعَ كُلِّ خَيْرٍ وَجُودٍ، أَنْ تـُصَلـِّيَ وَتـُسَلـَّمَ عَلـَى وَالِدِ كُلِّ مَوْلـُودٍ، صَاحِبِ لِوَاءِ ٱلْحَمْدِ ٱلْمَعْقـُودِ، وَقـُطْبِ دَائِرَةِ ٱلْوُجُودِ، وَخُلاَصَةِ كُلِّ مَوْجُودٍ، وَمَحَلِّ ٱلسَّمْعِ وَٱلشُّهُودِ، وَأَكْمَلِ عَابِدٍ دَلَّ عَلـَى ٱلْمَعْبُودِ، وَوَاسِطـَةِ تَجَلـِّي ٱلنـُّورِٱلْأَزَلِيِّ ٱلْمَمْدُودِ. حَبيـبـِكَ وَصَفِيِّكَ ٱلَّذِي وَهَبْتَهُ دُونَ غَيْرِهِ ٱلْمَقَامَ ٱلْمَحْمُودَ، وَجَعَلـْتـَهُ شَفِيعَ جَمِيعِ ٱلْخَلاَئِقِ يَوْمَ ٱلْوُرُودِ، وَاخْتـَصَصْتَهُ بِمُطـْلـَقِ ٱلشَّفَاعَةِ فِي ذَلِكَ ٱلْيَوْمِ ٱلْمَوْعُودِ، فَهْوَ فاتِحُهَا وَخَاتِمُهَا وَجَاعِلـُهَا شَامِلَةً لِكُلِّ مَوْجُودٍ. وَعَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ أَصْحَابِ ٱلْكَرَمِ وَٱلْجُودِ، وَٱلْأُمَنَاءِ عَلَى خَزَائِنِ ٱلْوَحْيِ وَعَرْشِ ٱلشُّهُودِ. وَعَلَى كُلِّ مَنْ سَارَ عَلَى ٱلنَّهْجِ ٱلْقَوِيمِ دُونَ انْقِلاَبٍ عَلَى ٱلْأَعْقَابِ وَلاَ تَنَكُّرٍ لِلْعَهْدِ ٱلْمَعْهُودِ، وَأَنْ تـُبْعِدَنَا فِي ٱلدُّنْيَا عَنْ نَارِ ٱلْكُفـْرِ وَخِزْيِ ٱلْجُحُودِ، وَتـُجِيرَنَا فِي ٱلْبَرْزَخِ مِنْ ضَمَّةِ ٱلْقَبْرِ وَضِيقِ ٱللـُّحُودِ، وَتَجْعَلـُنَا فِي ٱلْآخِرَةِ مِمَّنْ تـَنالـُهُمْ شَفاعَةُ ٱلْحَبِيبِ ٱلْمَحْمُودِ، فـَنـَرْتـَوِيَ مِنْ حَوْضِهِ ٱلْمَوْعُودِ، وَ نـَسْتـَظِلَّ بظِلِّ لِوَاءِهِ ٱلْمَمْدُودِ، وَنـَدْخُلَ جَنـَّةَ ٱلْخُلـُودِ، مَعَ ٱلرُّكَعِ ٱلسُّجُودِ،ٱلْمُوفـِينَ بِٱلْعُهُودِ.
مدار كلامنا في هذه المناسبة المباركة حول مقام محمديّ أعلائيّ عظيم، امتن به الحق تعالى على حبيبه صلى الله عليه وآله..... هذا المقام هو " المقام المحمود "، ويُطلق عليه كذلك " مقام الشفاعة الكبرى ".
يخاطب الحق تعالى حبيبه صلى الله عليه وآله في سورة الإسراء المباركة فيقول له: " وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَىٰ أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا " (الإسراء : 79).
تبيـّن هذه الآية الشريفة معنيين جليلين :
يهب الله سبحانه وتعالى رسوله الأكرم صلى الله عليه وآله مقاما يصفه ﺒ " المحمود "؛
هذا المقام يوهب له صلى الله عليه وآله في الآخرة.
ما المراد من المقام المحمود ؟..... ما الدليل على أن هذا المقام مرتبط بالآخرة ؟.....
الإجابة عن هذين السؤالين تفتح مغاليق أبواب كبيرة متعلقة بمقامات الرسول الأمجد صلى الله عليه وآله.
لغويا:
المـَحـْمـُودُ: اسم مفعول من حـَمـَدَ، ويعني الشخص الذي يـَحـْمـَدُه غيره؛
الحـَامـِدُ: اسم فاعل من حـَمـَدَ، ويعني الشخص الذي يـَحـْمـَدُ الآخرين؛
الحـَمـْدُ: مصدر من حـَمـَدَ، وهي العمليـّة التي يقوم بها الحامد تجاه المحمود.
أساسا ما هو الحمد ؟ ....
عن هذا السؤال يجيبنا الراغب الأصفهاني في " المفردات في غريب القرآن " فيقول : " هو الثناء على الجميل الاختياري وهو أخصّ من المدح، وأعمّ من الشكر، فإن المدح يقال فيما يكون من الإنسان باختياره، ومما يقال منه وفيه بالتسخير، فقد يمدح الإنسان بطول قامته وصباحة وجهه كما يمدح ببذل ماله وسخائه وعلمه، والحمد يكون في الثاني دون الأول، والشكر لا يقال إلا في مقابل نعمة، فكلّ شكر حمد وليس كلّ حمد شكرا، وكلّ حمد مدح وليس كلّ مدح حمدا ، ويقال فلان محمود إذا حمد " ( )
كلّ المحامد، وجميع المثاني لله سبحانه وتعالى، " فما من حـَمـْدٍ يـَحـْمـَدُه حـَامـِدٌ لأمر مـَحـْمـُودٌ إلا كان له سبحانه حقيقة، وإذا ثبت لغيره فهو لأنه مظهر تلك الحقيقة التي هي المحمود المطلق بالذات " ()
هذا دائما ديـْدن القرآن الكريم..... ما من صفة تثبت لله عز وجلّ إلا ويشير القرآن الكريم بأن مظهر تلك الصفة الجليلة تتمثل بتمامها، وتتجسد بكمالها في الوجود المقدس للرسول الأكرم صلى الله عليه وآله..... فهو صلى الله عليه وآله محلّ أسمائه تعالى ومـُظهـِرها..... هو صلى الله عليه وآله مَظهَرها ..... صلى الله عليه وآله مَجْلاها ومُجليها.
تصف الآية المباركة المقام الذي وهبه الله تعالى للرسول الأكرم صلى الله عليه وآله بأنه محمود، ولفظ محمود ورد نكرة، والنكرة في هذا الموضع تفيد الإطلاق من غير التقييد، وهذا بدوره يفيد أنه مقام يحمده عليه جميع الخلائق.
المقام المحمود إذن هو المقام الذي له عواقب الثناء، ومرجع جميع المقامات الأخرى، وكلّ الأسماء الإلهية الموكلة بها، وهو مقام جليل اختص الله به حبيبه صلى الله عليه وآله من دون بقية خلقه، يقول الشيخ الأكبر محي الدين بن عربي، قدس سره : " إنما كان صلى الله عليه [وآله] وسلم صاحب المقام المحمود في الشفاعة يوم القيامة بين يدي الله عزّ وجلّ، لأنه أوتي جوامع الكلم، فيحمده في ذلك المقام الأوّلون والآخرون ويرجع إلى مقامه ذلك جميع مقامات الخلائق، وكما كانت بعثته صلى الله عليه [وآله] وسلم عامـّة وشريعته جامعة لجميع الشرائع كانت شفاعته كذلك عامـّة، فكما لا يخرج عن شريعته عمل يصحّ أن يشرع كذا لا يصحّ أن يخرج عن شفاعته أحد " ().
تخبرنا إذن الآية الجليلة أن رسول الله صلى الله عليه وآله محمود من قـِبل كلّ الخلائق الأولين والآخرين..... الجميع يحمد الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله.....
هل هذا الحمد في النشأة الدنيوية أم في النشأة الأخروية ؟....
هذا الحمد في النشأة الأخروية بقرينة لفظ " يَبْعَثَكَ ".
ورد في القرآن الكريم هذا اللفظ (يَبْعَثَكَ) بمشتقاته المختلفة في مواضع كثيرة وكانت كلّها تشير إلى يوم القيامة. الشواهد على ذلك كثيرة نذكر بعض منها:
يخبرنا القرآن الكريم على لسان الخليل إبراهيم عليه السلام، فيقول : " وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ " (الشعراء : 85 – 89)؛
يخبرنا القرآن الكريم أيضا على لسان روح الله عيسى عليه السلام، فيقول: " وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا " (مريم : 33)؛
" ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَٰلِكَ لَمَيِّتُونَ (15) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ " (المؤمنون : 15 – 16)؛
" حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ ۚ كَلَّا ۚ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا ۖ وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ " (المؤمنون : 99 – 100)؛
ندفع بالبحث خطوات إلى الأمام ونطرح السؤال التالي : ماذا يصدر من الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله يوم القيامة حتى يستحق حمدا من قـِبل جميع الخلائق ؟.....
اتفق جميع المفسرون من جميع المدارس الإسلامية أن الذي يصدر منه صلى الله عليه وآله يوم القيامة هو مقام الشفاعة الكبرى، بمعنى أنه صلى الله عليه وآله يشفع لجميع الخلائق يوم القيامة دون استثناء. وردت أحاديث نبوية شريفة عديدة تـُثبـّت هذا المقام..... أحاديث نبوية شريفة تبلغ حدّ التواتر .... أحاديث نبوية شريفة متـّفق عليها بين جميع المسلمين تذهب إلى حدّ توضيح تفاصيل الشفاعة المحمديـّة في الحشر الأكبر يوم القيامة بدقة كبيرة..... الأحاديث النبوية الشريفة كثيرة نختار منها هذا الحديث الطويل :
عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ [وآله] وَسَلَّمَ قَالَ: " إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ مَاجَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ فَيَأْتُونَ آدَمَ فَيَقُولُونَ اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ فَيَقُولُ لَسْتُ لَهَا وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِإِبْرَاهِيمَ فَإِنَّهُ خَلِيلُ الرَّحْمَنِ فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ فَيَقُولُ لَسْتُ لَهَا وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِمُوسَى فَإِنَّهُ كَلِيمُ اللَّهِ فَيَأْتُونَ مُوسَى فَيَقُولُ لَسْتُ لَهَا وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِعِيسَى فَإِنَّهُ رُوحُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ فَيَأْتُونَ عِيسَى فَيَقُولُ لَسْتُ لَهَا وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَأْتُونِي فَأَقُولُ أَنَا لَهَا فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّي فَيُؤْذَنُ لِي وَيُلْهِمُنِي مَحَامِدَ أَحْمَدُهُ بِهَا لَا تَحْضُرُنِي الْآنَ فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ الْمَحَامِدِ وَأَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا فَيَقُولُ يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ وَقُلْ يُسْمَعْ لَكَ وَسَلْ تُعْطَ وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ فَأَقُولُ يَا رَبِّ أُمَّتِي أُمَّتِي فَيَقُولُ انْطَلِقْ فَأَخْرِجْ مِنْهَا مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ شَعِيرَةٍ مِنْ إِيمَانٍ فَأَنْطَلِقُ فَأَفْعَلُ ثُمَّ أَعُودُ فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ الْمَحَامِدِ ثُمَّ أَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا فَيُقَالُ يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ وَقُلْ يُسْمَعْ لَكَ وَسَلْ تُعْطَ وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ فَأَقُولُ يَا رَبِّ أُمَّتِي أُمَّتِي فَيَقُولُ انْطَلِقْ فَأَخْرِجْ مِنْهَا مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ أَوْ خَرْدَلَةٍ مِنْ إِيمَانٍ فَأَخْرِجْهُ فَأَنْطَلِقُ فَأَفْعَلُ ثُمَّ أَعُودُ فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ الْمَحَامِدِ ثُمَّ أَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا فَيَقُولُ يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ وَقُلْ يُسْمَعْ لَكَ وَسَلْ تُعْطَ وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ فَأَقُولُ يَا رَبِّ أُمَّتِي أُمَّتِي فَيَقُولُ انْطَلِقْ فَأَخْرِجْ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ أَدْنَى أَدْنَى أَدْنَى مِثْقَالِ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ فَأَخْرِجْهُ مِنَ النَّارِ فَأَنْطَلِقُ فَأَفْعَلُ)
رفيعة مقامات الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله، شريفة ومتكاملة الأدوار في الدنيا والآخرة:
أوتـِي صلى الله عليه وآله في الدنيا جوامع الكـَلـِم، وكذلك ترجع له في الآخرة جميع المقامات الشريفة.
هو صلى الله عليه وآله رحمة للعالمين في الدنيا، وهو كذلك رحمة للعالمين في الآخرة.
صحـّت له السيادة في الدنيا على جميع الموجودات حيث يقول صلى الله عليه وآله: " أنا سيـِّد ولد آدم ولا فخر " وكذلك: " آدم ومن دونه تحت لوائي ولا فخر "، كما تصحّ له السيادة في الآخرة كذلك على جميع الخلائق فيكون لواء الحمد بيده في المحشر، فهو صلى الله عليه وآله القائل للإمام علي بن أبي طالب عليه السلام: " فإني أعـْطـَى لواء الحمد فأجعله في يدك وآدم وذريته تحت لوائي "، وهو كذلك القائل: " إذا كان يوم القيامة رُفِعت لهذه الأمَّة أعلام فأوّل الأعلام لوائي الأعظم مع علي بن أبي طالب والناس أجمعين تحت لوائي "
كانت صلى الله عليه وآله بعثته النبويـّة الشريفة في الدنيا عامـّة لجميع الناس حيث يقول الحق سبحانه وتعالى في شأنه: " وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ " (سبأ : 28) وشريعته أيضا جامعة لجميع الشرائع السماويـّة، كذلك شفاعته صلى الله عليه وآله عامـّة لجميع المخلوقات دون استثناء.
لهذه المعاني الجليلة يشير الشيخ الأكبر محي الدين بن عربي قدس سره، في كتابه الموسوعيّ " الفتوحات المكيـّة " فيقول : " أنما كان صلى الله عليه [وآله] وسلم صاحب المقام المحمود في الشفاعة يوم القيامة بين يدي الله عز وجلّ لأنـّه أوتـِي جوامع الكلم، فيحمده في ذلك المقام الأوّلون والآخرون ويرجع إلى مقامه ذلك جميع مقامات الخلائق، وكما كانت بعثته صلى الله عليه [وآله] وسلم عامـّة وشريعته جامعة لجميع الشرائع كانت شفاعته كذلك عامـّة، فكما لا يخرج عن شريعته عمل يصحّ أن يشرع كذا لا يصحّ أن يخرج عن شفاعته أحد " ().
للرسول الأكرم صلى الله عليه وآله يوم القيامة مقام الشفاعة الكبرى حيث يشفع للجميع، وله كذلك مقام " مطلق الشفاعة " : أوّلها وأوسطها وآخرها :
أمـّا أوّلها فلأنه صلى الله عليه وآله فاتح باب الشفاعة، فأوّل شفاعة يشفعها عند الله تعالى تكون في حق أهل الشفاعة من ملائكة، ورسل، وأنبياء، وأولياء، وشهداء ومؤمنين. يتوسـّل صلى الله عليه وآله إلى الله تعالى لهؤلاء أن يشفعوا للخلائق.
أمـّا أوسطها ففي عراصات يوم القيامة عندما يموج الناس، ويشتدّ الحرّ، ويلجم العرق الخلائق، ويجـِلّ الأمر، ويعظم الخطب، ويطول وقوف العباد بين يدي ديـّان يوم الدين، لا يعلمون مراد الحق منهم، فيهرعون إلى جميع الأنبياء يطلبون الشفاعة، فيحيلهم كلّ نبي إلى آخر حتى ينتهي بهم المطاق عند الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله فيشفع لهم عند الله تعالى في تعجيل الحساب وتخليص الناس من تلك العراصات ثم يشفع لجميع الخلائق.
أمـّا آخرها فبعد أن يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، وكان صلى الله عليه وآله قد شفع للكثير الكثير من أصناف الخلائق..... حتى بعد ذلك، لا يهدأ للرسول الأكرم صلى الله عليه وآله قرار:
يشفع لطبقات من الناس دخلوا جهنـّم فيخرجهم منها بشفاعته؛
يشفع لآخرين بتخفيف العذاب عنهم؛
يشفع لطبقات من المؤمنين دخلوا الجنة برفع درجاتهم وزيادة كراماتهم؛ على هذا الأساس يمكن أن تشمل شفاعته صلى الله عليه وآله الأنبياء والمرسلين بل حتى أولوا العزم من الرسل، فبشفاعة المصطفى تـُرفع الدرجات
يكون صلى الله عليه وآله يوم القيامة في كلّ مكان منقذا وشافعا ومساعدا: عند الحوض، عند الميزان، عند الصراط..... يصوّر لنا الحديث النبوي الشريف التالي جليل الأعمال المحمديـّة في الحشر الأكبر، فعن جابر بن عبد الله الأنصاري عن علي بن أبي طالب عليه السلام قال: " قالت فاطمة عليها السلام لرسول الله صلى الله عليه وآله : يا أبتاه أين ألقاك يوم الموقف الأعظم ويوم الأهوال ويوم الفزع الأكبر ؟
قال: يا فاطمة عند باب الجنـّة ومعي لواء الحمد وأنا أشفع لأمـّتي إلى ربـّي.
قالت : يا أبتاه فإن لم ألقك هناك ؟
قال : ألقيني على الحوض وأنا أسقي أمـّتي.
قالت : يا أبتاه فإن لم ألقك هناك ؟
قال: ألقيني على الصراط وأنا قائم أقول : ربـّي سلـّم أمـّتي.
قالت: فإن لم ألقك هناك ؟
قال: ألقيني وأنا عند الميزان أقول : ربّ سلـّم أمـّتي.
قالت: فإن لم ألقك هناك ؟
قال: ألقيني على شفير جهنـّم أمنع شررها ولهبها عن أمـّتي.
فاستبشرت فاطمة عليها السلام بذلك "
بقيت نقطة واحدة..... نقطة تتمثل في أن الشفاعة الكبرى يوم القيامة تنقسم إلى عدّة أنواع كلـّها ثابتة للرسول الأكرم صلى الله عليه وآله، إلا أن بعضها خاص له وحده وبعضها يشاركه فيها آخرون (من ملائكة، ورسل، وأنبياء، وأولياء وشهداء)؛ حتى التي يشاركه فيها الآخرون ترجع إليه صلى الله عليه وآله لأنهم لا يشفعون إلا بتوسـّط شفاعته لهم عند الله لكي يشفعوا. فهو صلى الله عليه وآله صاحب الشفاعة على الإطلاق، والكلّ يعود إليه ولا يشفعون إلا بشفاعته لهم. أمـّا أنواع الشفاعات فهي على تسعة ضروب ():
النوع الأوّل: الشفاعة العظمى، وهي عامـّة لجميع الخلائق، وهي خاصـّة للرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وليس لأيّ نبيّ آخر الجرأة أو حق التقدم إليها، وتلك الشفاعة من هول الموقف في العرصات ، والتخفيف عن الخلائق بتعجيل الحساب والحكم، وتخليص الناس من محنة الموقف وشدائده.
النوع الثاني: تتعلـّق بإدخال فريق من المؤمنين إلى الجنة بغير حساب؛ وثبوت هذا النوع له صلى الله عليه وآله قد وردت به النصوص، وهو عند بعضهم خاص به وحده.
النوع الثالث: متعلـّقة بأقوام تساوت حسناتهم وسيـّئاتهم فيدخلون الجنة بشفاعته صلى الله عليه وآله.
النوع الرابع: تتعلــق بفئة من الناس يستحقـّون دخول النار ولكن بشفاعته صلى الله عليه وآله لهم يدخلون الجنة
النوع الخامس: تتعلـّق برفع درجات وزيادة كرامات، وهي خاصة له وحده صلى الله عليه وآله دون غيره من الشفعاء.
النوع السادس: تتعلـّق بأناس دخلوا جهنـّم ثم يخرجون منها بالشفاعة، وهي مشتركة بين سائر الأنبياء والملائكة والعلماء والشهداء.
النوع السابع: تتعلـّق باستفتاح الجنة، وهي خاصة له صلى الله عليه وآله دون غيره.
النوع الثامن: تتعلـّق بتخفيف العذاب عن أولئك الذين يستحقـّون العذاب الدائم في النار.
النوع التاسع: هي لزوّار قبره الشريف والمـُكثرين من الصلاة عليه صلى الله عليه وآله.
اللهمّ آتي محمدًا الوسيلة والفضيلة والدرجة الرفيعة، وابعثه المقام المحمود الذي وعدته إنك لا تخلف الميعاد..... اللهمّ أرزقنا في الدنيا زيارته وفي الآخرة شفاعته..... اللهمّ ارونا من حوضه شربة لا نظمأ بعدها أبدا.
) : " المفردات في غريب القرآن "، الراغب الأصفهاني، ص 131، مادة : حـَمـَدَ
() : راجع " الشفاعة – بحوث في حقيقتها وأقسامها ومعطياتها " السيد كمال الحيدري، ص 319، مؤسسة التاريخ العربي، الطبعة الأولى 2004، بيروت - لبنان
) : " الفتوحات المكية "، الشيخ الأكبر محي الدين بن عربي، ج 12، ص 393(
() : راجع " الفتوحات المكيـة "، محي الدين بن عربي، ج 12، ص 393، تحقيق وتقديم د. عثمان يحيى، تصدير ومراجعة د. إبراهيم مدكور
() : راجع كتاب " الشفاعة – بحوث في حقيقتها وأقسامها ومعطياتها " السيد كمال الحيدري، ص331 الطبعة الأولى 2004، مؤسسة التاريخ العربي، بيروت - لبنان