مقام " أو أدنى "
الدكتور محمد الصادق بوعلاق
ٱللـَّهُمَّ صَلِّ عَلـَى مَنْ دَنَا فَتَدَلـَّى فـَكَانَ لـَهُ مَقَامُ "أَوْ أَدْنَى "، فَاقَ مَرْتَـَبَةَ ٱلْإِحْسَانِ بٱلْعُدْوَةِ ٱلْقُصْوَى، وَعَلاَ دَرَجَةَ " جَمْعِ ٱلْجَمْعِ " بِٱلْمَكَانَةِ ٱلزُّلْفى، وَعُقِدَ لَهُ لِوَاءُ "أَحَدِيَّةِ ٱلْجَمْعِ" بِٱلْمَلَإِ ٱلْأَعْلَى.
حَبِيبُكَ ٱلْمُجْتَبَى، وَصَفِيُّكَ ٱلْمُنْتَقَى، ٱلطَّوْدِ ٱلْأَشَمِّ ٱلَّذِي جَعَلـْتَهُ لِلْكَمَالِ ٱلْمُطـْلـَقِ مُنْتَهَى، وَٱلْبَحْرِٱلخِضَمِّ ٱلَّذِي صَيَّرْتهُ لِلْوُجُودِ قُطْب رَحَى، وَٱلْفَيْضِ ٱلْأَقْدَسِ ٱلَّذِي انْتَخَبْتَهُ لِلْإِرَادَةِ ٱلْبَاهِرَةِ مَجْلـَى، صَاحِبِ ٱلْوَسِيلَةِ ٱلشَّرِيفةِ ٱلْعُظْمَى، وَٱلْمَحَلِّ ٱلْأَعَزِّ ٱلْأَسْنى، وَٱلْمَقَامِ ٱلْأَكْمَلِ ٱلْأَهْنى، وَعَلـَى أَهْلِ بَيْتِهِ أَصْحَابِ ٱلْمَقَامِ ٱلْأَجَلِّ ٱلْأَعْلَى، مَظَاهِرِ أَسْمَائِكَ ٱلْحُسْنى، وَمَجْلَى صِفَاتِكَ ٱلْعُلـْيَى، وَتَرَاجِمَةِ وَحْيِكَ ٱلْمُرْتـَقـَى، وَعَلَى مَنْ سَارَ عَلَى ٱلنَّهْجِ ٱلْمُحَمَّدِيِّ ٱلْأَصِيلِ مِنْ ذَوِي ٱلْأَلْبَابِ وَٱلنُّهَى، وَأَصْحَابِ ٱلْوَفَاءِ وَٱلتَّقْوَى، صَلاَةً تَحْفَظـُنَا بِهَا مِنْ مُرْدِيَاتِ ٱلْهَوَى، وَتـُثَـبِّتـُنـَا بِهَا عِنْدَ ٱلْفِتَنِ ٱلْكُبْرَى، وَتـُنَجِّنَا بِهَا مِنَ ٱلْكُرَبِ وَٱلْبَلـْوَى، وَتَصْبَغـُنـَا بِهَا صِبْغَة مَنْ زَهَدَ فِي ٱلدُّنْيَا وَلَمْ يَطْمَعْ فِي ٱلْأُخْرَى، وَتـُزَحْزِحَنَا بِهَا عَنْ نَارٍ تَلـَظـَّى لاَ يَصْلاَهَا إِلاَّ ٱلْأَشْقَى، وَتـُبَلـِّغَنَا بِهَا مَا فَوْقَ جَنَّةِ ٱلْمَأْوَى، وَتُجْلِسَنَا بِهَا مَعَ خَاصَّةِ خُلاَصَةِ أَوْلِيَائِكَ عَلَى كَثِيبِ ٱلْمَنِّ وَٱلزِّيَادَةِ هُنَاكَ عِنْدَ ٱلْمُلـْتَقَى.
حديثنا في هذا اللقاء المبارك – إن شاء الله تعالى – حول مقام سنيّ..... مقام جليل.... مقام رفيع..... من المقامات العظيمة للرسول الأكرم صلى الله عليه وآله..... مقام يُطلق عليه العرفاء الأجلاء، أهل الطريق، مقام " أو أدنى " وكذلك مقام " أحجية الجمع ".
كمقدمة للموضوع، دعوني أقول أنّ الإيمان مقام أرفع من الإسلام، يقول الحق تعالى: " قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا ۖ قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَٰكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ۖ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ " (الحجرات : 14).
الإسلام هو الانقياد الظاهر والشهادة الظاهرية بأن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان وحج البيت؛ أمّا الإيمان فهو طهارة الباطن وما دلّ عليه الحق تعالى في قوله: " آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ ۚ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ ۚ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ " (البقرة : 285). الإيمان إذن أمر عملي واعتقادي باطني يترتب عليه عمل القلب واللسان وعمل الجوارح. كما قيل: " الإيمان إقرار باللسان، وتصديق بالجنان، وعمل بالأركان، يزيد بالطاعات وينقص بالعصيان ". فكما يكون الإنسان منقادا ظاهريّا بإسلامه يجب عليه أن يكون أيضا طاهرا باطنا ومنقادا بباطنه حتى يُدرك مرتبة الإيمان..... مقام الإيمان يُدرَك بالطهارة الباطنية.
أمّا الإحسان فمقام أرفع من الإيمان وأرقى من الإسلام، وضـّحه الرسول الأكرم صلـّى الله عليه وآله في حديثه الشريف حيث قال : " الإحسان أن تعبد الله كأنـّك تراه، فإن لم تكن تراه فإنـّه يراك ".
الإحسان في حدّ ذاته على درجتين متفاضلتين :
الدرجة الأولى (وهي الأرقى) : أن تعبد الله كأنـّك تراه؛
الدرجة الثانية (وهي الدنى) : أن تعبد الله كأنـّه يراك.
فإن لم تستطع أن تعبد الله كأنـّك تراه رأي العين فانزل إلى الدرجة الثانية وهي أن تعبده كأنـّه يراك؛ بمعنى وطـّن نفسك على أنـّه يراك ويسمعك، وأن كلّ حركاتك، وجميع سكناتك وأفكارك ونواياك مكشوفة لديه؛ وذلك نوع آخر من الشهود خلف حجاب ().
متى علـِمتَ أنّ معبودك يراك حيث لا تراه، ويسمعك حيث لا تسمعه، ويشاهد دقائق أمورك ما ظهر منها وما بطن، فذلك يورثك الخشية منه، وخوفه، وهـَيـْبته وتعظيمه، ويـُلزمك الحياء منه والوقوف عند محارمه.
الإحسان في عمقه، كما يورد الشيخ الأكبر محي الدين بن عربي قدس سره: " إنزال المعنى الروحاني منزلة المحسوس في العيان " (). بهذا الإنزال تصبح عبادة الله بالغيب عين عبادته بالشهادة .... بهذا الإنزال تـُفتح للعبوديـّة آفاق أرحب..... بهذا الإنزال يأخذ التديـّن أبعادا تتجاوز القشور لتنفذ إلى اللباب..... بهذا الإنزال يـُغادر العبد نار البـُعـْد والهجـْر ويـَلـِج نور القرب ليعيش دفء المـَعـِيـّة الربانيـّة. فالقرب من الله تعالى قربان :
قرب في قوله تعالى: " وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ " (ق : 16)، وفي قوله أيضا: " وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ " (الحديد : 4)؛ وهذا القرب مَعـِيّة ربانيّة تشمل كلّ موجود. تكشف هاتان الآيتان الجليلتان من القرآن الكريم عن مَعـِيّة وجوديّة..... مَعـِيّة بالذات الإلهيّة..... مَعـِيّة ضروريّة لا غنى للوجود عنها..... مَعـِيّة من الحق تعالى لازمة للخلق بالذات لأنه ما من شيء من الموجودات إلا وهو موجود بوجود الحق سبحانه وتعالى، وحياته بحياة الباري جل ثناؤه ().
تـُميط هذه المـَعـِيـّة اللثام عن جزء يسير من سرّ سريان وجود الحق تعالى في الأسباب: " اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ " (النور : 35)
قرب أشار إليه الحديث القدسي الشريف المروي عن الرسول الأكرم صلـّى الله عليه وآله.... حديث يُعرف بقرب النوافل، مطلعه:: " ومازال عبدي يتقرّب إليّ بالنوافل حتى أحبـّه، فإذا أحببته كنت..... "، وهذا قرب القيام بالطاعات المودّي إلى سعادة العبد.
إذا كانت سعادة العبد لا تكون إلا بنيْل جميع ما يرغب فيه (العبد)، فذلك لن يكون إلا في جنة الآخرة، أمـّا في الحياة الدنيا فلابدّ للعبد – أثناء مجاهدته لنفسه وسَيْره وسلوكه نحو الله تعالى - من ترك بعض رغباته المؤدّية إلى سعادته، وذلك لن يكون إلا بطاعة الله سبحانه وتعالى إتيانا لأوامره وانتهاء عند نواهيه؛ بل يدفعه الحب الرباني إلى تجاوز الأوامر والفرائض الإلهيـّة إلى إتيان النوافل والمستحبـّات، بل والمثابرة عليها، فيورث ذلك حبا إلهيـّا منصوصا عليه في الحديث القدسي الشريف " ومازال عبدي يتقرّب إليّ بالنوافل حتى أحبـّه..... ". عند ذلك يحطـّ المُتنفـِّل الرحال في مقام جليل هو مقام " قرب النوافل "، فتصبح أعضاءه وجوارحه وجوانحه إلهيّة، بمعنى يصبح الله تعالى عين العبد، وسمعه، ولسانه، ويده وقدمه: " فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، وقدمه التي يمشي بها، وإذا سألني لأعطينـّه وإذا استغفرني لأغفرن له وإذا استعاذني أعذته ".
مقام " قرب النوافل " هو مقام " المحبوبيّة "..... مقام رفيع جليل لا يكون فيه العبد المُتنفـِّل مُحـِبـّا لله فقط، بل يكون أيضا محبوبا من قـِبل محبوبه. مادام المُتنفـِّل محبوبا لله تعالى فهو في حصن حصين ومأمن أمين من عذاب أليم، حيث ورد في حديث السلسلة الذهبيّة: " كلمة لا إله إلاّ الله حصني ، ومن قالها دخل حصني ، ومن دخل حصني أمن عذابي ".
المثابرة في مقام " المحبوبيّة " تورث العبد المُتنفـِّل إيجاب النوافل على نفسه فتصبح عنده في درجة الفرائض. متى أصبحت النوافل بمرتبة الفرائض وثبت السالك على ذلك، حطـّ الرحال في مقام أرفع، ذي درجة أعلى هو مقام " قرب الفرائض ". هذا الأخير يورث فناءا تامـّا في الله عز وجلّ. في مقام " قرب الفرائض " يكون العبد نفسه عين الله، وسمع الله، ويد الله، وقدم الله.....
عظمة هذا المقام الأجلّ تكمن في أن يكون العبد عين الله وليس الله عين العبد .... أن يكون العبد سمع الله وليس الله سمعه..... أن يكون العبد يد الله وليس الله يده..... أن يكون العبد قدم الله وليس الله قدمه..... في هذا المقام يصل العبد مرتبة الفناء في الله عز وجل..... بفناء العبد في الله تعالى يـُبصـِر الله عز وجل من خلال عبده الفاني فيه " مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ " (النجم : 17)، ويسمع من خلال عبده الفاني فيه " لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ " (الحاقة : 12)، وينطق من خلال عبده الفاني فيه " وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ " (النجم : 3 – 4)، ويبطش من خلال عبده الفاني فيه " وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ " (الأنفال : 17)، فيرضى الله تعالى لرضا عبده ويغضب تعالى لغضبه. هذا المقام من المقامات الجليلة الثابتة في حق الصدّيقة الكبرى فاطمة الزهراء عليها السلام؛ ذلك أن للزهراء سلام الله تعالى عليها مقامات رفيعة كثيرة منها هذا المقام..... مقام قرب الفرائض، حيث ثبت عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله قوله في حقها عليها السلام: " إن الله ليغضب لغضب فاطمة ويرضى لرضاها " والحديث الشريف مروي بصـِيَغ عديدة.
من هنا يمكننا أن نستوعب المراد من الكلمات العظيمة التي نقرأها في زيارات أهل البيت عليهم السلام وما وصفوا به أنفسهم؛ ولعلّ أروع ما سجّل لنا هذا المقام الأجل الأرفع هو الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام حيث يقول بكلمات نورانية واصفا نفسه الكريمة: " أنا علم الله، وأنا قلب الله الواعي، ولسان الله الناطق، وعين الله، وجنب الله، وأنا يد الله ".
حتى لا تعصف بنا الأوهام فنغرق في أوحالها، أفتح قوسا لأقول أن لكلام الإمام علي عليه السلام معانٍ عديدة - تـُدرس في محلـّها – فمثلا:
من معاني قوله " أنا قلب الله الواعي ": أنا القلب الذي جعله الله وعاء لعلمه، وقلبه إلى طاعته، وهو قلب مخلوق الله عز وجل كما هو عبد الله عز وجل؛ يقال قلب الله كما يقال : عبد الله وبيت الله وجنة الله ونار الله.
وأما قوله: عين الله، فإنه يعني به : الحافظ لدين الله، وقد قال الله عز وجل: " تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ " (القمر : 14) أي بحفظنا، وكذلك قوله عز وجل: " وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِي " (طه : 39)..... تُصنع في كنف حفظي..
لنعد لصلب موضوعنا فنقول : نحن إذن أمام مقامين جليلين متفاضلين:
مقام " قرب النوافل " الذي يكون فيه سمع العابد هو سمع المعبود، وبصر العابد هو بصر المعبود، ويد العابد هي يد المعبود..... بالرغم من جلالة هذا المقام ورفعة شأنه إلا أن العبد يبقى فيه على محدوديته لأن عين العبد، وكلّ أعضاءه وجوارحه، محدودة متناهية؛
مقام " قرب الفرائض " الذي يتجاوز فيه العابد محدودية مقام " قرب النوافل " (على سـِعته وجلالته) فيصير فيه العابد عين المعبود سبحانه وتعالى .... يصير العابد عين المعبود بعد المحق والسحق والفناء التامّ، ولا يصير المعبود سبحانه وتعالى عين العابد. علينا – في هذا الموضع – أن ننتبه فلا نـُخلط الأمور، ولا نـُسلـِّم مداركنا للأوهام فتعصف بها وتحملها بعيدا عن تنزيه الحق عز وجلّ. لا يجب أن يكون هناك خلط بين العبد والربّ .... بين الخالق والمخلوق .... بين الأصل والصورة .... فالله تعالى لا يـُشبـِهه شيء ولا يـُشبه شيئا : " لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ " (الشورى : 11) .... فلا وحدة ولا اتحاد ولا حلول ....
خلق الله الإنسان على صورته – كما ورد في الحديث النبوي الشريف: " إن الله خلق آدم على صورته " – بمعنى أنه سبحانه وتعالى خلق الإنسان على مقتضى أسمائه وصفاته ليكون دليلا عليه، فمحال أن يـُصبـِح العبد ربا في نفسه وإن تـَخلـّق بأسماء خالقه وظهرت عليه نعوت سيـّده، فللحق تعالى خصوص وصف هو الغنى الذاتي وللعبد خصوص وصف هو الذلـّة والافتقار الذاتي، وهذه الذلـّة والافتقار مدارج الصعود، ومعراج الارتقاء إلى الحق تعالى، كلـّما رسـّخ الإنسان أقدامه في مقام العبوديّة ولازمه كلـّما أفاض عليه الحق تعالى من المِنن بقدر ما رُسِّخت به الأقدام، فالله تعالى هو الظاهر في المظاهر ()، والفرق بين الظاهر والمظاهر أكبر من الفرق بين السماء والأرض. يقول العارف بالله أبو العزايم رحمة الله تعالى عليه () :
فعلمت أني عبده والعبد عبد لا مفرّ
ويُصرّح أيضا :
قريب لأهل القرب جلّ جلاله عـَلِيٌّ على الإدراك والتحديد
لو تدرّجنا وجوديـّا في سُلـّم الدرجات، وترقـّيْنا تجريديـّا في مراتب المقامات لأدركنا أن هناك مقاما أسنى وأرفع من المقامين الجليلين السابقين..... مقام آخر أسنى يمكن أن يصل إليه العبد بجمعه بين مقام " قرب النوافل " ومقام " قرب الفرائض "...... يتفرّع مقام الجمع هذا إلى مقامين حسب قابلية العبد وقدرته على عمليـّة الجمع :
إن جمع العبد بين المقامين لكن دون أن تكون له القدرة على التحكـّم فيهما كيفما شاء ومتى شاء، فذلك المقام مقام ثالث يسميـّه أهل الطريق مقام " جمع الجمع " ()؛
إن جمع العبد بين المقامين مع إمكانية التحكـّم فيهما كيفما شاء ومتى شاء، فذلك المقام مقام رابع يسميـّه أهل الطريق مقام " أحديـّة الجمع " ().
مقام " جمع الجمع " هو المشار إليه بقوله تعالى: " قَابَ قَوْسَيْنِ " (النجم : 9) وهو مفتوح لكلّ سالك إلى يوم القيامة؛ أمّا مقام " أحديّة الجمع " فهو المشار إليه بقوله تعالى: " أَوْ أَدْنَىٰ " (النجم : 9) وهو مخصوص أوحديّ بالرسول الأعظم صلى الله عليه وآله على نحو الأصالة ويرتقي إليه أهل البيت عليهم السلام – دون غيرهم – على نحو الوراثة.
بمقام " أو أدنى " يكون الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله قد بلغ أعلى مراتب التكامل وأقصى درجات الكمال في " قوس الصعود "، حيث أدرك مقاما أعلائيـّا لم يبلغه أحد من قبله ولن يبلغه أحد من بعده. جاءت حادثة المعراج لتركـّز هذا المقام الأوحدي في أذهان المسلمين، كان ذلك حين وصل الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله مع أمين الله جبرائيل عليه السلام إلى سدرة المنتهى فتقدّم صلى الله عليه وآله ووقف جبرائيل عليه السلام، عاتبه صلى الله عليه وآله قائلا : " هل هذا مكان يترك فيه الخليل خليله ؟ "، أجاب الأمين جبرائيل عليه السلام بما معناه: " لقد بلغتَ مقاما ما بلغه أحد قبلك ولن يبلغه أحد بعدك، فلو تقدمت قيد أنملة لاحترقت ".
يجلـِّي لنا مقام " أو أدنى " حقيقة وجوديّة عظيمة تتمثل في أنه إذا كان البدء والنزول من حقيقة رسول الله صلى الله عليه وآله (وهذا ما بيناه في في مناسبة فارطة، حيث بينّا أنّ الحقيقة المحمدية هي واسطة الفيض بين الحق وبين الخلق، وأنها سارية في الوجود مسرى الروح من الجسد؛ تجلى ذلك في حديث الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله للصحابي جابر بن عبد الله الأنصاري، رضوان الله تعالى عليه: " أوّل ما خلق الله نور نبيك يا جابر، ثم خلق منه كل خير ")، فإن الوصول والانتهاء كذلك من حقيقة رسول الله صلى الله عليه وآله، لأنه ليس هناك في قوس الصعود مقام أعلى وأرفع من مقام رسول الله صلى الله عليه وآله حتى يصل الكمال أليه ويُختتم به. لعلّ ذلك معنى من معاني قول الحق تعالى: " ۚ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ " (الأعراف : 29).
كما أنه صلى الله عليه وآله مبدأ الوجود، وقطب رحاه، والواسطة في الإيجاد في " قوس النزول " فهو أيضا منتهى الوجود وغايته، والوسيلة الأتمّ لوصول كلّ ذي كمال إلى كماله في " قوس الصعود ".
هكذا نتدرّج من الإسلام إلى الإيمان، ومن الإيمان إلى الإحسان، ومن الإحسان إلى " قرب النوافل "، ومن " قرب النوافل " إلى "قرب الفرائض"، ومن " قرب الفرائض " إلى " جمع الجمع "، ومن " جمع الجمع " إلى " أوحدية الجمع ". عصارة هذه المقامات الجليلة أن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله بلغ أعلى مراتب التكامل في قوسيْ " النزول والصعود "، فهو صلى الله عليه وآله الأقرب من الله تعالى دون سائر عالم الإمكان، والمـُبرز الأكمل لأسماء الله الحسنى، المـُظهـِر الأتمّ للكمال المطلق..... على قدمك يا رسول الله صلى الله عليك وآلك يقف السالكون، ومنك صلى الله عليك وآلك يرث الوارثون ما دونك من كمالاتهم.
حول الوراثة المحمديِّة ربما يكون مدار الكلام في لقاء قادم، إن شاء الله تعالى. إلى ذلك الحين أستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه.
اللهمّ علّمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علّمتنا وزدنا علما..... اللهمّ اجعلنا ممّن يعلمون فيعملون، ويعملون فيخلصون، ويخلصون فيقبلون..... اللهمّ صلّ وسلّم وبارك ومجّد على رسولك وحبيبك محمد وعلى آله الأطهار.