ٱللـَّهُمَّ صَلِّ عَلـَى وَلِيِّكَ ٱلْأَعْظـَمِ، مَجْلـَى ٱلذَّاتِ ٱلْمُطـَلـْسَمِ، وَكَنْزِ ٱلْغَيْثِ ٱلْمُطـَمْطـَمِ، ٱلّذِي تَجَلـَّيْتَ عَلـَيْهِ بِنُورِكَ ٱلْأَفْخَمِ، وَأَطـْلـَعْتـَهُ عَلـَى خَفـَايَا إِسْمِكَ ٱلْأَعْظـَمِ، وَجَعَلـْتـَهُ خَلِيفـَتَـَكَ ٱلأَقـْدَمِ، ٱلْهَادِي إلـَى صِرَاطِكَ ٱلْأَقـْوَمِ.
سَيِّدِنَا وَمَوْلاَنَا وحبيبنا وطبيب قلوبنا مُحَمَّدٍ صَاحِبِ ٱلْجُودِ ٱلْأَكْرَمِ، وَمُظـْهِرِ ٱلْكَمَالِ ٱلْمُكـَتـَّمِ، وَمَظـْهَرِ ٱلْجَمَالِ ٱلْمُفـْعَمِ..... وَعَلَى آلِهِ آلِ ٱلشُّهُودِ وَٱلْعِرْفَانِ، وَأَصْحَابِ ٱلذَّوْقِ وَٱلْوِجْدَانِ، حُرَّاسِ ٱلْعَقِيدَةِ مِنْ قُطَّاعِ طُرُقِ ٱلْإِحْسَان، وَخُلـَفَاءِ ٱلْخَلِيفَةِ عَلـَى كُلِّ مَوْجُودَاتِ عَالَمِ ٱلْإِمْكَانِ.... صَلآَةً تُخْرِجُنِي بِهَا مِنْ ظـُلـْمَةِ أَنـَانِيَّتِي إِلـَى ٱلْنـُّورِ، وَتـُبْعِدُنِي بِهَا عَنِ ٱلنِّفَاقِ وَٱلْفُجُورِ، وَتَجْمَعُنِي بِهَا مَعَ مَنْ جَاهَدُوا بِصِدْقٍ وَقَدَّمُوا دِمَاءَ ٱلنُّحُورِ، وَتُجِيرُنِي بِهَا مِنْ فِتَنِ ٱلدُّنْيَا وَأَهْوَالِ ٱلْقُبُورِ، وَتُأْمِنُنِي بِهَا فِي جَمْعِ ٱلْحَشْرِ وَفـَرْقِ ٱلنُّشُورِ
إخوتي الكرام، أخواتي الكريمات، السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته. نبارك لكم ذكرى ميلاد الإمامين الجليلين: سيد الشهداء الإمام الحسين عليه السلام والإمام السجاد علي زين العابدين سلام الله تعالى عليه، وكذلك ذكرى ميلاد ساقي عطاشى كربلاء وكفيل العقيلة زينب عليها السلام... أبو الفضل العباس عليه السلام
وقفتنا هذه الليلة المباركة مع مقام سنيّ... مع مقام عليّ وهبه الحق تعالى لصفيّه وحبيبه صلى الله عليه وآله، وهو كذلك للأئمة الأطهار عليهم السلام، وكذلك للنبيين، والصديقين والشهداء..... أقصد بذلك " مقام الشهادة " .... الشهادة على أعمال الخلائق يوم القيامة.
ما هي خصائص هذا المقام العظيم ؟ .... كيف يضطلع به الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله يوم القيامة ؟ .... كيف يضطلع به الأئمة الأطهار والنبيون والصديقون والشهداء؟......
تمثـّل الإجابة عن هذه الأسئلة مدار كلامنا هذه الليلة المباركة..
أمهّد لكلامي برفع الالتباس عن المفهوم القرآني ﻠ " الشهادة ".
أعزائي، مفهوم " الشهادة " في القرآن الكريم أعمّ من القتل في سبيل الله.
نعم، لم يسمّي القرآن الكريم المقتول في سبيل الله بالشهيد بل سمّاه " مقتولا في سبيل الله "، حيث يقول الحق تعالى: " وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ " (آل عمران : 169) وكذلك: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَٰكِنْ لَا تَشْعُرُونَ " (البقرة : 153 – 154). تسمية المقتول في سبيل الله بالشهيد هي تسمية حديثية – روائية وليست قرآنية حيث نجد لها مكانا في الحديث النبوي الشريف.
ما يجب أن يستقر في أذهاننا – وهذا مهمّ عندي - أن مقام الشهيد أعمّ وأوسع من القتل في سبيل الله بكثير، بل لا يمثـّل المقتول في سبيل الله إلا طبقة من طبقات الشهداء ومرتبة من مراتبهم.
تطرقت لمفاهيم الشهيد، والشاهد، والشهداء، والشاهدون، والشهود والأشهاد تعريفا، وتفصيلا في كتاب لي بعنوان " الشهيد، الشهادة والاستشهاد ". أستلّ من الكتاب هذه التعريفات التي أراها ضروريّة للولوج إلى موضوع الليلة.
الشهيد هو الإنسان الذي شـَهِدَ الواقعة – أو الحدث – شهادة حضورية مباشرة، سمعية، بصرية، وأدلى بشهادته للآخرين، أو هو على الأقل مستعد للإدلاء بها أمامهم ().فشهادة الشهيد إذن شهادة مباشرة وحضورية، وعِلـْم الشهيد بموضع الشهادة علم حضوري، حصل مباشرة عن طريق سمع مباشر، وبصر مباشر، وموقف الشهيد هو الاستعداد للإدلاء بذلك متى طـُلِب منه؛
الشاهد هو الإنسان الذي لم يـَشهـَد الواقعة – أو الحدث – شهادة حضورية مباشرة، لكنه أدلى بشهادة معرفة وخبرة؛
دعوني أسوق مثالا حتى تترسخ هذه المفاهيم في الأذهان: نتصور – لا قدر الله – أن مبنى سقط...
الأخ الذي كان مارا أمام المبنى حين سقوطه وحضر الواقعة هو شهيد إذا أدلى بشهادته.... الخبير الذي نلتجئ إليه لمعرفة لماذا سقط المبنى حيث يأخذ عينات ويتولى حساب الخرسانة والحديد ومواد البناء لينجز تقريره، هو شاهد.
يقول الحق تعالى في سورة يوسف : " وشهد شاهد من أهلها إن كان قميصه قُدَّ من قُبُل فصدقت وهو من الكاذبين " (يوسف : 29). هذا الشاهد الذي أنطقه الله سبحانه وتعالى لم يكن حاضرا حين غلقت زليخة الأبواب لكنه شهد شهادة خبرة فهو شاهد وليس بشهيد.
الشهيد يُجمع على الشهداء، والشاهد يـُجمع على الشاهدين؛ وإذا كان هناك شهداء وشاهدين معا فجمعهم يكون على شهود وأشهاد.
الشهيد والشاهد يجمعان على شهود في مقام الحياة الدنيا، أما في الآخرة فيجمعان (الشهيد والشاهد) على أشهاد.


أعزائي، عندما يريد الله سبحانه وتعالى أن يحاسب الإنسان في الحشر الأكبر فإنه لا يكتفي بشهادة شهيد واحد، بل يعدّد عليه الأشهاد.
ورد في القرآن الكريم قوله تعالى:
وكذلك:
" إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ " (غافر :51)
أشار القرآن الكريم إلى بعض الأشهاد يوم القيامة، نستعرض أهمّهم.
أوّل الأشهاد يوم القيامة : الأرض
الشهيد الأول على أعمال الإنسان يوم القيامة هي الأرض...... الأرض التي أطاع الإنسان الله على ظهرها، أو عصاه فوقها. يقول الحق تعالى: " إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا " (الزلزلة : 4).
تـُحدِّث الأرض – يوم القيامة – فتخبر عن كلّ ما وقع على ظهرها خيرا كان أو شرا، طاعة كانت أو معصية.
لا نستغرب من شهادة الأرض، فهي (الأرض) مخلوق من مخلوقات الله عز وجل، وما خلق الله تعالى شيئا في الكوْن إلا حيا ناطقا، جمادا كان أو نباتا أو حيوانا أو غير ذلك، من عُمّار العوالم العُلْوية والسفلية. هذا ما رأيناه في مناسبة فارطة..... كلّ ما في الوجود حيّ ناطق.. علامة حياته ونطقه تسبيحه وخشوعه وسجوده (الشواهد القرآنية على ذلك كثيرة، كنا قد عرضناها في كلمة بعنوان " الكون حي ناطق " لو تتذكرون... يمكن الرجوع إليها على قناتي على " اليوتوب ").
ثاني الأشهاد يوم القيامة : الأعضاء والجوارح البشريـّة
الشهيد الثاني على أعمال الإنسان يوم القيامة هي أعضاؤه وجوارحه البشرية، سواء كانت من النشأة الظاهرة مثل الجلد واليد واللسان والبطن والفرج، أو من النشأة الباطنية مثل السمع والبصر والقلب.
يقول الله عز وجل غي كتابه الكريم :
" الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰ أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ " (يس : 65)
وكذلك :
" وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ حَتَّىٰ إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا ۖ قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ " (فصلت : 19-21)
أعضاء جسد الإنسان وجوارحه كالآلة للنفس ..... كلّ هذه الأعضاء والجوارح جنود مُجندة وضعها الله سبحانه وتعالى تحت إمرة الإنسان لإخراج ما أضمرت ذاته، وبيان ما بيـّنت حقيقته، وكشـْف ما تعلّْقت به نيـّته وإرادته. ولنفس الإنسان في هذه الدنيا حُكمٌ وإمارة على جميع الأعضاء والجوارح من عين وأذن ولسان ويد ورجل وبطن وفرج وقلب..... والإنسان مكلف بحسن تدبير شؤون مملكته، ومسؤول عن إقامة العدل بين رعيـّته، لأن الحق تعالى أعطاه القيـّوميـّة على كلّ عضو، ورسم له الحدود وخط له الخطوط. ولكلّ عضو من الأعضاء البدنية حياة ذاتية خاصـّة، وهذه الحياة صفة نفسية لذلك العضو، بها قبل تجليات ربـّه عليه، وبها علم ونطق وعبد، وبها يسبح ربه دائما دون فتور ولا لغوب، وبعين تلك الحياة الذاتية، التي أخذ الحق بأبصار وبصائر عامة الخلق عنها، تشهد الأسماع والأبصار والجلود حين يحضرها الرب الودود لإقامة العدل يوم الخلود.
سبحان ربي، ما أغرب ما في الإنسان؛ تتمرد ذاته وتتجنى حقيقته، وتسبّح أعضاءه وتطيع جوارحه. ما من بشر يروم مخالفة الحق إلا وتتأذى أعضاءه وتستنفر وتتوسل بلسان الحال والمقال أن لا يستعملها في معصية الديان، وأن لا يجعلها سببا في هلاكه، لأنها إذا أشهدها الحق تعالى شهدت، وإذا أنطقها تكلمت. فمن حق الجسد والجوارح على النفس أن لا تحركها إلا في طاعة الله تعالى، وأن لا توظفها إلا في خدمة الحق
ثالث الأشهاد يوم القيامة : الملائكة
الشهيد الثالث على أعمال الإنسان يوم القيامة الملائكة لقوله سبحانه وتعالى:
" وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ ۖ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ" (ق : 16- 18)
وكذلك:
" كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ " (الانفطار : 9 – 12)
الملائكة جنود مجنـّدة لله سبحانه وتعالى، ولا يعلم جنود الحي القيوم إلا هو، شعارها حفظ الوجود إنفاذا لأوامر المعبود. وجميعها لله مطيعة وعابدة. من بين هؤلاء الجنود المجندة ملائكة كرام يراقبون أفعال العباد، يحفظون عمل كلّ إنسان بكتابته في كتاب يُخرجونه له يوم القيامة، كما يقول الحق تعالى:" وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ ۖ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (13) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا " (الإسراء : 13 – 14)
أثر عن الرسول الكرم صلى الله عليه وآله أنه قال: " كاتب الحسنات على يمين الرجل وكاتب السيئات على شماله، وصاحب اليمين أمير صاحب الشمال : فإذا عمل حسنة كتبها صاحب اليمين عشرا، وإذا عمل سيئة قال صاحب اليمين لصاحب الشمال : دعه سبع ساعات لعلّه يسبّح أو يستغفر " يعقـّب السيد الطباطبائي على الحديث النبوي الشريف فيقول : وفي معناها روايات أخرى، وروي ست ساعات بدل سبع؛ كما ورد أيضا في تفسير قوله تعالى: " إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا " (الإسراء: 78) أخبار مستفيضة دالة على أنّ كتبة الأعمال بالنهار يصعدون بعد غروب الشمس وينزل آخرون فيكتبون أعمال الليل حتى إذا طلع الفجر صعدوا ونزل ملائكة النهار وهكذا ().
رابع الأشهاد يوم القيامة : البشر
يظهر من الخطاب القرآني الشريف أن الذين يشهدون على أعمال الإنسان يوم القيامة لا يقتصر أمرهم على الأرض، والأعضاء والجوارح البشرية والملائكة الكرام، بل يشمل أيضا البشر. يقول الحق تعالى:
" وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ " (الزمر : 69) ... إلى آخر الآيات المباركة من المقطع القرآني من سورة الزمر
ما نفهمه – أيها الأعزاء – أنّ الله سبحانه وتعالى سيُحضِر يوم القيامة الشهداء..... يُحضِرهم مع النبيين من دائرة غير الدائرة المحشرية التي تـُحشر فيها الخلائق ليدلوا بشهاداتهم حتى يكتمل مجلس الحكم الرباني، ويـُقـْضى فيه بين الناس؛ إذ لا يستقيم القضاء الرباني يوم القيامة بدون شهادة النبيين والشهداء.
لمّا يُوضع الكتاب للقضاء بين الناس في الحشر الأكبر يُوْتى بالنبيين والشهداء (الشهداء – كما ذكرنا - ليسوا ضرورة المقتولين في سبيل الله، بل هم الحاضرون حضورا مباشرا، والمستمعون والمبصرون سمعا وبصرا مباشرة) من دائرة غير الدائرة المحشرية التي يـُحشر فيها الناس، ليقوموا بوظيفة الشهادة على أعمال البشر.
لكن، من هم أولئك الشهداء من البشر على أعمال الناس ؟
يجيبنا الخطاب القرآني الشريف بأن في كلّ أمّة يوجد من أبناء تلك الأمّة من يشهد على أعمال الناس فيها، حيث يقول الحق تعالى: " وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ " (النحل : 84)
من هم أبناء كلّ أمّة الذين يشهدون على أعمال بني أمتهم ؟
كلّ نبيّ شهيد وشاهد على أعمال أمّته. نفهم ذلك من قول الله تعالى على لسان عيسى بن مريم عليه السلام حيث يقول: " وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ ۖ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ ۚ وَأَنْتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ " (المائدة: 117)، وكذلك قول الله تعالى في شأن نبيّ الله عيسى بن مريم عليه السلام أيضا: " وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ ۖ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا " (النساء : 159).
سؤال يفرض نفسه:
هل تقتصر وظيفة الشهادة على أعمال الناس على الأنبياء فقط، أم يوجد أشهاد من غير الأنبياء ؟
بلغة أخرى :
هل الشهادة على أعمال الناس من اختصاص مقام النبوة فقط، أم أنّ هناك مقامات أخرى مَوْكول إليها أيضا هذه الوظيفة الدقيقة ؟
التوسّع في الإجابة عن هذا السؤال يُدخلنا في دائرة أخرى من البحث القرآني تفتح آفاقا رحبة أخرى، أجبت عنها بتفصيل وبدقـّة قرآنيّة في كتابي " الشهيد، الشهادة والاستشهاد "، لكن ذلك لا يمنعنا من أن نذكر إجمالا واقتضابا زبدة ما توصلنا إليه

النبيون والصديقون والصالحون هم كذلك شهداء يوم القيامة على أعمال الناس
أعزائي، يمكننا أن نستخلص النقاط التالية:
حسب التعريف القرآني للشاهد والشهيد، يمكننا أن نستخلص أن مهمـّة الأنبياء والمرسلين عليهم السلام تتمثـّل في أن يشهدوا بوحدانية الله تعالى شهادة معرفية، لا شهادة حضورية، ثم يبلغوها للناس، إذ لم يشهد أحد منهم الذات الإلهية المقدسة لتكون شهادته شهادة شهيد..... شهادتهم شهادة شاهد.
الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم من ناحية الدعوة إلى التوحيد شاهد وليس بشهيد، يقول الحق تعالى: " يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا " (الأحزاب : 45 – 46)، وكذلك من جهة شهادته المعرفية على شهادة الناس المعرفية بالتوحيد هو شاهد أيضا وليس بشهيد، يقول الله تعالى: " إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ رَسُولًا " (المزمل : 15).
لكلّ أمّة إذن شهيد من تلك الأمّة يشهد على أعمال أبناء تلك الأمّة. هذا الشهيد هو رسول تلك الأمّة في زمانه، أو أوصياؤه من بعده " يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ ۖ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَٰئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا " (الإسراء : 71)
إضافة إلى هذه الحقيقة العظيمة يشير القرآن الكريم إلى حقيقة أعظم منها، تتمثل – هذه الحقيقة الأعظم – في أنّ فوق جميع أولئك الأشهاد يوجد شهيد يشهد عليهم. هذا الشهيد الأعظم الذي يشهد على جميع الأنبياء والمرسلين، وكلّ الأوصياء المنتجبين هو الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم الذي خاطبه رب العزة في كتابه المجيد قائلا:
وكذلك:
" فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَٰؤُلَاءِ شَهِيدًا " (النساء : 41)
عندما يشهد جميع الأنبياء والمرسلين، والأوصياء المنتجبين على أعمال العباد، من يـُسأل عن صحّة ما يقولون ؟.......
إلى أيّ مرجع نعود لنتثبت من صحّة ما يصدر عن جميع الأنبياء والمرسلين، والأوصياء المنتجبين، وهم أهل الإخلاص والوفاء والطـّهر والنـّقاء ؟.......
هذا المرجع العظيم الذي يرجع إليه الجميع للتثبت من شهادة جميع الأشهاد يوم القيامة هو الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم.
نذكر رواية مباركة في تفسير البرهان (): قال علي بن أبي طالب عليه السلام في صفة يوم القيامة: " يجتمعون في موطن يُستنطق فيه جميع الخلق، فلا يتكلّم أحد إلا من أذن له الرحمان وقال صوابا. فتـُقام الرسل فتـُسأل، فذلك قوله لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم: " فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـٰؤُلَاءِ شَهِيدًا " وهو الشهيد على الشهداء والشهداء هم الرسل ".
هذا المقام السامي من المقامات الخاصة بالخاتم صلى الله عليه وآله وسلم، أي أنّه شهيد على أمّته، وكذلك شهيد على جميع شهداء الأعمال من الأنبياء والأوصياء. ذكر جملة من أهل المعرفة أنّ هذه الحقيقة العظمى هي من أهمّ معاني الخاتميّة، وأنّه صلى الله عليه وآله وسلم الخاتم على صحائف أعمال الأنبياء والأوصياء يوم القيامة. يقول الله سبحانه وتعالى: " مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَٰكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا" (الأحزاب : 40). من القراءات خاتـَم (بفتح التاء) أي الذي يختم على صحيفة الأنبياء والأوصياء يوم القيامة صلى الله عليه وآله وسلم.