ٱللَّهُمَّ بِكَمَالِ حَقِّ قُدْرَتِكَ، وَجَمَالِ بَدِيعِ طـَلـْعَـتِكَ، وَجَلاَلِ عَظَمَةِ هَيْبَتِكَ، ومُنـْتـَهـَى إِحَاطَةِ عِلْمِكَ؛ صَلِّ عَلـَى بُرْقِـعِـكَ ٱللاَّمِعِ، وَنُورِكَ ٱلسَّاطِعِ، وَنَجْمِكَ ٱلطَّالِعِ، ٱلْتـَّعْيـِينِ الأَوَّلِ، وَٱلسِّرِّٱلْأَكْمَلِ، وَقُرْآنِ ٱلْجَمْعِ ٱلْأَشْمَلِ، عُصَارَةِ ٱلْفـَيْضِ ٱلْأَقْدَسِ ٱلذَّاتِيِّ، وَثَمْرَةِ ٱلْفَيْضِ ٱلْمُقـَدَّسِ ٱلصِّفـَاتِيِّ، أَوَّلِ ٱلْبَرَكَاتِ ٱلْمُفـَاضَةِ مِنَ ٱلْعِمَاءِ ٱلرَّبَّانِيِّ. مَنْ تَجَلَّيْتَ عَلَيْهِ بِٱلنُّورِ ٱلصَّمَدَانِيِّ، وَفَتَحْتَ لَهُ خَزَائِنِ ٱلْمِنـَن ِوَٱلرَّحَمُوتِ، وَوَهَبـْتـَهُ أَسْرَارَ ٱلْغَيْـبِ وَٱلْجَبَرُوتِ، وَمَنَحْتَ بِظُهُورِهِ أَنْوَارَ ٱلْمُلـْكِ وَٱلْمَلَكُوتِ. وَعَلـَى أَهْـلِ بَيْـتِهِ شَمْسُ شُمُوسِ ٱلْحَقِيقـَةِ، وَحُرَّاسُ عُرُوشِ ٱلطَّرِيقـَةِ، وَنُورُ بَدْرِ ٱلشـَّرِيعَةِ، وَحُمَاةُ كُلِّ لَطِيفـَةٍ وَرَقِيقـَةٍ، وَرُعَاة كـُلِّ كَثِيفـَةٍ وَدَقِيقـَةٍ، مَرْكَزِ إِحَاطـَةِ ٱلْبَاطِنِ بِٱلظـَّاهِرِ، وَقـُطـْبِ رَحَى ٱلْأَوَّلِ وَٱلْآخرِ. صَلاَةً تَجْعَلُ بِهَا إِيمَانِي مِنْ شَمْسِ حَقِيقـَتِهِ، وَمَسَارِي عَلـَى صِرَاطِ طَرِيقِهِ، وَتَدَيُّنِي عَلَى نُورِ بَدْرِ شَرِيعَتِهِ، حَتَّى أَسْتـَنِيرَ فِي لَيْلِ جَهْلِي بِأَنْوَارِ حَقَائِقِ مَعْرِفَتِهِ، وَآنـَسَ فِي سَيْرِي نَحْوَكَ وَخـُطـَايَ نَحْوَهُ بِإِينـَاسِ لـَطـَائِفِهِ، فَأَلـْبَسَ مِنْ خِلـَعِ جَمَالِهِ وَجَلاَلِهِ، وَأَتـَخـَلـَّقَ بـِقـَبَسٍ مِنْ أَخْلاَقِهِ، وَأَتـَّصِفَ بـِبَعْضٍ مِنْ صِفَاتِهِ، وَأَكـُونَ فِي دَائِرَةِ قـُرْبـِهِ وَامْتِنَانِهِ.
مقام إلهي جليل ورفيع الشأن؛ وصف الحق سبحانه وتعالى به نفسه وتسمّى عز وجل بالودود.
وردت المحبّة في القرآن الكريم وفي السنة النبوية المطهرة في حق الله تعالى وفي حق المخلوقين.
ذكر سبحانه وتعالى أصناف الذين يحبهم بصفاتهم فقال: إن الله يحب التوّابين..... ويحب المتطهرين..... ويحب المطهرين..... ويحب المتوكلين..... ويحب الصابرين..... ويحب الشاكرين..... ويحب المتصدقين..... ويحب المحسنين..... ويحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص.
كما نفى سبحانه وتعالى عن نفسه أن يحب قوما لأجل صفات اتصفوا بها لا يحبها فقال: إن الله لا يحب المفسدين..... ولا يحب الفساد.....ولا يحب الفرحين..... ولا يحب كل مختال فخور..... ولا يحب الظالمين..... ولا يحب المسرفين..... ولا يحب الكافرين..... ولا يحب الجهر بالسوء من القول..... ولا يحب المعتدين.... [فحوى الخطاب الإلهي أن الله يحب زوال هذه الصفات عند الناس ولا تزول إلا بضدها]
ثم إن المحبّة الواردة في القرآن الكريم كثيرة وكثيرة جدا، ذكرها سبحانه وتعالى إما تصريحا بالعبارة أو تلميحا بالإشارة..... أما في السنة النبوية المطهرة فيتجلى ذلك في عدة أحاديث نبوية شريفة كقول الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله عن الله في الحديث القدسي عن رب العزة سبحانه وتعالى أنه الله قال: " كنت كنزا لم أعرف فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق وتعرفت إليهم فعرفوني ".... [معمار الوجود إذن أنبنى على ركيزتين أساسيتين أحدهما المحبّة والأخرى هي المعرفة " فأحببت أن أعرف " ]. يعقب الشيخ الأكبر محي الدين بن عربي، قدس سره، عن هذا الحديث القدسي فيقول: " فما خلِقنا إلا له لا لنا، لذلك قرن الجزاء بالأعمال فعَمَلنا لنا لا له، وعبادتنا له لا لنا "؛ لأنه ورد في حديث قدسي جليل آخر قول الحق تعالى: مخاطبا عبده: " عبدي خلقتك من أجلي فلا تلعب، وخلقت الدنيا من أجلك فلا تتعب "؛ كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " إن الله يقول: من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه "
لمقام المحبّة أربعة ألقاب، أو لنقل أربع درجات لأن كل لقب درجة وكل درجة مرتبة:
اللقب الأول: الحب: وهو خلوصه إلى القلب وصفاؤه عن كدرات العوارض، فلا غرض له ولا إرادة مع محبوبه؛
اللقب الثاني: الود: وهو من نعوت الله سبحانه وتعالى، وله اسم إلهي جليل هو " الودود "؛
اللقب الثالث: العشق: وهو إفراط المحبّة، عبّر عنه القرآن الكريم ﺒ " شدة الحب " في قوله تعالى: " والذين آمنوا أشد حبا لله " (البقرة : 165)؛
المقام الرابع: الهوى: وهو استفراغ الإرادة في المحبوب والتعلق به ، نجد معناه في الحديث النبوي الشريف في " حب الله عبده إذا أكثر نوافل الخيرات " وكذلك نجد هذا المقام في اتباع الرسول " قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم. والله غفور رحيم " (آل عمران : 31).
هذا الحب الإلهي يتجلى في رحمة الحق تعالى لعباده حيث يقول سبحانه وتعالى: " ورحمتي وسعت كل شيء " (الأعراف)
القرآن الكريم – كما هو معلوم - 114 سورة..... 113 سورة كلها بدأت ﺒ " بسم الله الرحمان الرحيم "، الموضع الناقص من سورة التوبة عوضته البسملة في سورة النمل في قوله تعالى: " إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمان الرحيم " (النمل : 30). بمعنى 114 كلها رحمة ربانيّة..... رحمة إلهيّة.
بهذين الإسمين المباركين: " الرحمان "، " الرحيم " افتتحت كل سور القرآن الكريم.
أعزائي، في روايات جميع المدارس الإسلاميّة، وفي مقام الشفاعة، نقرأ ما معناه: " يوم القيامة يشفع الأنبياء.... يشفع الأئمة....الملائكة.... الشهداء.... قراء القرآن..... الإنسان في عائلته.... القرآن.... الصيام.... ثم.... ثم.... ثم..... كلهم يشفعون..... لكن بعد شفاعتهم كلها، يبقى عدد كبير من الناس يستحقون الدخول إلى النار..... يأتي النداء من قِبل رب العزة سبحانه وتعالى: هل من شافع فيشفع؟..... هل هناك أحد يخلص هؤلاء؟..... هل هناك أحد؟.... لم يبق شافع، حتى الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله الذي له مقام الشفاعة الكبرى يوم القيامة – والأنبياء يلوذون به – يكون قد شفع، وشفع، وشفع واستكمل شفاعته..... يقول الحديث ما معناه: بعد شفاعة كل هؤلاء، يشفع أشفع الشافعين [يقول الله عز وجل: الآن جاء دوري].... تقول الرواية: فيشفع سبحانه وتعالى.... ثم يشفع..... ثم يشفع.... ثم يشفع حتى يمدّ لها إبليس عنقه". سبحانك من إله رحيم، رحمان، رؤوف، جواد منان
سؤال يطرح نفسه : بعد مقام المحبة، ورحمة الله ورحمانيته، وبعد هذا الموقف العظيم من الله سبحانه وتعالى، أي شاب من شبابنا، إذا عرّفت له هذا الإله، بهذه الصفات الإلهية، وبهذه الرقة الروحانيّة، وبهذه الرحمانية والرحيمية، هل تبقى لديه مشكلة مع هذا الإله؟....
نحن – في واقع الأمر - نلمس عكس هذا تماما.... نرى أن منظومتنا الدينيّة – وخاصة الحديثيّة الروائيّة – تعرّف لنا الإله [سامحوني في الوصف] على أنه جلاد، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.....تعرف لنا الإله على أنه لا يفعل سوى الزج بالناس في نار جهنم... سوى تعذيبهم والتنكيل بهم (تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا)...
بمجرد أنك لا تصلى صلاة الصبح حاضرا – أو بمجرد أن تقوم بتجاوز بسيط – أنت في نار جهنم.... لا ليست في نار جهنم فقط، بل في دركها الأسفل......
من الناحية النفسيّة، أنت وضعت هذا الشاب في جهنم، ماذا تنتظر منه أن يقول؟ يقول:
أنا أصلي أو لا أصلي.... أنا في نار جهنم.....
أنا أصوم أو لا أصوم.... أنا في نار جهنم.....
أكون مستقيما أو لا أكون مستقيما.... أنا في نار جهنم
بهذه الطريقة الرهيبة والمخيفة، صورت له هذه المنظومة الأمور
خرجت المرأة من بيتها دون استئذان زوجها – هي ليست ذاهبة إلى الملاهي أو المقاهي – ربما هي ذاهبة لزيارة أختها المريضة، أو أمها العليلة..... تقول المنظومة الحديثيّة تحديدا إلى أن ترجع تلعنها ملائكة السماوات والأرض..... يلعنها الأولون والآخرون.... ولا تقبل صلاتها ولا عبادتها 40 يوما..... هل تقبل هذه المرأة هذا الدين؟.... حتى إن قبلته، هل تقبله بأريحية أو تقبله كرها وعن مضض؟..... بمجرد أن تسمح لها الظروف تنفلت من هذا الوضع.... تتنكر لهذه النسخة المصطنعة من الدين.... تنقلب على الأعقاب....
هذا واقعنا أيها الأعزاء.... هذا ما أصبحنا نسمعه يوميا..... هذا ما أصبحنا نراه ونعيشه خاصة عند المراهقين والمراهقات من أبناء هذه الأمة.....وهو في الواقع شيء يدمي القلوب....
لكن، هذا ليس منطق القرآن الكريم..... ليس منطق " وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ".... ليس منطق " ورحمتي وسعت كل شيء "..... أنظروا كم نحن بعيدون عن منطق القرآن....
في نظري مشكلة البشرية، وخاصة الأمة الإسلامية، تكمن في هذا النموذج المعرفي لله، بمعنى أن المنظومة الحديثية، وكثير ممن يسمون أنفسهم رجال الدين، والمؤسسات الدينية عموما، أعطوا صورة ولوحة عن الله لا تجذب الناس إليها، بل تنفرهم وتبعدهم عن الدين....
هذا واقعنا أيها الأعزاء... لا نسمع على المنابر إلا عن إله يعذب ولا يرحم.... ينتقم ولا يتجاوز.... يعاقب ولا يفو.... يحاسب ولا يصفح....
في الواقع توجد صورتان:
الصورة الأولى هي صورة أن العلاقة بين الله وخلقه، علاقة المحب بالمحبوب.... علاقة العاشق بالمعشوق.... علاقة " قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم. والله غفور رحيم " (آل عمران : 31).... علاقة: " يا ابن آدم إني وحقي لك محب فبحقي عليك كن لي محبا ". يقسم الله بحقه، وما يقسم العظيم إلا بعظيم.....هذا ما يقوله الحق تعالى في القرآن وفي التوراة....
إذا كانت علاقتك مع محبوبك ومعشوقك علاقة محبة وعشق وهوى هل يقدر هذا المحبوب الكريم، وهذا المعشوق الجواد أن يؤذيك؟.... برأيي محال ذلك
ابنك (أو ابنتك) فد تهدده وتقول له: أفعل بك كذا وكذا.... لكن وقت الفعل هل تقدر أن تفعل ذلك بالقدر الذي توعدت به.... قد تجره من أذنيه جرة، ولكن لا تقدر أن تنتقم منه انتقاما يسحقه سحقا....لماذا؟
لأن العلاقة التي تربطك به (أو بها) هي علاقة محبة.... علاقة " يحبهم ويحبونه "....
لا أقول أنه لا يوجد حساب ولا عقاب (أعوذ بالله من ذلك)، لكن علينا أن ننظر إلى الأمور كما هي بحكمة واتزان، لا إفراط ولا تفريط فيها.
الصورة الثانية هي صورة العلاقة التي تنادي بها المنظومة الحديثية، والتي يصورها لنا كثير ممن يسمون أنفسهم رجال الدين، والمؤسسات الدينية عموما، هي صورة أن العلاقة بين الله وخلقه، علاقة المنتقم بالمسيء، والجبار بالذليل.... علاقة مطعمة بالسوط الإلهي، والانتقام الرباني وليس بالرحمة الإلهية، والمنن الربانية.....
أعزائي، هل نقرأ في القرآن الكريم " والذين آمنوا أشد خوفا من الله "؟..... أم " والذين آمنوا أشد حبا لله "....
لأن الإيمان إذا أورثك محبة وسافر بك إلى ديار العشق، فاعلم أنه إيمان صادق....
نعم، صدق الإيمان وكماله – برأيي – هو أن يورثك حبا لمعبودك
أما إذا أورثك الإيمان خوفا فقط (أقول فقط) فهو – برأيي – إيمان ناقص، لا يؤدي إلى الحب الرباني....
إذا عبدته على قاعدة أخاف يوم ألقاه أن يعذبني وينتقم مني.... فأنت – بهذا المنهج – لا تستطيع أن تصل إلى مرتبة حبه سبحانه وتعالى....
إذا كنت تصلي من باب الخوف فقط (أقول فقط).... وإذا كنت تصوم من باب الخوف فقط (أقول فقط).... وهكذا مع سائر الطاعات، فإن ذلك لن يقودك إلى مقام الحب الإلهي..... ذلك سلوك المستضعف الضعيف مع المستبد (تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا).
أعزائي، عشنا جميعا حالة الاستبداد.... استبداد الحاكم وقابله إذعان المحكوم.... كل ما كنا نفعله، كنا نفعله – أيام الاستبداد - خوفا من استبداد النظام، بمجرد أن فسح المجال انفجر المجتمع، ونحن نعاني ويلات ذلك الانفجار.... نفس القضية مع الله تعالى....
قد تستوقفني وتقول لي: يا دكتور ماذا نفعل بآيات العذاب... ماذا نفعل ﺒقوله تعالى " فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين" (المائدة : 115)
أجيبك وأقول: نعم هي آية قرآنية جليلة نزلت في إطارها الخاص (وإطارها أصحاب المائدة من حواريي سيدنا عيسى عليه السلام).... يجب أن نبحث كم موضع في القرآن وردت الرحمة والمحبة بتفعيلاتهما وجذورهما.... لماذا ننسى أرحم الراحمين، ونركز على المنتقم الجبار؟.....
نقولها: للأسف، منظومتنا الحديثية وكثير من رجال الدين ثقفونا على نار جهنم، والمنتقم الجبار عوضا عن الرحمان الرحيم.
خلاصة القول – أيها الأعزاء – نحن أمام نموذجين معرفيين عن الإله:
نموذج معرفي يصور العلاقة بين الله وخلقه على أنها علاقة المحب بالمحبوب، وعلاقة العاشق بالمعشوق؛
نموذج معرفي آخر يصور العلاقة بين الله وخلقه على أنها علاقة المنتقم بالمسيء، وعلاقة الجبار بالذليل؛
يدفعني كل هذا للاعتقاد – وهذا رأي أثبتته الأيام - بأنه ربما أكثر من 90% من الذين يسلكون النهج الإلحادي ليسوا في واقع الأمر ملاحدة، ولا من المتمردين عن الله، بل ربما تكون لديهم مشكلة جوهرية، ليس مع الله بل مع القراءة التي تقدمها المؤسسات الدينية عن الله سبحانه وتعالى، وهي – في حقيقة الأمر - قراءة بعيدة عن روح القرآن الكريم ومنبتة عن منهجه القويم...
نعم، لو عرّفنا لأولئك البعيدين عن الله.... هذا الإله، كما عرّفه القرآن الكريم، بشكل المحبة والرحمة فسيأتون إلى الله حبوا وليس ركضا.
نفس السلوك، ونفس الثقافة مع الأئمة الأطهار عليهم السلام، ثقافتنا – للأسف – ثقافة إن لم تعتقد بهم يصورك هذا النموذج المعرفي على أنك كافر.... فاسق... ناصبي.... ربما ابن زنا....أعمالك هباء منثورا.... مكبوب على وجهك في النار....
يعني إما أن تقبل بالأئمة عليهم السلام أو أنت كافر... فاسق.... زنديق.... ملعون.....
أي مسلم تعطيه صورة مشوهة عن الأئمة عليهم السلام، وصورة عدوانية عن مدرسة أهل البيت ويتقبلها منك ويكون له استعداد بأن ينضم إليها؟
أعزائي، أين ثقافتنا من ثقافة القرآن الذي نقرأ فيه قول الله سبحانه وتعالى لحبيبه صلى الله عليه وآله: " فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك. فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إنه يحب المتوكلين " (آل عمران : 159)؛
أين ثقافتنا من ثقافة ما قاله الإمام الرضا عليه السلام لأبي الصلت الهروي: " رحم الله عبدا أحيا أمرنا، فقلت له: كيف يحيى أمركم، قال يتعلم علومنا ويعلّمها الناس فان الناس لو علموا محاسن كلامنا لاتبعونا "، وأين ثقافتنا مما قاله الإمام جعفر الصادق عليه السلام للفضيل: " يا فضيل أتجلسون وتحدثون، قال: نعم جعلت فداك، قال: إن تلك المجالس أحبّها فأحيوا أمرنا يا فضيل فرحم الله من أحيا أمرنا ". إن إحياء أمر محمد وآل محمد عليهم السلام موجب للرحمة الإلهية التي نتوق إليها جميعاً.
علينا أن ننتبه أيها الأعزاء والعزيزات وننقي هذا النموذج المعرفي الذي توارثناه عن الله.... ننقيه مما توارثناه من ثقافة خاطئة... ننقيه بسلوكنا درب العشق الإلهي، ونهج المحبة مع الله وعباده، واتباع اللين مع الناس.
اللهم أرزقنا حبك وحب من يحبك وعملا صالحا يقربنا إلى حبك....اللهم اجعلنا من الهادين المهديين ولا تجعلنا من الضالين المضلين.... اللهم ارزقنا التجافي عن دار الغرور والانابة إلى دار الخلود، والاستعداد للموت قبل حلول الفوت.
والحمد لله العالمين، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.